دعم مستمر من أطراف متعددة عربية وإقليمية ودولية للجنرال القوي خليفة حفتر كي يبسط سيطرته على كامل الأراضي الليبية. ويبدو أن هذا الدعم يستهدف إنشاء نموذج مشابه لما حدث في مصر. فهل يكتب لتلك المحاولات النجاح؟

كر وفر مستمر بين قوات ما يسمى بـ"الجيش الوطني الليبي" بقيادة المشير المتقاعد خليفة حفتر وقوات حكومة "الوفاق الوطني" المعترف بها دولياً بزعامة فايز السراج في مناطق متفرقة من أطراف العاصمة طرابلس، تتخلله أنباء من كلا الفريقين حول تحقيق انتصارات لا يراها أحد غيرهما. لكن المؤكد حتى الآن أن حسم المعركة لم يحالف أياً من طرفي الحرب، ما يُخشى معه إطالة أمد المعارك التي سيكون المدنيون وقودها الأساسي.

الجنرالان يلتقيان في القاهرة

يعد لقاء خليفة حفتر بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو الأول منذ بدء العمليات العسكرية الهادفة لإسقاط حكومة طرابلس. وعلى الرغم من غموض تفاصيل ما دار خلال اللقاء بين السيسي وحفتر، اللهم إلا الكلمات المعتادة حول "محاربة الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة والعمل على توحيد ليبيا"، لا يخفى على أحد أن حفتر ما جاء إلى مصر إلا طلباً لدعم سياسي في مقابل الضغوط الدولية المتصاعدة لوقف العملية العسكرية، خاصة بعد فشل المساعي الأممية في هذا السياق، إلى جانب محاولة الحصول على المزيد من الدعم العسكري واللوجستي في الوقت الذي تتصاعد فيه خسائر قوات حفتر على الأرض.

Libyscher Militärbefehlshaber Khalifa Haftar mit dem ägyptischen Präsidenten Abdel Fattah al-Sisi im Präsidentenpalast in Kairo (Reuters)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع خليفة حفتر بحضور مدير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل

وترى كانان أتيلجان، الباحثة في مكتب مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في تونس، أن السيسي لن يسمح بحكومة في ليبيا على غرار تونس، حيث كان فيها فصيل إسلامي ولو كان شديد الاعتدال، "فبالنسبة للنظام المصري - وينطبق الشيء نفسه على الإماراتيين والسعوديين - فإن جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي ليس مسموح بتواجدهم بأي شكل في معادلات الحكم في المنطقة، لا في الحكومة ولا في المعارضة ولا بأي صورة. ولذا فهم يرفضون حكومة طرابلس رفضاً قاطعاً"، بحسب ما قالت خلال مقابلة لها مع DW عربية.

الأمر نفسه يراه ستيفانو ماركوتزي، الباحث الزائر في معهد كارنيغي بأوروبا في بروكسل والمتخصص في الشأن الليبي، "فالتعاون بين مصر وحفتر قائم على مكافحة الإرهاب، خاصة مع مشاكل مصر في سيناء وقلق القاهرة من تواجد عناصر من داعش في ليبيا، ما استدعى تدخل مصر بشكل مباشر في عمليات عسكرية تمت في العمق الليبي للقضاء على هذه العناصر في عامي 2015 و2016".

لكن ماركوتزي يرى بعداً آخر للدعم المصري لحفتر، "فهناك احتياج مصري شديد للطاقة، وبالتالي فإن استقرار ليبيا تحت حكم شخص كحفتر قد يدعم كثيراً إمداد مصر بحاجتها من الوقود من مصدر قريب للغاية، خاصة وأن حكومة الوفاق لا تسيطر على كل آبار النفط في ليبيا، التي يقع أغلبها فعلياً تحت سيطرة حفتر وقواته". ويستدرك ماركوتزي بأن الدعم المصري لحفتر تحاول من خلاله القاهرة أن تبدو أمام العالم كلاعب دبلوماسي ربما للتغطية على دورها العسكري في الملف الليبي، ففي سبتمبر/ أيلول 2016 استضافت مصر مؤتمراً خاصاً بليبيا حاولت فيه الظهور بمظهر المعتدل الذي يحاول التدخل بين كافة الأطراف لإصلاح الأوضاع ".

