عبد الرحمن الجاموس - خاص ترك برس

اكتسب الاقتصاد الإيراني بفعل العقوبات مناعة ضد الأزمات، إلا إن الانفتاح الدولي الأخير على إيران زاد من الأوهام حول قوة الاقتصاد الإيراني، لدرجة خُيّل للبعض كما لو أن إيران أصبحت قطبًا اقتصاديًا عالميًا، بينما انبهر آخرون بالجولات المكوكيّة للرئيس الإيراني في أوروبا وتوقيعه لعشرات الاتفاقيات والبروتوكولات، ولهذا تأتي هذه الدراسة للوقوف على مؤشرات الاقتصاد الإيراني ومقارنتها ببعض اقتصاديات الدول التي تتنافس معها على عرش زعامة المنطقة كالمملكة العربية السعودية.

الديموغرافيا والاقتصاد

تقدر التقارير عدد سكان إيران بـ78 مليون نسمة، وهو يساوي مرتين ونصف تقريبًا عدد سكان السعودية، كما أن متوسط دخل الفرد في السعودية يعادل خمسة أضعاف نظيره في إيران، إلا أن هناك نقطة واحدة يتشارك بها البلدان وهي أن متوسط العمر المتوقع في كل منهما يساوي 75 سنة.

نعود إلى الديموغرافيا، يقول وزير العمل الإيراني أن 23 مليون نسمة لديهم عمل من أصل 64 مليون ممن هم في سن العمل، ويضيف؛ أن سبعة ملايين من 23 مليون السابقة لديهم وظائف غير رسمية أو غير حقيقية، كما تشير التقديرات إلى أن نسبة البطالة في اعلى مستوياتها وتقدر بـ12%، بينما نسبة البطالة بين الشباب تصل إلى الثلث، ورغم العقوبات لدى إيران ناتج محلي إجمالي يقدر بـ400 مليار دولار، وهو نصف الناتج المحلي الاجمالي للسعودية الذي يبلغ 746 مليار دولار.

احتياطيات النفط والغاز

تشير الدراسات إلى أن حجم الاحتياطي المؤكد من النفط الإيراني يقترب من 157 مليار برميل، وهي تحتل مرتبة متقدمة بين الدول المنتجة للنفط إلا أن احتياطيها المؤكد لا يشكل سوى 60% من حجم الاحتياطي المؤكد للسعودية المقدرب 266 مليار برميل، أما عن الإنتاج تنتج إيران ثلث ما تنتجه السعودية، حيث وصل حجم الإنتاج الإيراني 3.1 مليون برميل يوميًا تم تصدير 1.1 مليون برميل يوميًا منه، بينما تنتج السعودية 10 ملايين برميل وتصدر منه 7 ملايين برميل، وهو يساوي سبع اضعاف ما تصدره ايران.

وهنا لا بد من ذكر نقطة غاية في الأهمية وهي أن إيران تستهلك أقل مما تستهلكه دول الخليج من النفط، رغم أن عدد سكان دول الخليج يشكل أقل من 1% من سكان العالم، ومع ذلك نصيبها أكثر من 5% من الاستهلاك العالمي للنفط، فالمملكة العربية السعودية تستهلك ربع إنتاجها الخاص وهي الآن سادس مستهلك للنفط في العالم، كما أن سعر البنزين في السعودية يعادل ربع أسعار المياه المعبأة في زجاجات!!، مع كل هذا لا يمكن لمحلل اقتصادي أن ينسى أن إيران منتج رئيسي ورقم صعب في صناعة الغاز، حيث لدى إيران صادرات من الغاز الطبيعي تقدر بـ8 مليارات متر مكعب.

العمر الافتراضي للنفط الإيراني

يلعب الاحتياطي المؤكد دورًا أساسيًا في تحديد حجم الإنتاج، فالإنتاج المرتفع مقارنة بالاحتياطي المؤكد يؤدي إلى إنهاك الحقول وبفترة وجيزة، لهذا فإن حاصل قسمة الاحتياطي المؤكد لإيران (157 مليار برميل) على الإنتاج الذي تطمح له (6 مليون برميل) يشير إلى نفاد النفط الإيراني بعد 71 عاما وهو يساوي تمامًا عمر النفط السعودي عند حجم احتياطي مؤكد 266 مليار برميل وحجم إنتاج 10 مليون برميل.

