كثير من الأطفال في أفريقيا مجبرين على العمل في عدة قطاعات، في البيوت وفي المزارع وكذلك في الدعارة، حيث يتم اغتصاب طفولتهم. غالبيتهم في سن التعليم الابتدائي. وحظر عملهم وحده لا يكفي للقضاء على هذه الظاهرة.

فطومة كانت في الثانية عشرة من عمرها عندما غادرت قريتها في مالي للبحث عن عمل ما في المدينة. وبالنسبة إلى والديها لم يكن التعليم ذو أولوية وعوض ذلك كانت البنت مجبرة على القيام باكرا للعمل كخادمة بيت لدى عائلة وتحضير الفطور ومرافقة الأطفال إلى المدرسة. وهذه مهام يقوم بها عادة أم أو والد، لكن هنا ينفذها طفل. "منذ أربع سنوات أقوم بهذا العمل. في مختلف العائلات التي اشتغلت عندها كان يوجد ما يكفي من الأكل ولم أحصل على مكان جيد للنوم، أرباب العمل كانوا يهينونني"، تقول فطومة البالغة من العمر 16 عاما. "ومن أجل تلقي راتبي في حدود 15 يورو، وجب علي تحمل آلام العالم. وأحيانا كنت أعود خاوية الوفاض إلى والدي في القرية".

وفطومة ليست حالة استثنائية. ففي جميع أنحاء العالم يكون الأطفال مجبرين على القيام بأعمال إلزامية أو خطيرة تهدد صحتهم وأمنهم وتطورهم الأخلاقي. ففي افريقيا جنوبي الصحراء بات عدد الأطفال المجبرين على العمل أعلى من أي مكان آخر في العالم، إذ أن خمس مجموع الأطفال الأفارقة معنيون بهذه الظاهرة. وأكثر من نصفهم مازالوا دون الحادية عشرة في العمر، ما يجعل أطفال افريقيا من أصغر العمال في العالم.

عمل إجباري والدعارة ومناجم الذهب

وعمل الأطفال له عدة أوجه. ويشمل ذلك أعمالا خطيرة ومستنزفة أو صعبة جسديا"، كما تشرح نينجا شاربونو من هيئة الأمم المتحدة لإغاثة الأطفال. "العمل الإجباري والدعارة والعمل في مناجم الذهب هي فقط بعض الأمثلة". وغالبية الأطفال في افريقيا تعمل في الزراعة وتربية الماشية، فحوالي ثمانية ملايين طفل يعملون مثل فطومة في قطاع الخدمات وحوالي ثلاثة ملايين في الصناعة. وفي الغالب يبقى عمل الأطفال بدون مقابل مادي، والغالبية تعمل في شركات صغيرة في ملكية عائلات.

Kinderarbeit in Bolivien (picture-alliance/AP Photo/J. Karita)

طفل يعمل كماسح أحذية

"والضرر الذي يتحمله الأطفال من هذه الأعمال كبير وهو يعني قتل طفولتهم"، تقول شاربونو. "الأطفال لا يمكنهم النمو بشكل عادي وبدون صعوبات، كما ينص على ذلك حقهم. وهذا يقود في الغالب إلى أن لا يذهبوا إلى المدرسة. وبهذا تتجذر هذه الدوامة الشيطانية". لأنه بدون تعليم مدرسي لا يحصل الأطفال على أعمال جيدة. "ومن ثم لهم فرص ضئيلة للخروج من دائرة الفقر، وهذا يتعاقب على أجيال".