Stefano Marcuzzi (Privat)

ستيفانو ماركوتزي الباحث الزائر بمعهد كارنيغي بأوروبا

خلافات أوروبية حول الملف الليبي

تقرير لباتريك وينتور، المحلل الدبلوماسي لصحيفة الغارديان البريطانية، ذكر أن لندن يعتريها قلق شديد من التدخل "الخشن" لحلفائها الخليجيين في النزاع الليبي، بخلاف الاتهامات المتصاعدة لفرنسا، سواءً من جانب حكومة الوفاق أو الفاعلين الدوليين، بدعم باريس لحفتر، وهو اتهام ينفيه قصر الإليزيه بشدة ويحيله إلى روسيا.

ويقول الباحث ستيفانو ماركوتزي إن السبب الأساسي للخلافات الأوروبية حول الملف الليبي هو أن الحل الأوروبي للمسألة الليبية لم يلق النجاح الذي كان متوقعاً منه رغم دعم أوروبا لحكومة الوفاق ولجهود الأمم المتحدة من أجل استقرار الأوضاع وإطلاق عملية "صوفيا" المعنية بمحاربة تهريب البشر وإنقاذ المهاجرين في عرض البحر المتوسط وامداد ليبيا بمساعدات انسانية.

ويضيف ماركوتزي أنه مع فشل تلك المساعي، أصبح من الصعب مواصلة السير في المسار نفسه، وبالتالي "بدأت كل دولة تبحث عن مصالحها، لتتصاعد الخلافات بين إيطاليا وفرنسا كما شهدنا مؤخراً، وكذلك التنافس بين أوروبا نفسها وبين روسيا".

قلق مصري-خليجي من نجاح التجارب الديمقراطية؟

كان حفتر قد زار الرياض قبيل الهجوم على طرابلس بأيام، حيث اجتمع بالملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والتقى عدداً من المسؤولين السعوديين. قبل هذا اللقاء، أكد فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية، في تصريحات صحفية "أن حكومة دولة عربية (لم يسمها) أعطت الضوء الأخضر لحفتر حتى يهاجم طرابلس، وأن هذه الدولة دخلت على خط الأزمة الليبية مؤخراً".

كثيراً ما يتحدث معلقون ومحللون سياسيون حول مخاوف القاهرة ودول الخليج من قيام دول ديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتتصاعد المخاوف خاصة مع حالة عدم الاستقرار في كل من السودان والجزائر، ما يهدد بشكل مباشر استقرار الحكم في مصر، لتلحق بهما ليبيا إن فشلت عمليات حفتر، خاصة وأن السيسي مقبل على تعديل الدستور في بلاده بما يمهد لاستمرار حكمه لعشرين عاماً على الأقل، ولا يريد الكثير من القلاقل في هذا الوقت الحرج.

وترى كانان أتيلجان من مؤسسة كونراد أديناور أن الذعر الذي أصاب الأنظمة العربية - خاصة الخليجية - بسبب أحداث الربيع العربي في 2011 مستمر إلى اليوم ويُخشى من تكراره، وبالتالي كان الدرس هو القضاء على أي تحرك قد يفضي إلى ديمقراطية يكون الإسلاميون جزءاً منها.

هذا ويشير معلقون وسياسيون إلى أن الإمارات والسعودية ترغبان في تكرار النموذج المصري في ليبيا. لكن الرياح لا تسير بما تشتهي السفن، والأوضاع على الأرض - رغم الدعم المالي والسياسي والعسكري - لم تتغير كثيراً.

من جانبه، يرى ستيفانو ماركوتزي الباحث الزائر في معهد كارنيغي بأوروبا أن التدخل الخليجي، سواءً من قطر أو السعودية والإمارات ومعهما مصر، بدعم الفريقين المتصارعين في ليبيا يعقّد الأمور بشدة ويطيل أمد الصراع ويقضي على أي أمل في استقرار الاوضاع، لاسيما وأن كل الأطراف خرقت الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير السلاح لليبيا، بخلاف الضربات الجوية المصرية والإماراتية في العمق الليبي لمناصرة قوات حفتر، وهي كلها أمور تنتهك قرارات الأمم المتحدة. ويواصل ماركوتزي بالقول إن هذا الصراع الممتد سيؤثر سلباً أًيضاً على الأوضاع في الدول المجاورة، ليس في مصر وحدها، وإنما أيضاً في السودان والجزائر، كما حدث تماماً في 2011. لذلك فإن هذا التصعيد المتواصل في ليبيا يجب أن يتوقف في أسرع وقت، بحسب الباحث ماركوتزي.

