إسرائيل تتبني منطق “الستاتو كو” كخيار أمثل من دون تطبيقه على أرض الواقع

قد أصدر مركز أبحاث الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب، في الأيام الأخيرة، ورقة تقدير موقف وتوجيهات، أبرز فيها حقيقة البلبلة الإسرائيلية في تحديد وترسيم خريطة التحديات والأخطار العسكرية، وسبل مواجهة هذا الواقع، خاصة في ظل اتفاق المتحدثين في أيام المؤتمر على أن عملية انهيار الدول النظامية في الشرق الأوسط ستستمر وتتواصل خلال العام 2016.

ولعل أبرز الاستنتاجات التي خرج بها المؤتمر، تتعلق في تحديده أن سياسة “الوضع القائم” التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية، أو بتعريف آخر سياسة “إدارة الصراع”، لا يتم تطبيقها فعلياً وهو ما تجلى بحسب واضعي الدراسة، الجنرال احتياط أدوي ديكل (نائب رئيس معهد أبحاث الأمن القومي) والباحث عومر عيناف، بتفجر الانتفاضة الفلسطينية (التي يصر الاحتلال بهدف سلخها عن محيطها وبيئتها الحاضنة على وصفها بانتفاضة الأفراد) التي تتغذى بحسب زعم الكاتبين بالتطرف الفلسطيني والتأثر بتنظيم “الدولة الإسلامية”، مما ألقى بنتائج سلبية على الجمهور الإسرائيلي وعزز من فقدانه للأمن الشخصي وبالتالي زيادة التطرف في المجتمع الإسرائيلي وتفاقم الاستقطاب داخله.


ينبغي اعتماد وإطلاق المبادرة والفاعلية لبلورة خيار بديل، مع أن هذه العملية تنطوي على مجازفات

وعلى الرغم من أن محللين إسرائيليين سبق لهم أن اعتبروا أن تصريحات وزير التربية والتعليم، زعيم البيت اليهودي نفتالي بينت في المؤتمر حول “التحجر الفكري” في إسرائيل ولدى القيادة السياسية، كجزء من ألاعيب السياسة الداخلية والسجال بين حزبي الليكود والبيت اليهودي، إلا أن الكاتبين، ينسبان البلبلة الاستراتيجية في إسرائيل إلى حالة الفوضى في البيئة الاستراتيجية، والتي تؤدي بدورها لفوضى في التفكير الإسرائيلي ولتبني منطق “الستاتو كو” (الوضع القائم)، كخيار أمثل من دون تطبيقه على أرض الواقع. وبحسب هذا الرأي، فإنّ البديل عن الحفاظ على الوضع القائم بالنسبة لإسرائيل، يحتم اعتماد وإطلاق المبادرة والفاعلية لبلورة واقع (خيار) بديل، مع أن هذه العملية تنطوي على مجازفات لا سيما بفعل عدم اليقين المرتبط بها.

ويقترح الكاتبان لخروج إسرائيل من “البلبلة الاستراتيجية” الحالية، العمل على دوائر عدة: الأولى هي تلك المتمثلة بنشاط الدول العظمى وتحديداً التنافس الأميركي– الروسي للتأثير في المنطقة وبسط النفوذ عليها، حيث يقترحان ضرورة معرفة وجهة كل منهما وخاصة في سياق حل الملف السوري، والاستدلال من ذلك على مدى التزامهما إزاء حلفائهما في المنطقة، والأهم من ذلك التحقق من مدى صلابة وعمق التحالف الإسرائيلي – الأميركي إلى جانب تعزيز العلاقات الثنائية مع روسيا ومواصلة التنسيق معها في السياق السوري.

أما على صعيد المحور الإقليمي وعملية الفرز الجارية بين المعسكرين الرئيسيين داخل هذا المحور (السني والشيعي بحسب المنظور الإسرائيلي)، فإنّ الموقف السياسي والأمني الإسرائيلي في هذا المضمار واضح لناحية اعتبار تل أبيب أن طهران تشكل تهديداً رئيسياً على المصالح الإسرائيلية، على الأقل وفقاً لتصريحات أركان النظام الإيراني، بينما تشاطر السعودية وحلفاءها مصالح متقاربة بما في ذلك الحرب ضد “داعش” و”القاعدة” بحسب السردية الإسرائيلية دائماً.

