حصل الباحث والدبلوماسى العمانى سالم بن سيف الحربى على درجة الدكتوراة فى العلوم السياسية عن موضوع (تطور العلاقات العمانية المصرية 1970 ـ 2011 بين الاستمرارية والتغير وتأثيرها على قضايا الأمن الإقليمى)، وذلك من جامعة بورسعيد، كلية التجارة قسم العلوم السياسية والإدارة العامة، تحت إشراف الأستاذ الدكتور جمال زهران أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بالكلية، والدكتور أحمد محمد العايدى مدرس العلوم السياسية بالكلية.

وأكد الباحث العمانى فى دراسته على تميز العلاقات العمانية ـ المصرية، ومازالت، بالخصوصية القائمة على الاحترام والتقدير المتبادل بين البلدين، وذلك على مدار فترة الدراسة خاصة (1970 ـ 2011 م)، وعامة خلال عموم العلاقات بين البلدين، وانطلقت الدراسة من مقدمات لهذه العلاقات ذات الخصوصية بين البلدين، وسعت للإجابة على العديد من التساؤلات.

وأشار الباحث إلى أن الدراسة انطلقت من البحث عن إجابة لإشكالية البحث وهو طبيعة العلاقات العربية ـ العربية، وموقع العلاقات العمانية ـ المصرية كحالة لهذه العلاقات فى إطار المعطيات الإقليمية والدولية التى شهدتها الساحة العربية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وكيف تبلورت هذه العلاقات الثنائية فى شكل قضايا بين البلدين ألقت بظلالها وتأثيراتها على الأمن الإقليمى، ومن ثم البحث فى السبل والوسائل التى من شأنها الارتقاء بتلك العلاقات نحو الآفاق وإضاءة الطريق لتوسيع نطاق التفاعل بينهما من أجل تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمى والعمل على صيانة ودعم العمل العربى المشترك.

وأشار إلى أن السؤال الرئيسى هو: ما هى طبيعة العلاقات بين سلطنة عمان وجمهورية مصر العربية خلال فترة الدراسة ؟ وكيف أثر ذلك فى صياغة المواقف المشتركة من قضايا استراتيجية ومحورية بينهما؟ وما هو المدى الذي يمكن أن تلقى به تطورات العلاقة بظلالها على الأمن الإقليمى فى شقيه العربى العام والخليجى الفرعي سلبًا أو إيجابًا؟

وأشار إلى أنه للوصول إلى إجابات على ذلك التساؤل الرئيسى، وتلك التساؤلات الفرعية، فقد اتبع فى دراسته إطارًا منهاجيًا تركز على منهج تحليل النظم، ورائده (ديفيد إيستون) كمنهاجية أساسية فى التحليل، باعتباره أكثر المناهج ملاءمة لتحليل موضوع هذه الدراسة والتمكن من الوصول إلى فهم طبيعة وتطور العلاقات العمانية ـ المصرية.

ولذلك تم تقسيم الدراسة إلى بابين رئيسيين، خصص الباب الأول لصياغة وبلورة الإطار النظرى للدراسة وتحليل بيئة العلاقات العمانية ـ المصرية، ويشمل فصلين:

الأول، يتعلق بالإطار النظرى للدراسة والثانى، يتعلق ببيئة العلاقات العمانية ـ المصرية (الداخلية والإقليمية والدولية) كما خصص الباب الثانى، لتحليل العلاقات العمانية المصرية، وذلك فى ثلاثة فصول، الأول لتحليل تطور العلاقات فى إطارها الثنائى، الثانى لتحليل قضايا الصراع العربى الإسرائيلى، والقضية الفلسطينية، وموقف الدولتين منها ومدى تلاقيهما أو تباعدهما، والثالث، خصص لتحليل قضايا الأمن فى منطقة الخليج العربى ومدى التوافق والتنسيق بين الدولتين إزائها.

وأوضح فى هذا السياق إلى أن الدراسة من خلال تقسيمها إلى بابين، وخمسة فصول، و (14) مبحثا، استطاعت أن تصل إلى عمق هذه العلاقة وتطورها، والإجابة على التساؤلات الرئيسية منها والفرعية، ومحاولة استشراف مستقبل هذه العلاقات الثنائية فى إطارها الأشمل العلاقات العربية ـ العربية، وفى ضوء التحولات الراهنة وتأثيراتها المستقبلية.