لكن ماذا يحصل فيما لو قررت إيران أن تتبع استراتيجية السعودية في الإنتاج، بمعنى أن تنتج 10 ملايين برميل يوميًا؟ في الحقيقة بعملية حسابية بسيطة نجد أن النفط الإيراني سينفد بعد 43 سنة فقط!

خسائر إيران النفطية

كانت أسعار النفط تتراوح عند سعر 115 دولار للبرميل قبل أكثر من عام، ثم تسارعت وتيرة انهيارها لتصل إلى أقل من 30 دولار هذه الايام، هذا كبد الخزينة الإيرانية خسارة هائلة، وهنا حدثت مغالطة اقتصادية كبيرة، حيث قدّر الاقتصاديون خسارة إيران خلال عام 2015 بما يقارب 100 مليار دولار، في الحقيقة هذه خسارة نظرية لأن الأسعار لم تهبط بشكل مباشر إلى 28 دولار، والأهم جزء من الإنتاج يستهلك محليًا، وإذا ما أردنا أن نحدد بدقة حجم الخسارة فلا بد من حساب وسطي الأسعار الفعلية على مدار عام 2015.

الميزان التجاري وصادرات إيران

تقدر قيمة الصادرات الإيرانية حسب تقارير أوبك بـ100 مليار دولار منها 54 مليار دولار صادرات نفطية، بينما صادرات السعودية بلغت 372 مليار دولار منها 285  مليار دولار صادرات نفطية، مما يعني أن حجم صادرات السعودية غير النفطية تساوي 87 مليار دولار وهي تساوي ضعف صادرات إيران غير النفطية، ولا ننسى العجز الكبير في الميزان التجاري لإيران.

ديون إيران واحتياطي العملات

تقدر مديونية إيران حسب آخر التقارير بـ16.36% من الناتج المحلي الإجمالي، كما لدى إيران احتياطي من العملات الأجنبية يقدر بـ115 مليار دولار، إلا أنه لا يشكل سوى 15% من رصيد احتياطي السعودية البالغ 746.7 مليار دولار، الذي  يضع السعودية بالمرتبة الثالثة عالميًا ‏بل يتجاوز إجمالي الاحتياطي من العملات الأجنبية في العالم العربي بأسره، ويتوقع زيادته مستقبلًا بعد رفع العقوبات، حيث سُمح بإدخال 15 طن من الذهب إلى إيران على أربع دفعات إبان محادثات الاتفاق النووي.

قدرات رفع الإنتاج

أفرط كثير من الباحثين في التفاؤل بقدرة إيران على رفع إنتاجها، وفي هذا الإطار هناك حقائق ثابتة حول قدرات إيران، وتشير الدراسات إلى قدرة إيران على زيادتها صادراتها النفطية حسب حجم المخزون العائم  في عرض البحر، وهذا المخزون ستتخلص منه لأنه يكلفها مبالغ كبيرة كإيجار للسفن، إلا التعظيم من قدرة إيران على زيادة إنتاجها يعد أمرًا مبالغًا فيه، لأن سنوات العقوبات أدت إلى تدهور البنية التحتية لصناعة النفط في إيران، مع ذلك لا نغفل أن إيران طورت قدراتها الذاتية في صناعة النفط خلال فترة العقوبات.

إن تحقيق طموحات إيران النفطية - حسب خبراء - يحتاج لاستثمارات بالمليارات، لهذا تأمل إيران في استقطاب 200 مليار دولار بإبرام عقود وامتيازات جديدة بحلول العام 2020، إلا أن معظم شركات النفط رغم اعتبارها إيران فرصة استثمارية، إلا أنها ستتريث بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض أسعار النفط، ربما سنسمع في الإعلام عن الكثير من الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين الشركات الدولية وإيران لكنها تبقى اتفاقيات، والدليل انسحاب بعض الشركات من الاستثمار في النفط، ولا ننسى أن شركة شل قد أعلنت الخروج من عدة مشروعات رئيسية العام الماضي في الإمارات وغيرها من البلدان.