هل ينجح حفتر في تغيير المعادلة على الأرض؟

قد يحاول حفتر السيطرة على طرابلس باستمالة عدد من الميليشيات الموجودة هناك بجانب طلبه للدعم السياسي من حلفائه في مصر والخليج وأوربا تمهيداً لسيطرته الكاملة على طرابلس وما حولها، بحسب ستيفانو ماركوتزي، الذي يضيف: "لكنه في الحقيقة فشل في استمالة تلك الميليشيات، خاصة تلك المتواجدة في مصراته والتي لا تراه إلا قذافي جديد، بجانب الخلاف الأوروبي بشأن العمليات العسكرية التي يقوم بها على الأرض. وربما ينتهي به الأمر قريبا منسحباً دون الحصول على أي مكاسب".

ويختتم ماركوتزي حديثه مع DW عربية بالقول: "وصول (حفتر) إلى حدود طرابلس ليست المشكلة، ولكن المشكلة هي في اقتحام المدينة والسيطرة عليها. والأصعب هو السيطرة على غربي ليبيا، والغالب أنه سيُقابل بمقاومة عنيفة للغاية من كل الجبهات. لذا فإن أمله الوحيد هو وقوع خلاف بين الميليشيات المناوئة له".

ع.ح./ كريستن كنيب

  • Libyen Tripolis Kämpfe zwischen Milizen (Reuters/H. Amara)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    العاصمة طرابلس

    قوة حماية طرابلس، وهي تحالف يضم مجموعات موالية لحكومة الوفاق. وأبرزها: "كتيبة ثوار طرابلس" وتنتشر في شرق العاصمة ووسطها. قوة الردع: قوات سلفية غير جهادية تتمركز خصوصاً في شرق العاصمة وتقوم بدور الشرطة ولها ميول متشددة. كتيبة أبو سليم: تسيطر خصوصا على حي أبو سليم الشعبي في جنوب العاصمة. كتيبة النواسي: إسلامية موجودة في شرق العاصمة حيث تسيطر خصوصا على القاعدة البحرية.

  • Libyen Khalifa Haftar LNA Poster (Getty Images/AFP/A. Doma)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    "الجيش الوطني الليبي"

    قوات اللواء السابق خليفة حفتر المسماة "الجيش الوطني الليبي"، تسيطر على معظم مناطق الشرق من سرت غرباً إلى الحدود المصرية. وتسيطر قوات حفتر على مناطق الهلال النفطي على ساحل المتوسط شمالاً إلى مدينة الكفرة ونواحي سبها جنوباً وتسعى حاليا للسيطرة على طرابلس. قوات حفتر هي الأكثر تسلحا وقوامها بين 30 و45 ألف مقاتل، وضمنهم ضباط سابقون في الجيش الليبي وتشكيلات مسلحة وعناصر قبلية إضافة إلى سلفيين.

  • Libyen Panzerfriedhof (picture alliance/abaca)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    كتائب مصراتة

    فصائل نافذة في مصراتة الواقعة في منتصف الطريق بين مدينتي طرابلس وسرت، وهي معادية للمشير خليفة حفتر ومنقسمة بين مؤيدين ومعارضين لحكومة الوفاق الوطني. والمعارضة منها متحالفة مع فصائل إسلامية موالية للمفتي صادق الغرياني ولخليفة الغويل. وتتواجد بعض هذه الفصائل كذلك في العاصمة. وتسيطر مجموعات من مصراتة على سرت ومحيطها، وتمكنت من تحرير سرت من تنظيم الدولة الإسلامية في نهاية 2016.