وأضاف أن هذه الدراسة استطاعت صياغة إطار نظرى واضح قائم على فكرة الترابط بين الأمن القطرى لكل دولة عربية، وبين الأمن القومى العربى، على خلفية أن الأخطار التى تهدد الأقطار العربية واحدة، ولأن مستقبلها أو مصيرها واحد، ولأن الأمن القومى العربى يستمد قوته وأهميته من صفته القومية، باعتباره كل لا يتجزأ.

وذكر أنه انطلاقا من هذا الترابط بين الأمن القومى القطرى والأمن القومى العربى، فإن تبني والتزام الدراسة بمنهج التحليل النسقي لـ(ديفيد إيستون)، الذى يعتمد على منظومة المدخلات والمخرجات، باعتبار أن أية مخرجات وهى المتعلقة بالقرارات والسياسات، هى نتاج مدخلات معينة انبثقت من بيئة موضوعية داخليا وإقليميا ودوليا، وهو الأمر الذى ساعد على التحليل الموضوعى لتطور العلاقات بين دولتى سلطنة عمان وجمهورية مصر العربية.

وقال أن الدراسة خصصت الفصل الثانى من الباب الأول لتحليل بيئة العلاقات العمانية ـ المصرية، سواء على المستوى الداخلى بشرح الخصائص القومية للدولة، والبيئة النفسية لصانع القرار، وعلى المستوى الخارجى بشرح البيئة الإقليمية والبيئية الدولية لهذه العلاقات العمانية ـ المصرية. وذلك انطلاقا من ذلك الترابط بين البيئة الشاملة المحيطة بصانعي القرارات فى البلدين (عمان ـ مصر)، وبين تطور العلاقات الشاملة بينهما.

فقد كشفت الدراسة على أن ذات المدخلات التى كانت بمثابة البيئة الداخلية والإقليمية والدولية تواجه سلطنة عمان، هى ذات المدخلات والبيئة التى كانت تعيشها جمهورية مصر العربية، انطلاقا من الإدراك المشترك بينهما لذلك الترابط بين الأمن القطرى والأمن القومى العربى، مما ساعد على تقارب بل وتوحيد المواقف بين الدولتين خلال فترة الدراسة، إزاء كافة القضايا محل الدراسة وهو ما تكشف عنه الدراسة فى الباب الثانى.

حيث خلصت الدراسة فى هذا الباب إلى أن العلاقات العمانية المصرية، ليست بالعلاقات الحديثة ولكنها ضاربة فى التاريخ القديم إلى ما قبل 3500 سنة، الأمر الذى أدى إلى إنتاج تشابكات تجارية واقتصادية واسعة، تطورت مع الوقت وبعد قيام سلطنة عمان الحديثة، إلى إنتاج أهداف سياسية واستراتيجية وروابط اجتماعية وثقافية واسعة، ومن ثم فإن تلاقى الأفكار والمواقف بين الدولتين تجاه قضايا المنطقة لم يأت من فراغ، بل كان للتاريخ والجغرافيا الأثر الكبير فى بلورة مواقف مشتركة بين الدولتين. ولذلك تم تناول تطور العلاقات العمانية المصرية فى ثلاث مراحل هى (1970 ـ 1980)، (1981 ـ 2000)، (2001 ـ 2011)، وهو مجرد تقسيم زمنى وإجرائى فى ضوء المحطات الهامة فى تطور هذه العلاقات.

وقد خلصت الدراسة فى هذا الجزء إلى عمق العلاقات في كافة المجالات بين البلدين، وكان ذلك دافعا إلى التنسيق فى المجالات السياسية والاستراتيجية والأمنية.

وقد حللت الدراسة أيضا فى إطار الباب الثانى، مواقف الدولتين من قضايا الصراع العربي الإسرائيلى، ابتداءً من اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام، ثم مسارات التسوية، ثم وصول حماس للسلطة فى غزة والتطورات التى لحقت بالقضية الفلسطينية، وذلك فى سياق فترة الدراسة (1970 ـ 2011)، وقد خلصت مواقف الدولتين إلى التوافق إلى حد التطابق.