السن الأدنى للعمل

على غرار فطومة يغادر آلاف البنات الصغيرات أوطانهم في مالي للذهاب إلى المدن الكبرى. وهذا ما يقوله ديالو أسيتان فوفانا، رئيس نادي دعم وحماية حقوق العمل للنساء والأطفال في مالي: "إنهن عاملات مهاجرات تعملن في بيوت المدن الكبرى لمساعدة آبائهن في القرى وضمان قوتهن. والكثير منهن دون سن الرشد ولم يلتحقن بالمدرسة أو غادرناها". وتنص منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة على سن أدنى للعمل في حدود 15 عاما. لكن هذا التشريع الدولي قلما يتم تنفيذه ضمن قوانين وطنية، وبالتالي لا يتم اعتماد هذه الحماية في السن الأدنى للعمل في بوتسوانا واريتريا وكينيا ونيجيريا أو أوغندا.

ويبدو أن الشلل يصيب كفاح افريقيا ضد عمل الأطفال. وتفيد إحصائيات منظمة اليونيسيف أن عدد الحالات من 2012 إلى 2016 ارتفع رغم الإجراءات المعتمدة من قبل الحكومات الإفريقية. "الكثير من العوامل تلعب هنا دورا"، تقول شاربونو " لكن لاسيما النمو المتعثر اقتصاديا في كثير من بلدان افريقيا جنوبي الصحراء. وعامل آخر يتمثل في النزاعات. وفي بلدان النزاعات نلاحظ أن عدد الأطفال الذين يجب عليهم العمل يزداد". أكان ذلك في مالي والصومال أو السودان: فالفقر المتزايد يجبر الأطفال على تقديم المساعدة وضمان قوت العائلة. "العائلات تتعرض للتهجير ولم تعد تتوفر على دخل عادي أو أن رب العائلة تعرض للقتل أو تم فصله عن باقي العائلة".

التعليم وظروف عمل عادلة

الأمم المتحدة التزمت حتى عام 2025 بالقضاء على عمل الأطفال. "لكن واضح أننا حاليا لا نتوفر على السرعة المطلوبة"، كما تقول شاربونو. والقيام بتعديلات قانونية لا يكفي:  "حظر عمل الأطفال بصفة عامة لا يكفي. فإذا كانت العائلة تعول على ذلك الدخل ولا تتوفر على شيء آخر، فإننا ربما لم نقدم خدمة لتلك العائلة". وعوض ذلك وجب تغيير الوسط العام وظروف العمل. وتذكر شاربونو أربع خطوات:" الأولى تتمثل في إيجاد تشريعات فعالة لحظر عمل الأطفال في شكله الأصعب وتنفيذ هذا الحظر". وثانيا وجب تحسين الظروف أمام العائلات:" مثلا مع ضمان تأمين اجتماعي في حال تعرض كلا الأبوين للبطالة. والآباء في حاجة إلى إمكانيات عمل عادلة وأجر مقبول حتى لا يكون الأطفال مجبرين على العمل". وبالنسبة إلى الأطفال يجب ضمان عروض تعليم بالمجان وذات جودة حتى يبقوا في حضن المدرسة.

Baumwollernte in Ägypten (picture alliance/NurPhoto/H. Elsherif)

أطفال يعملون في حقول القطن بمصر

وثالثا يرتبط الأمر بتغيير في الفكر الاجتماعي:" يجب لفت الانتباه إلى ان عمل الأطفال ما يزال يشكل إشكالية وأنه مضر بنمو الأطفال. ورابعا وجب على الشركات أن تقدم مساهمة كبيرة وهامة أكثر من أي وقت مضى".

خطوات صغيرة على المستوى الوطني

لكن يوجد أيضا تقدم، كما تقول أريان غينتون التي تعمل لدى منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة (الفاو) كمندوبة برامج لعمل الأطفال في الزراعة. "مزيد من الحكومات والقطاعات في الزراعة يتخذون تدابير لمعالجة مشكلة عمل الأطفال في الزراعة. لكنها مشكلة معقدة لا يمكن حلها بإجراءات متفرقة أو من جانب دولة واحدة. فهذا يحتاج إلى جهود منسقة لمحاربة عمل الأطفال".