  • Libyen Misarata Brigade (picture-alliance/AP Photo)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    "فجر ليبيا"

    كان تحالفاً عريضاً لميلشيات إسلامية، يربطها البعض بجماعة الإخوان المسلمين (حزب العدالة والبناء)، وضم ميلشيات "درع ليبيا الوسطى" و"غرفة ثوار طرابلس" وكتائب أخرى من مصراته. في 2014 اندلعت معارك عنيفة بين هذا التحالف و"الجيش الوطني الليبي" بقيادة حفتر، خرج منها حفتر مسيطراً على رقعة كبيرة من التراب الليبي.

  • Libyen | Eine Reise nach Zentan (DW/D. Laribi)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    فصائل منكفئة في الزنتان

    انكفأت فصائل الزنتان بعد طردها من طرابلس في 2014 إلى مدينتها الواقعة جنوب غرب العاصمة. تعارض هذه الفصائل التيارات الإسلامية، ويبقي عدد منها على صلات مع حكومة الوفاق الوطني و"الجيش الوطني الليبي" في الوقت نفسه. وتسيطر هذه الفصائل على حقول النفط في غرب البلاد. وعينت حكومة الوفاق أخيرا ضابطا من الزنتان قائدا عسكريا على المنطقة الغربية.

  • Algerien, Niger & Libyen | Thema Flüchtlinge in der Sahara (picture-alliance/AP Photo/J. Delay)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    جماعات متحركة في الصحراء

    تعتبر فزان أهم منطقة في الجنوب الليبي تنتشر فيها عمليات التهريب والسلاح..وتحدثت تقارير إعلامية عن وجود ما لا يقل عن سبعة فصائل إفريقية، تنحدر من تشاد ومالي والسودان والنيجر والسنغال وبروكينافاسو وموريتانيا، في المناطق الحدودية في الجنوب الليبي. ومن أبرز الجماعات المسلحة في الجنوب الليبي: الطوارق، وجماعات تابعة لقبائل التبو، وجماعات جهادية(القاعدة وداعش) تتنقل على الحدود بين دول الساحل والصحراء.

  • Libyen Islamischer Staat Propaganda Video (picture-alliance/militant video via AP)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    "داعش"

    دخل تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلامياً باسم "داعش" ليبيا في تشرين الأول/ أكتوبر 2014. وفي كانون الأول/ديسمبر من نفس العام تبنى التنظيم أول اعتداء بعد تمركزه في البلاد مستغلاً غياب السلطة. ويمارس التنظيم لعبة الكر والفر، كما حقق مكاسب، إذ سيطر في فترات على النوفلية وسرت ودرنة وغيرها، ليعود ويخسر بعض الأراضي. وفي شباط/فبراير 2015 خرج شريط بثه التنظيم الإرهابي يظهر ذبح 21 قبطياً مصرياً.

  • Libyen/ Bengasi/ US-Konsulat (Reuters)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    "القاعدة" وأفراخها

    في 2012 قتل أربعة أميركيين بينهم السفير في هجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي. واتهمت واشنطن مجموعة "أنصار الشريعة" المرتبطة بالقاعدة بتنفيذ الاعتداء. وقبل ثلاثة أشهر قضت محكمة أمريكية بسجن أحمد أبو ختالة، الذي يعتقد أنه كان زعيماً لـلمجموعة، لمدة 22 عاماً بعدما دانته بالتورط في الهجوم. وتحدثت تقارير إعلامية أن فصائل تنشط على رقعة واسعة من التراب الليبي مرتبطة بالقاعدة وتعمل تحت مسميات مختلفة.

  • Libyen Sirte Artilleriegeschütz (picture-alliance/dpa/B. Schwinghammer)

    أبرز القوى المسلحة المتصارعة على النفوذ في المشهد الليبي

    بين 2011 و2018

    ذكرت تقارير للأمم المتحدة أنه يوجد في ليبيا ما يقرب من 29 مليون قطعة سلاح بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة. وبدوره قدر رئيس الوزراء الليبي الأسبق، محمود جبريل، عدد الميلشيات المسلحة بأكثر من 1600 ميليشيا مسلحة، بعد أن كانوا 18 تشكيلاً عسكريا فقط يوم سقوط العاصمة في آب /أغسطس 2011. إعداد: خ.س/ م.س