كشف رئيس مجلس إدارة وتحرير صحيفة "الأخبار"، ياسر رزق، النقاب عن أن رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي طلب من رئيس الوزراء الإثيوبي، هايلي ماريام ديسالين، "رسالة طمأنة للمصريين"، فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي، في لقائهما بالقمة الإفريقية التي اختتمت بأديس أبابا، الأحد.

ويأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه غضب الخبراء المصريين من أسلوب إدارة السيسي لملف السد، وصفوه بأنه غير احترافي، محذرين من الأسلوب الإثيوبي القائم على المراوغة، واستهلاك الوقت.

وعاد السيسي إلى القاهرة، مساء الأحد، بعد مشاركته في القمة الإفريقية العادية السادسة والعشرين، إذ ألقى الأحد تقرير لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المعنية بالمناخ، مطالبا بموقف إفريقي موحد في مواجهة التغيرات المناخية.

وقال "رزق" في مقاله في الصحيفة القومية (الحكومية) الاثنين، لقاء السيسي وديسالين إنه "اللقاء الثامن في 19 شهرا"، واعتبر أن استمراره 45 دقيقة، "أمر غير معهود في لقاءات القادة على هامش المؤتمرات الدولية والمحافل الإقليمية".

وفي مقاله تحت عنوان: "رسالة الطمأنة التي طلبها السيسي"، نقل رزق عن السيسي أنه استهل لقاءه في أعقاب الجلسة الافتتاحية للقمة، برئيس الوزراء الإثيوبي، في مقر الاتحاد الإفريقي، عصر السبت، بالقول: "المصريين قلقانين، ولازم تطمنهم"، وذلك "بالحرف"، على حد تعبير رزق.

ويقول مراقبون إن السيسي أضاع فرصة ذهبية في شرح حقيقة الموقف المصري من سد النهضة الإثيوبي للزعماء والرؤساء والمسؤولين الأفارقة في القمة، وإشهادهم على التصرفات الإثيوبية المضرة بالمصالح المائية المصرية، وأن السيسي يضفي بذلك شرعية على الموقف الإثيوبي المخالف للقانون الدولي، ويكاد يضيع حقوق المصريين، إزاء الإصرار الإثيوبي على حجز مياه النيل أمام السد، والتحكم في حصة مصر منها.

وأوضح رزق أن ديسالين كان يتوقع أن يكون موضوع "سد النهضة" على رأس جدول أعمال مباحثاته مع السيسي، وأن يحتل صدارة الحديث، وافتتاحية المباحثات.

وأضاف رزق: "لعله سعد برسالة الطمأنة التي وجهها الرئيس السيسي للشعب عندما قال: اطمئنوا.. الأمور تسير بشكل جيد في ملف سد النهضة، والشعب الإثيوبي يريد أن يعيش مثلما نحن نريد، والقيادة الإثيوبية أكدت لنا أكثر من مرة عدم تضررنا من السد".

وتابع رزق بأنه "من العبارة التي بادره بها السيسي في المباحثات، أدرك ديسالين أن الرئيس يود أن يقول له: أنا مطمئن لأني أثق في التزامك، لكن عليك أنت أن تطمئن الشعب المصري بالقول، والفعل"
وهنا كان رد ديسالين، بحسب رزق: "سيادة الرئيس.. أنا في كل كلامي أطمئن الشعب المصري، بأننا لا يمكن أبدا أن نكون سببا في أي مشكلة لمصر".

وأضاف ديسالين: "ها أنا أجددها اليوم، لن نسمح أبدا بأن تضار مصر على أي نحو، لن أسمح بأن يلحق بمصر ضرر لا في المياه، ولا في غيرها.. إنني أعلم ماذا تعني مياه النيل للمصريين ولك. وأنت تعلم أيضا ظروفي".

وزعم رزق بأن ديسالين كان يقصد بظروفه أمرين، أولهما حاجة الشعب الإثيوبي للكهرباء التي سيوفرها له السد، من أجل تحسين حياة الناس، والحفاظ على معدلات تنمية غير مسبوقة، حققتها إثيوبيا في عهده، والثاني أنه يتعرض من معارضيه ومن داخل حزبه لانتقادات بعد توقيعه اتفاق إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة، مع الرئيسين المصري والسوداني بالخرطوم في آذار/ مارس الماضي".

وفي سياق متصل، قال رزق: "لعل الدعوة التي وجهها السيسي إلي ديسالين لإلقاء خطاب أمام مجلس النواب المصري بعد انتخابه، قد يحين أوانها".

وكان السيسي وقع "إعلان المبادئ" في الخرطوم يوم 24 آذار/ مارس الماضي، ثم ألقى خطابا "عاطفيا" أمام البرلمان الإثيوبي بعدها بيومين في أديس أبابا.

وكشف رزق أنه عندما سأل وزير الخارجية المصري سامح شكري: "لماذا إذن كل هذا القلق والشكوك لدى الرأي العام المصري؟"، مجيبا: "هذه القضية موضع دراسة ومتابعة من كل أجهزة الدولة، ونحن أمام اتفاق ملزم، ودراسات فنية ملزمة".

غضب خبراء مصر يتواصل

لكن ما كشفه رزق من طلب السيسي من ديسالين طمأنة المصريين، لا يرتقي إلى مستوى القلق المتزايد، وحجم الغضب المتصاعد، بين خبراء المياه المصريين، إزاء ما اعتبروه "عدم إدراك السيسي، ونظامه، خطورة القضية، وسوء إدارته لملفها".

