كانت الأمطار تنهمر بغزارة فيما حملت مجموعة من الرجال شيئا ملفوفا في بطانية نحوي، وأصروا أن ألقي عليه نظرة.

وتجمع حشد، وكان الضوء الوحيد المتاح هو القادم من هواتفنا النقالة، فالكهرباء مقطوعة منذ شهور.

توقف الرجال، وببطء وعناية كشفوا البطانية. في البداية، لم أدرك ما بداخلها. وفجأة اتضح أنه رجل عجوز.

كان يرتدي بلوفر وبنطلون بدلة رياضية، ساقاه ضعيفتان وفمه فاغر وعيناه تحملقان في اللاشئ.

كان العجوز يحتضر. نظر تجاهي آملا أن أفعل شيئا. ولكن لم يكن بوسعنا فعل أي شئ.

معاناة هائلة

قبل ذلك بساعات، دخلنا بلدة مضايا. فهي على بعد ساعة بالسيارة من العاصمة السورية دمشق وتخضع للحصار منذ شهور.

وجرت مفاوضات في ميناء طرطوس من أجل الفوز بإمكانية الوصول إليها وغيرها من البلدات المحاصرة.

والآن، فإن منظمتي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر آي سي آر سي، بالإضافة للهلال الأحمر السوري والأمم المتحدة تم السماح لهم بإدخال الاحتياجات الإنسانية الضرورية إلى البلدة.

ومضايا، واحدة من عشرات وربما مئات، المناطق في سوريا التي تحتاج للمساعدات الإنسانية الضرورية. فهناك حجم معاناة هائل.

فالحرب مندلعة منذ نحو 5 سنوات.و250.000 شخص لقوا حتفهم. و13 مليونا في حاجة للمساعدة. ونحو نصف مليون يعيشون في مناطق محاصرة.

ماريان جاسر (يمين) تعاين بنفسها معاناة أهالي مضايا

ويتطلب الأمر بذل جهد حقيقي ودائم لتخفيف المعاناة. وذلك غير متوفر حاليا.

فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بعملية الإغاثة في مضايا، استغرق الأمر شهورا كي تبدأ المفاوضات.

فمنذ البداية، ارتبطت المساعدات لمضايا في الجنوب بتسليم المساعدات لبلدتين في الشمال هما الفوعة وكفرايا.

وفي الوقت الذي تخضع فيه مضايا لحصار قوات موالية للحكومة السورية، فإن الفوعة وكفرايا، اللتين تعانيان تماما كمضايا، تخضعان لحصار الجماعات المعارضة.

فلن تحصل مدينة على مساعدات دون وصول المساعدات للبلدتين الأخريتين - وفي نفس التوقيت. وهذا النظام كان من الصرامة بحيث إذا تعطلت شاحنة في الطين في الشمال، فإن شاحنة الجنوب لا يمكنها التحرك حتى تتحرر الأولى.

فلا يمكن تسليم الطعام إلى بلدة حتى تظهر- صور عبر واتس آب - أن نفس الطعام يتم تسليمه إلى الجانب الآخر.

تم السماح بقوافل الإغاثة بعد مفاوضات مرهقة

وتم السماح أيضا للهلال الأحمر السوري بدخول مضايا

ونعود إلى مضايا حيث تم اصطحابي إلى ما يطلق عليه "مركز صحي". وهو في الواقع غرفة في قبو بمنزل.

وفي إضاءة ضعيفة للغاية، شاهدت أجسادا هزيلة ترقد على بطانيات زرقاء على أرض الغرفة: كبار في السن، وضعاف وجوعى ومرضى.

وجه بارزة عظامها

وكان هناك العديد من الأطفال برزت عظام وجوههم من الجوع. ولاحظت علامات الحقن على أذرعتهم والتي تتم من خلالها محاولات الإبقاء على حياتهم.

واصطحبني الطبيب، الذي يرتدي معطفا أبيض ملطخ بالدماء، إلى السرير الوحيد الموجود وتشغله سيدة وطفلة.

فالسيدة على وشك الولادة ولكنها سقطت وفقدت وعيها منذ 4 أيام.

والطفلة عمرها ثماني سنوات وغير قادرة على الحديث والحركة. لقد كانت ضعيفة جدا.

ساد الصمت. وشرع الطبيب، بجانبي، في البكاء.

فمحادثات السلام تأتي وتذهب. والقتل مازال مستمرا.

المساعدات وصلت أيضا إلى مدينتين تحاصرهما جماعات المعارضة وهما الفوعة وكفريا

انقاذ الحياة

وكل الأطراف تستخدم ما يمكن فقط وصفه بـ "حصار الحروب"، وهو شئ من مخلفات العصور الوسطى حيث يحاول طرف إجبار الطرف الآخر على الاستسلام بتجويعه.

ودائما، يكون المواطنون العاديون هم الذين يعانون.

ونحن كعمال إغاثة، ماذا علينا أن نفعل؟

نعم، يمكننا الحديث عن ضرورة أن تحترم كل الأطراف "القانون الإنساني الدولي"- وأعني احترام المدنيين، وعدم مهاجمة المستشفيات، واحترام كرامة المعتقلين.

نعم، نستطيع التحدث عن الحاجة "للوصول"، أي السماح لعمال الإغاثة بدخول المناطق لمساعدة الجوعى والمرضى والمصابين.

ولكن ماذا يعني ذلك في الممارسة العملية؟

دع عمال الإغاثة يمارسون عملهم.

فلو كانت هناك طفلة عمرها ثماني سنوات تحتاج طعاما قدمه لها. لو كان هناك عجوزا عمره 70 عاما يحتاج رعاية طبية وفرها له. لا تعرض الأرواح للخطر لأن شاحنة تعطلت في الطين، أو أن أحد طرود الطعام ليس مماثلا تماما للطرد الآخر.

وتسريع وتيرة المفاوضات يمكن أن ينقذ أرواحا.

ودعونا نعود ثانية وثانية إلى تلك المناطق، فذلك قد يساهم في إنقاذ أرواح.

كن إنسانا، حافظ على آدميتك. حتى في ظل أقصى درجات ضغوط الحرب.

وفي مضايا، كانت هناك لحظة هزتني كثيرا.

فقد جاءتني امرأة، ورغم كل شئ، ومع أنها تعرف أن مأساتها لن تشهد نهاية وشيكة. أتتني مبتسمة.

اعتقدت أنها سعيدة لأننا أحضرنا المساعدات لداخل المدينة. وكنت مخطئة.

لقد انحنت نحوي وهمست في اذني "هل تعرفين ما حدث بمجيئكم من الخارج؟ وحديثكم معنا، بتذكرنا، لقد أحضرتم لنا شيئا آخر: كرامتنا. شكرا لكم."