يرى خبراء أن زيادة إيران من إنتاجها النفطي في ظل الركود الاقتصادي سيكون له آثار سلبية، بل يذهب بعضهم بالقول إن عودة مليون برميل يوميًّا من الصادرات الإيرانية مع نهاية 2016 ستؤدي إلى خفض الأسعار 5-10 دولار للبرميل الواحد.

الأموال وطموحات إيران

حدثت حول هذه النقطة بالنقطة بالتحديد مغالطات كثيرة، وتبادر للبعض أن بإمكان إيران بمجرد رفع العقوبات الحصول على 100 مليار دولار، ولأن أهل مكة أدرى بشعابها، صرح نائب محافظ البنك المركزي الإيراني أن إيران تتوقع الحصول على 29 مليار دولار من أصل 100 مليار دولار من أموالها المجمدة وإعادتهم إلى البنك المركزي بحلول كانون الثاني/ يناير عام 2016، بينما حجم الأموال اللازمة لتطوير الصناعة النفطية على مدى خمس سنوات تقدر بـ100 مليار دولار!

عملة إيران وأسعار الفائدة

فقد الريال الإيراني بحلول أواخر 2012 حوالي ثلثي قيمته أمام الدولار، وانخفضت صادرات إيران النفطية بأكثر من النصف، هذه خسائر دفعتها إيران ولا زالت تدفعها، ويقدر التضخم السنوي بـ11%، حيث وقف الريال عند 35 ألفا مقابل الدولار في نيسان/ أبريل 2013 ثم بلغ 39 ألفا قبيل الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو 2013، ويقدر اليوم بعد رفع العقوبات سعر صرف الدولار الواحد بما يعادل 30 ألف ريال!

لكن حتى لا ننجرف أكثر في التحليل لا بد من ذكر أن انخفاض سعر الريال الإيراني سيؤدي إلى تحسين القدرات التنافسية للصادرات غير النفطية وخصوصًا الزراعية والتحويلية والهيدروكربونية بعد رفع العقوبات عن تصديرها، طبعًا إذا ما تحسنت علاقاتها الاقتصادية مع الجوار المستورد، وإذا ما استثمر الموقف بطريقة اقتصادية.

نقطة أخرى غاية في الأهمية، أن تنشيط الاستثمار في داخل إيران سيعاني من ضغوط كبيرة لصعوبات تتعلق بالإقراض ولارتفاع نسبة الفوائد داخل إيران، حيث يقدر سعر الفائدة بـ21% وهي مرتفعة بينما سعر الفائدة على الودائع 17%.

مؤشر الفساد

تشير تقارير دولية إلى أن إيران حلت في المرتبة 136 من أصل 168 في مؤشر الفساد، ولا يخفى على أحد  عمليات الاحتيال الممنهجة للحصول على قروض مصرفية، وأبرزها حادثة الاحتيال الشهيرة لرجل الأعمال أمير خسروفي وغيرها من قصص الفساد.

آثار رفع العقوبات

كلنا يعلم أن رفع العقوبات جاء في ظرف اقتصادي دولي متأزم، وهبوط حاد في أسعار النفط، لهذا لا يمكن أن يتحقق الرفاه الاقتصادي للمواطن الإيراني بين ليلة وضحاها، وسيبقى المواطن الإيراني يخرج من الساعة السادسة صباحًا حتى العاشرة مساءً، وبوظيفتين صباحية ومسائية، وهذا بالتأكيد سيضع الأحلام الوردية التي رسمها الرئيس روحاني في مهب الريح، لتبدأ الضغوط على نظام إيران، والحال هذه سنشهد في الأيام القادمة (ربما) إضرابات، لأن الدورة الاقتصادية لا تتأثر بالقرارات السياسية أو نمط الايديلوجيا ولا بالخطابات الديماغوجية، وستلعب النظرية الاقتصادية لعبتها وستصب المزيد من الزيت على النار.