وعلى كل حال فإن بعض البلدان مثل ساحل العاج ومالي ورواندا عملت على تقوية الحماية القانونية للأطفال وبعض الحكومات أنشأت لجانا أو مجموعات عمل. ومالي رفعت السن الأدنى للعمل إلى 15 عاما ووسعت قائمة المهن الخطيرة بالنسبة إلى الأطفال.

زيليا فروليش/ م.أ.م

  • أطفال يجمعون القهوة في كولومبيا

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    القهوة

    وفقاً لمنظمة العمل الدولية، فإن الزراعة هي القطاع الذي يشهد أسوأ أشكال عمالة الأطفال وأكثرها شيوعاً، حيث توظف مزارع البن الأطفال لجمع الحبوب في كولومبيا وتنزانيا وكينيا وأوغندا والمكسيك ونيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وهندوراس وبنما والسلفادور وغينيا وساحل العاج.

  • طفل يجلس أمام كومة من القطن في ساحل العاج

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    القطن

    يتم قطف القطن من قبل الأطفال في جميع أنحاء العالم، خاصة في البلدان التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على محصول القطن، كما هو الحال في ساحل العاج، حيث توفر تلك الزراعة لقمة العيش لنحو ثلاثة ملايين شخص. وفي أوزبكستان وتركمانستان، يعد عمل الأطفال في جمع القطن من المشاكل الصعبة، فوفقاً لمنظمات غير حكومية، يُجبر الأطفال أحياناً على العمل في قطاع القطن.

  • أطفال يحملون الطوب في الهند

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    الطوب

    وضعت وزارة العمل الأمريكية قائمة بـ15 بلداً تستخدم عمالة الأطفال لإنتاج الطوب لمشاريع البناء. وتشمل هذه البلدان الأرجنتين والبرازيل والصين والإكوادور وكوريا الشمالية وبيرو.

  • لاجئين في ورشة صناعة أحذية في تركيا

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    صناعة الملابس

    لعل أكثر البلدان شهرة بعمالة الأطفال في مجال صناعة الملابس في ظروف كارثية هي كمبوديا وبنغلادش. توظف صناعة الملابس الأطفال في جميع أنحاء العالم. في الصورة لاجئون سوريون، بينهم أطفال، يعملون في إنتاج الأحذية في مدينة غازي عنتاب جنوب شرق تركيا.

  • طفل يحمل قصب السكر

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    قصب السكر

    يقوم الأطفال في بلدان مثل غواتيمالا والفلبين وكمبوديا بجني محصول قصب السكر، حيث عثرت منظمة العمل الدولية على آلاف الأطفال الذين يعملون في إنتاج قصب السكر في الفلبين ولم يتجاوزعمر بعضهم سبع سنوات.

  • default

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    التبغ

    تقول منظمة العمل الدولية إن صناعة التبغ واحدة من أخطر أنواع العمالة للأطفال بسبب ساعات العمل الطويلة والحرارة الشديدة والتعرض للمواد الكيميائية الخطرة، بالإضافة إلى اضطرار الأطفال إلى رفع أحمال ثقيلة وخطر الهجوم من الحيوانات المفترسة أحياناً. ويبلغ متوسط ساعات العمل للأطفال في صناعة التبغ حوالي 10 ساعات يومياً.

  • طفل يزحف خارجاً من منجم ذهب في بوركينا فاسو

    صناعات تعتمد على الأطفال كأيد عاملة

    التنقيب عن الذهب

    تشكل عمالة الأطفال في المناجم، وخاصة مناجم الذهب، أمراً شائعاً في بعض أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. يواجه الأطفال مخاطر عدة: فإما خطر الموت من الانفجارات في حفر التنقيب، أو الوقوف لساعات على ضفاف النهر لغربلة فتات الذهب. ويعاني الأطفال الذين يعملون في التنقيب عن الذهب من مخاطر أمراض مثل الزحار والملاريا والتهاب السحايا والدرن بسبب المياه الملوثة التي يعيشون عليها.

    الكاتب: وفاء البدري