لم يكن يتوقع هواة تربية التماسيح أن "اللعبة ستقلب بجد"، ولكن الجد هذه المرة كان من نصيب الحكومة التي أصبحت في ورطة بعد ظهور العديد من التماسيح تباعاً في "ترع" قريبة من القاهرة، خاصة في ترعة الإسماعيلية بالمطرية والمريوطية وناهيا وغيرها.

ظهور التماسيح أثار هلعاً في نفوس المصريين، فلم يعتد المصريون رؤيته إلا في حديقة الحيوانات.

"كيف وصلت التماسيح من السد العالي، حيث تجمع التماسيح التي يجرفها النيل من إفريقيا لتصل للقاهرة؟"، سؤال أجاب عنه وزير البيئة خالد فهمي بأن ما وصفه بتدهور السلوكيات جعل الناس يقدمون على شراء التماسيح من سوق الجمعة والثلاثاء، ويربونها في البانيو، وعندما تكبر قليلاً يلقونها في الترع.

واستبعد فهمي أن يكون التمساح آتياً من بحيرة ناصر، وذلك لأنه لا يستطيع السباحة مسافات طويلة، مستنكراً قيام بعض المزارع بتربية التماسيح للاستفادة بجلودها، فقد يهرب منها واحد أو اثنان في الترع، بحسب رأيه.

وأضاف الوزير في تصريحات صحفية أخرى أن التماسيح التي يتخلص منها الهواة في مياه النيل تتزاوج وتنتشر.

الكلام نفسه أكد صحته الدكتور عبدالعاطي الشافعي، رئيس جمعية حماة البيئة خبير المياه، مشدداً على صعوبة انتقال التماسيح المكتشفة حديثاً من أسوان للقاهرة لوجود العديد من القناطر التي من الصعب أن تنفذ منها.

وفي حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" قال إن وجود التماسيح في المجاري المائية أمر طبيعي، ولكن "أن نسمع عنها في القاهرة دي حاجة جديدة علينا ومثيرة للذعر".

ومال الشافعي لرواية وزير البيئة بأن الهواة هم مَنْ يُلقون هذه التماسيح في الترع حتى تتكاثر.

وأشار إلى أن تكاثر التماسيح يسبب عدة مخاطر منها تلوث البيئة، وتهديد الثروة السمكية؛ لأنها ستلتهم الأسماك الصغيرة وبكميات كبيرة، بجانب تهديدها للصيادين وصعوبة اصطيادها من المياه.

ووجّهت وزارة البيئة، الجمعة الماضي، رسالة للمواطنين لعدم الإقدام على شراء التماسيح أو مثل تلك الحيوانات الضارية، ولو على سبيل الفضول حتى لا يصيبهم ضرر منها.

سيد تمساح

سيد تمساح هو اسم أطلقه أهالي منطقة على سيد عبدالمنعم الذي يعمل "منسق مناظر سينمائية"، بسبب اشتهاره باقتناء التماسيح باستمرار، فهو مُولع بها منذ أمد بعيد، وأكد صحة ما ذهب إليه سابقوه.

وأوضح أن تربية التماسيح باتت هواية وظاهرة خاصة بين الشباب اليافعين، ولكن البعض يقبل عليها دون دراية كفاية بأساليب تربيتها ومخاطرها، وعندما تهاجمه أو يعجز عن الاهتمام بها يلقيها في أقرب "ترعة" إليه.

وكشف أن أصحاب مزرعة كلاب يعرفهم معرفة جيداً، أرادوا توسيع أنشطتهم بتربية التماسيح، ولكن عندما فشلوا في التعامل معها قرروا التخلص من قرابة 15 تمساحاً مرة واحدة بإلقائها في نهر النيل بمنطقة الوراق.

وعن ولعه بتربية التماسيح يرى سيد أنها كائنات مسالمة ولكنها تحتاج الحذر؛ لأنها عنيدة وقوية، ويجب مسكها من رقبتها للسيطرة على حركة فكّها، رغم أن آثار قضم التماسيح له مازالت تاركة أثراً لها على يده.

ولكن مشكلة تربية التماسيح - وفق حديث سيد - تكمن في أن طولها الذي يصل إلى قرابة 5 أمتار، وهو ما يصّعب استمرار بقائها في منزله، خوفاً على أبنائه منها؛ لأن التماسيح تظل حيوانات مفترسة، وهو ما يدفعه لإحضار تماسيح صغيرة ويربيها حتى يصبح طولها متراً أو يزيد، ومن ثم يبيعها ويحضر غيرها صغيرة لأنه لا يستطيع العيش دونها.

"حباً في الشراسة ورغبة في الاختلاف"، هكذا بلور سيد فلسفته في حب تربية التماسيح، وهي تتغذى على "الكبدة والسمك وأجنحة الفراخ"، كما يوضح.

ودعا سيد هواة التماسيح إلى ألا يقبلوا على شرائها إلا بعد معرفة المعلومات الكاملة عن تربيتها وكيفية التعامل معها، وفي حال فشلوا في تربيتها فعليهم التبرع بها لأي حديقة حيوانات أو بيعها للتجار الذين يشترونها بما لا يقل عن 2000 جنيه إن تخطت المتر.

سألنا زوجة سيد أيضاً عن مدى تقبلها لتربيته التماسيح في المنزل، فردت بأنها ليس لديها مشكلة مادامت لا تقترب منهم، ولكن يحدث أحياناً أنهم يخرجون من الحوض الزجاجي المخصص لهم فيرعبونها، وتظل تلاحقه بسؤال متكرر: "ما الفائدة منهم؟".

محمد طلبة

محمد طلبة (تاجر حيوانات وتماسيح) مقتنع هو الآخر بأن التماسيح أليفة إن اعتادت الشخص، ولكنه لا يجد وقتاً للجلوس مع تماسيحه، ما جعلها تحاول مهاجمته عدة مرات، لكنه يعرف جيداً كيف يسيطر عليها.

وكشف طلبة أن الشباب الصغار أكثر إقبالاً على التماسيح والثعابين المصرية؛ نظراً لرخص ثمنها.

وتعجب طلبة من القول إن الهواة يلقون التماسيح في مياه النيل عندما تكبر، حيث إنهم يشترونها من الهواة من جديد عندما يكبر حجمها وبأسعار غالية الثمن، ويمكن للهواة التبرع بها لحدائق الحيوانات أيضاً.

وأشار إلى أن التماسيح إن تمت تربيتها في أحواض زجاجية يظل حجمها صغيراً وينمو ببطء، ولكن إن تُركت في الهواء الطلق أو رُبّيت في مكان واسع وتناولت الكثير من الطعام يكبر حجمها بسرعة كبيرة.

من جانب آخر نصح أحمد درويش (بائع زواحف) بعدم الإقبال على تربية التماسيح في المنازل، حيث كان لأحمد نصيب من تجارتها وتربيتها، وما اكتشفه أن كل همّها هو مهاجمة الإنسان، ولا يمكن ترويضها.

ودلل على حديثه بأن أحد التماسيح التي كان يربيها لم يتجاوز طوله 50 سنتيمتراً، وفي لمح البصر قضم إصبعه أثناء تنظيفه حوضها، قائلاً: "شعرت بأن أسنانه اخترقت عظم إصبعي، وأحسست بشلل كامل في ذراعي".