إبراهيم كاراغول – صحيفة يني شفق – ترجمة تحرير ترك برس

لن نستطيع فهم هذا الصراع، كما ولن نستطيع أن نفكك ملامحه وتفاصيله الضائعة بين الجبهات المتعددة والممتدة عبر سوريا كلها، فمهما حاولنا أن نفهم ما يحصل نجد أنفسنا ضائعين، ذلك بأننا نأبى أن نرقى ونغير من أماكن أقدامنا، فإذا أردنا ان نفهم ما يحصل يجب أن نرى بالمنظور الكبير والصورة الشاملة.

ستخسرون الرهان إن ضعتم بين جدالات الهوية والمصدر والجبهات الجديدة المتجددة في هذه الجغرافية الفوضوية. لن تستطيعوا حينها إغلاق الجبهات مهما حاولتم، كما ولن تستطيعوا دفعها عن أنفسكم، لأن الحل الوحيد هنا هو جعل جبهتكم في سوريا لا البحث عن حلول للجبهات الكثيرة، لأن أصحاب تلك الجبهات يسعون لإغراقكم في هذه الفوضى حتى لا تجدوا الطريق، فالطريق هو محاربتهم في مشرعهم الخاص "الكعكة السورية" وإغراق تركيا في الوحل السوري.

حَضَرَنا ملايين المسافرين من إخوتنا السوريين، وتوزّع آخرين بين قتيل وجريح في البلاد المختلفة وفي ظلمات البحار المتعددة، فلم تكن الجغرافيا من جمعتهم وإلا العرق أو المذهب، بل كانت الهوية. وصلوا أوروبا بشق الأنفس فلفظتهم وهي تدوس على مبادئها الكاذبة المزورة لتُعلنهم إرهابيين ومفسدين ينغصون عليهم عيشهم، فادعوا بأن دمعات الأمهات وهي تحمل أطفالها خطرا يهدد أمنهم، ثم أرعدوا وأزبدوا حتى جمعوا أمرهم ليتحالفوا في محافلهم السرية ليتقاسمو الغنيمة، فكانت مسرحية جنيف بين روسيا وأمريكا لتقاسم الكعكة، وليتآمروا على تركيا ليحولوها سوريا جديدة.

لهذا فإن ما يحدث في سور وجزري وباقي المدن في هذه الأيام ليس محاربة للإرهاب بل هي حرب شعواء لا علاقة لها بدين أو هوية، إنما هو مشروع لإغراق تركيا في الوحل السوري حتى القضاء عليها. كذلك كانت الأوامر لحزب العمال الكردستاني، وكذلك صنع، فمهمته كانت بإكمال الجبهة حتى تصل شرق جنوب تركيا باسم مقاومة المحتل التركي الذي سرق حقوقهم وحريتهم!

نخوض اليوم حربا على جبهتين، جبهة خارجية كانت إيران وروسيا هي الواجهة فيها، وجبهة داخلية مرتبطة بالخارجية كانت لحزب العمال الكردستاني. فلقد أعلنت إيران عن انتهاء ثورتها التي بدأت عام 1979 في 2016 باتفاقها مع "الشيطان الأكبر" بعد تذوقها لطعم العراق المحتل، ومع هذا الاتفاق أصبحت إيران منافس تركيا اللدود في المناطقة.

تسعى إيران بتحالفها مع روسيا واتفاقاتها مع الغرب لدفع تركيا حتى تُخرجها من النظام العالمي، وذلك لأنها القوة الصاعدة في المنطقة التي لا يستطيعون السيطرة عليها، لكن موقف تركيا المُعجز حال دون ذلك، فتركيا التي صمدت أمام الحروب الصليبية ومن ثم هجمات التتر والمغول، وصمدت كذلك بعد الحرب العالمية الأولى قادرة على الصمود أمام كل هذه الهجمات التي تستهدف تصفية حساباتها مع تركيا لا مع سوريا، فهي الهدف الحقيقي.

تباينت الصفوف ووضحت الجبهات واشتعلت الحرب حتى حمي الوطيس وبدأوا بضرب تركيا من الداخل، لكنها صمدت رغم كل هذا وقامت لتنفض عنها غبار الكسل ولتفتح أبواب المجد وتنطلق. لقد فُتحت أبواب المعجزات من جديد، فدعهم يرسمون خرائطهم كما يشاؤون، لأنها لن تنفعهم حينما يجد الجد، فمن يرسم الخرائط هم أصحاب الأرض الأصليين، ولا أقول هذا الكلام من باب مداعبة العواطف أو إشعالها، وإنما هي الحقائق من تكلمكم، فالتاريخ تلكم وما يزال يحضنا ويدفعنا لندافع ونصون أرض الأجداد.

على تركيا أن تحافظ على أمنها القومي، وتزيد من إمكانياتها، وعليها أيضا أن تستمر بمعجزتها الاقتصادية أمام كل محاولات الإرهاب وتحشداته، فعليها أن تجمع قوتها فتضربه ضربة واحدة لا تقوم من بعدها له أي قائمة، وعليها أن تحافظ على هويتها وتمرر مشروعها الرئاسي بثبات وإصرار حتى تغير أركان المعادلة، فهي بحاجة لكل خبرتها السياسية وعقلها السياسي الفذ لتقضي على تحالف الغربان الذي جمع التنظيمات الإرهابية بالأحزاب الداعمة له، والتي تسعى لنشر الخراب باحتلال داخلي تحت أسماء وعناوين برّاقة خادعة.

يجب أن نواجه اليوم جبهة الحدود الجنوبية والمنطقة بين اعزاز وجرابلس كما نواجه جبه جيزرة والمدن الداخلية، لأنها جبهة واحدة لا تنفك، فإذا حاولنا مواجهة جبهة دون أخرى سنفشل وسنُتيح لهم مجال التقدم حتى يصلوا ويضربوا في قونيا وأرضروم، فلا خيار أمامنا إلا أن نضرب بيد من حديد كل الجبهة ككيان واحد.

يجب أن نواجه الإرهابيين والمحتلين الداخليين الذي يسعون في خراب ودمار هذه البلاد بمقاومة لا تعرف الرحمة. سنقاتلهم حتى نسحقهم فلا نُبقي ولا نذر، ثم سنلعنهم والأجيال القادمة على ما فعلوا، كما سيُلعنون في الدنيا الآخرة.