وفى هذا الإطار يقول الباحث والدبلوماسى العمانى أيضًا أنه يكفى الإشارة إلى أن سلطنة عمان هى الدولة العربية الوحيدة التى وقفت بجانب مصر فى أعقاب زيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات للقدس عام 1977، وما ترتب على ذلك من توقيع اتفاقيات معاهدة كامب ديفيد، التى نجم عنها مقاطعة عربية شاملة لمصر، بينما سلطنة عمان ببصيرتها وعمق العلاقات مع مصر، كانت هى الدولة التى لم تتخلى عن مصر بغض النظر عما حدث، لمكانة مصر الرفيعة وحسن تقديرها للأمور شعبا وقيادة.

وتابع قائلا: لقد تحملت فى المقابل سلطنة عمان ضغوطا لا حصر لها سواء من دول الخليج العربى أو من العديد من الدول العربية الأخرى، جراء هذا الموقف المتفرد.

كما حللت الدراسة أيضا فى إطار الباب الثانى، مواقف الدولتين فى قضايا الأمن فى منطقة الخليج العربى، ابتداء من الثورة الإيرانية وأزمة الخليج الأولى المتمثلة فى الحرب العراقية الإيرانية، ثم أزمة الخليج الثانية عندما غزا العراق دولة الكويت (90/1991) وما ترتب على ذلك من تدخل دولى لتحرير الكويت، ثم أزمة الاحتلال الأميركى للعراق عام 2003، وأخيرًا الملف النووى الإيرانى وما لحقه من تطورات فى المنطقة لا زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن.

وقال أنه قد تأكدت أيضا مواقف الدولتين المشتركة فى هذه الأزمات فى سياق عمق العلاقات بين الدولتين والبعد التاريخىى لها من جانب، ومن جانب أخر تلك الرؤية المشتركة لكلتا الدولتين في علاقة الأمن القطرى بالأمن القومى العربى وتداخلهما وترابطهما، وأنهما ذات علاقة عضوية بحيث يصعب فصل أحدهما عن الأخر. ولذلك جاءت المواقف متقاربة إلى حد التطابق، ومشتركة دون خلافات.

وأوضح أنه على مدار الدراسة في الجزء النظرى والجزء التطبيقى، استطاعت الدراسة أن تجيب على التساؤلات الرئيسية والفرعية، ليتأكد أن العلاقات بين الدولتين (عمان، ومصر) قد شهدت تطورات هامة للأمام، وكان نصيب درجة الاستمرارية غالبا إلى حد كبير، بينما نسبة التغير ـ وليس التغيير ـ كان محدودا، أكدته مواقف الدولتين المشتركة فى القضايا محل الدراسة، وهما القضيتان الرئيسيتان فى النظام الإقليمى العربى (قضية الصراع العربى الإسرائيلى والقضية الفلسطينية، وقضية الأمن في الخليج العربى وما يواجهها من تحديات جسيمة)، ومن ثم فقد كان للتطور الذى شهدته العلاقات بين الدولتين، والتى اتسمت بالإيجابية، الأثر الفعال على تغليب الاستمرارية على التغيير، والتأثير الإيجابى على صياغة وبلورة مواقف مشتركة من قضايا الأمن الإقليمى كما أوضحته صفحات الدراسة.

وأضاف الباحث العمانى أنه يهدى هذا البحث لبانى نهضة عمان الحديثة، صاحب الفكر والرؤية الحكيمة الذى غرس بذور السلام والمحبة والوئام، فى علاقاته السياسية القطرية والإقليمية والدولية، منذ توليه زمام القيادة لهذا البلد العريق الضارب فى جذوره في عمق التاريخ، السلطان قابوس بن سعيد، والذى أهلنا أن نقتبس منه الحكمة والرأى الرشيد من خلال إدارة جلالته للأمور مع الدول الشقيقة والصديقة.

وتقدم بالشكر للشيخ خليفة بن علي الحارثى سفير سلطنة عمان فى مصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية بالقاهرة، وزملائه أعضاء السفارة والملحقية الثقافية العمانية لتقديمهم له الدعم المعنوى الذى كان له الأثر الإيجابى فى تسهيل الصعوبات التى واجهته خلال فترة الدراسة.