فقد أعرب مدير المركز الإفريقي في الجامعة البريطانية، الدكتور عادل اليماني، عن استيائه الشديد من تعامل الحكومة المصرية والمسؤولين عن سد النهضة، وطريقة إدارتهم للملف، مؤكدا أن الملف يُدار بطريقة معيبة، وعشوائية، وغير احترافية.

وقال اليماني في مداخلة هاتفية مع برنامج "صباح أون"،على قناة "أون تي في"، الأحد، إن إثيوبيا تعمل بقوة فيما يتعلق بالسد دون أن تتحرك خطوة واحدة نحو أحقية مصر في نصيبها من المياه، مؤكدا أن إثيوبيا استغلت ثورة 25 يناير، وواصلت بذكاء، وبطريقة شيطانية، عملها في السد، دون مراعاة لمصر في ظل اعترافات الحكومة المصرية المتكررة بأنها لن تتهاون في الملف.

وشدد على أن حقيقة سد النهضة ستحزن المصريين كثيرا، وأنه على الحكومة التعامل بشفافية، ومصداقية، واصفا "ملف السد" بأنه شائك، وصعب، وأن طريقة عمل الحكومة غير احترافية، وعشوائية.

من جهته، أرجع الخبير الدولي في دراسات المياه ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، الدكتور مغاوري شحاتة، عدم الثقة بين الرأي العام والمفاوض المصري في قضية سد النهضة، إلى تضارب تصريحات المسؤولين، على غير حقيقة ما يتم الاتفاق عليه.

وأضاف في حواره لبرنامج "صالة التحرير"، عبر فضائية "صدى البلد"، الأحد، أن فتحات السد، تهدف للسيطرة على حصة المياه لمصر، وأن إثيوبيا ستتحكم في السيطرة على كمية المياه التي سيتم تمريرها للسودان ومصر.

والأمر هكذا، طالب بتفعيل اتفاقية عنتيبي، التي تهدف للاستفادة القصوى من مياه الأمطار في دول المصب، مشددا على أن "اختيار موقع السد يمنح إثيوبيا السيطرة الكاملة على موارد مياه النهر، الذي يعدّ الأهم في الأنهار الإثيوبية"، وفق قوله.

في السياق ذاته، قال خبير السدود في الأمم المتحدة سابقا، أحمد عبد الخالق الشناوي، خلال "ملتقى نهر النيل تحديات وآفاق" في القاهرة، الأحد: "إن خبرتنا بإثيوبيا تؤكد أنه ليس بيننا وبينها حلول ودية"، مشيرا إلى أنه توجد أطراف أخرى مع الجانب الإثيوبي، وربما تكون إسرائيل، لذا يجب تشكيل لجنة فنية لإدارة هذا الملف، وليس بالطبع مثل اللجنة الحالية، وفق قوله.

وأكد أستاذ الجيولوجيا والمواد المائية في معهد البحوث الإفريقية، الدكتور عباس شراقي عبر برنامج "مباشر من العالم"، عبر قناة "أون. تي في" الفضائية، الأحد، أنه على الرغم من أن مصر قدمت العديد من التنازلات المصرية فى المحادثات مع إثيوبيا، لإثبات المرونة وحفاظا على العلاقات "المصرية الإثيوبية"، إلا أن الجانب الإثيوبي مصر على إحراج الجانب المصري، وتهمشيه في أي مفاوضات، أو إمداده بأي معلومات تخص السد، مع المضي قدما في بنائه، وبدء عملية الملء.

وطالب شراقي الجانب الإثيوبي بتقديم حسن النوايا، ومد يد العون لمصر، تمهيدا لإنشاء كتلة اقتصادية واحدة بين دول حوض النيل تراعي المصالح الأفريقية المشتركة، على حد قوله.

وأكد المدير الإقليمي للموارد المائية في مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا "سيداري"، الدكتور خالد أبو زيد، أن الآثار المترتبة على سد النهضة بعد تشغيله  تتمثل فى استقطاع 14.8 مليار متر مكعب من التخزين الاستراتيجي في بحيرة السد العالي على مدار سنوات الملأ، وهي تمثل كمية المياه اللازمة لعملية التخزين الأول لبحيرة السد الإثيوبي.

وأشار أبو زيد في ندوة عقدتها جمعية رجال الأعمال المصريين، تحت عنوان: "المخاطر المائية وفرص الاستثمار"، الأحد أنه سيكون هناك عبء كبير على مصر خلال مرحلة التخزين الأول، إضافة إلى انخفاض الطاقة المولدة من السد العالي بنسب تصل إلى 40 في المئة نتيجة تشغيل السد على مناسيب أقل.

وقال إن ملء البحيرة يحتاج لتسرب المياه، وتشبع تربة بحيرة سد النهضة جيدا، وهو ما يطيل فترة الامتلاء، وستكون هناك مشكلة حقيقية إذا ما قررت إثيوبيا سحب مياه البحيرة لأغراض استهلاكية أخرى، وليست استخدامية كتوليد الكهرباء، وهو ما يؤثر بدوره على نصيب مصر والسودان دون شك، فضلا عن تأثر العمليات الزراعية في مصر، وأنشطة الملاحة في نهر النيل.

وقال إن إثيوبيا تنظر إلى نصيب مصر والسودان البالغ 74 مليار متر مكعب بينما تتجاهل الكميات الهائلة التي تسقط على الحوض نفسه، إذ لا تمثل هذه الحصة سوى 3 في المئة من الأمطار المتساقطة في الحوض، بخلاف باقي الكميات المتساقطة داخل هذه الدول، مضيفا أن إثيوبيا لم تلتزم حتى ببنود اتفاقية عنتيبي، التي لم توقعها مصر.