أما عن الآثار المباشرة الإيجابية، سيكون لرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران آثار واضحة على الاقتصاد، وسيساعدها على زيادة صادراتها النفطية، لكن لن يكون لها أثر كبير على الإيرادات، بحكم انهيار أسعار النفط، ولحاجتها الكبيرة لتعويض الخسائر السابقة، لكن (ربما) رفع العقوبات سيسهل تدفق الأموال وجني العوائد بمرونة لأنه سيسمح للبنوك الإيرانية بالانضمام إلى نظام تحويل الأموال SWIFT ويحرك الاستثمار على المدى الطويل.

أوهام في تقدير كفاءة إيران بعد العقوبات

يتم الترويج لنية إيران إنشاء مصفاة تكرير في إسبانيا، ولم يتم التطرق لجدوى هكذا مشاريع في الوقت الحالي، ولهذا نسرد وجاهة حجتنا في عدم جدوى المشروع، فجميع الدراسات تقول إن هناك مشاريع كثيرة لإنشاء مصافي حول العالم، ومن المتوقع أن تضيف هذه المصافي المخطط لها ملايين البراميل بحلول عام 2020، وفي الأصل إن نسبة تشغيل المصافي الموجودة لا تتجاوز 85%، وبحلول عام 2020 سيرتفع معدل الطاقات المتجددة، وكل هذا سيؤدي إلى إغلاق الكثير من المصافي بسبب تراجع الطلب والتباطؤ الاقتصادي، كما أن معظم الدول المنتجة للنفط في الشرق الاوسط تهدف إلى الاستفادة من القيمة المضافة للصادرات النفطية من خلال عمليات التكرير.

أيضًا، يروج البعض لفكرة أن علاقة حميمة ستجمع إيران بدول العالم، بل بالغ كثير منهم بسهولة اندماجها العالمي، هذا الطرح غير دقيق في هذه النقطة بالتحديد لأن الاتفاق الموقع لا ينهي العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان والصواريخ الباليستية.

الوهم الآخر يتعلق بقدرة إيران على جذب الاستثمارات الخارجية، في الحقيقة إن دول الخليج مسيطرة على معظم الصناديق الاستثمارية العالمية، ونتيجة لسوء العلاقات مع إيران سيتأثر تدفق الاستثمار إلى إيران، بالإضافة إلى سوء بيئة الاستثمار في إيران، حيث جاءت إيران في المرتبة 152 من أصل 189 بلدًا شملهم تقرير البنك الدولي حول أنشطة الأعمال في عام 2014.

والحال هذه، يمكننا القول إن مرحلة ما بعد العقوبات ستكون أصعب مما قبلها، لأن الشمّاعة التي تضع الحكومة عليها فشلها في تحسين مستوى المعيشة لم تعد موجودة، وبالتالي إن لم تحل المشاكل الهيكلية البنيوية في الاقتصاد الإيراني ربما سيعصف الانفتاح بالنظام السياسي الإيراني، فالإيرانيون أشبه بالأرض العطشى للماء لا يمكن لها الانتظار أكثر، والنظام السياسي الإيراني يحتاج لكثير من الوقت لحل مشكلات بنيوية مزمنة كارتفاع معدل التضخم، فإيران تحتل مرتبة 180 من أصل 187 دولة في مؤشر التضخم، ومشكلات البطالة المرتفعة، ومشكلة تدهور الريال الإيراني، بالإضافة إلى الفساد الإداري والمالي، وغيرها من مشكلات مستعصية.

أما عن الاتفاقيات والبروتوكولات التي تقدر قيمتها بعشرات المليارات التي يوقعها الرئيس الإيراني في جولاته على العواصم الغربية، سنبقى نسمع عن هذه الاتفاقيات، ولن ينفذ إلا الجزء اليسير منها لأسباب تتعلق بالاقتصاد الدولي ذاته، وأسباب تتعلق بجاذبية بيئة الاستثمار في إيران، ولا ننسى الحرب الإيرانية مع دول الإقليم.