لكن الدوائر الاستراتيجية التي يشير إليها الكاتبان تضع محوراً أو دائرة استراتيجية داخلية، في قلب ما تسميه “المعسكر السني” نفسه، وهنا تفرز إسرائيل بين طرفين داخل هذا المعسكر: المعسكر الذي “يقود فكر الإسلام السياسي”، والذي دعم المقاومة الفلسطينية خلال العدوان الأخير على غزة، تتقدمه قطر وتركيا، بحسب الادعاء الإسرائيلي، و”المحور السني المعتدل”، في إشارة إلى السعودية ومصر وباقي دول الخليج. وبحسب الكاتبين، فإن القلق الإسرائيلي ينبع من مخاطر تمدد معسكر “القاعدة” و”داعش”، وخصوصاً بعل عملية العولمة التي مرت بهما هاتين المنظمتين في العقد الأخير، والخوف من اقتراب “داعش” من الحدود الفلسطينية عبر الجولان ولبنان، والتعاون مع السلفية الجهادية في سيناء واختراق الأراضي الفلسطينية المحتلة سعياً لتجنيد الدعم لها في أوساط الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلين.


الحلبة الفلسطينية ما زالت تحتل أهمية بالنسبة إلى العقل الإسرائيلي لجهة تحسين المكانة الدولية لدولة الاحتلال

ويرى الكاتبان أن الدائرة الاستراتيجية الرابعة ذات التأثير المباشر، هي الدائرة الفلسطينية، والتي تعاني في السنوات الأخيرة من دفعها جانباً إلى الهامش، بفعل التطورات الإقليمية. مع ذلك، فإن الملف الفلسطيني والصراع الإسرائيلي – الفلسطيني باتا صاحبي الأثر الأكبر في إبراز الاستقطاب داخل إسرائيل نفسها أيضاً، لنواحي الخلافات حول أفضلية الديمقراطية على اليهودية أو العكس في تعريف إسرائيل، وتداعيات غياب الحل السياسي على مكانة إسرائيل دولياً. ومع أن أحداً من اللاعبين الدوليين والإقليميين لا يلقي بالاً لدفع المصالح الفلسطينية وخدمة القضية الفلسطينية باتجاه حل عادل طبعاً، إلا أن الحلبة الفلسطينية ما زالت تحتل أهمية بالنسبة إلى العقل الإسرائيلي لجهة تحسين المكانة الدولية لدولة الاحتلال إقليمياً وعالمياً، وهو أمر مرهون ومتعلق إلى حد كبير بإسرائيل نفسها وبخياراتها السياسية.

وبحسب الكاتبين، فإن هذه الصورة الاستراتيجية لإسرائيل تحتم على صناع القرار فيها، البحث عن نقاط توفر لتل أبيب تفوقاً استراتيجياً يخرجها من حالة البلبلة، ويخدم مصالحها الاستراتيجية نحو بلورة خيارات سياسية وأمنية جديدة. ويعدّد الكاتبان نقاطاً عدة تمكّن تحقيق ذلك الهدف، أولها إعادة تنظيم سلم الأولويات الداخلي، وتقليص الفجوات بين المجتمع الإسرائيلي اليهودي وبين الفلسطينيين في الداخل، والسعي لبناء شراكة بين المجتمعين لا تقوم على مصالح ضيقة، وعدم الاكتفاء بتحسين ظروف المعيشة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

نقطة الانطلاق الأخيرة لتحسين موقع إسرائيل وإخراجها من أزمتها وبلبلتها، تقضي، بحسب ورقة مركز أبحاث الأمن القومي، بالمسارعة إلى استعادة عمق العلاقة مع الولايات المتحدة وإعادتها إلى مسارها الأصلي سياسياً، وثانياً الاستثمار في العلاقة الجديدة من التعاون والتنسيق مع روسيا، باعتبار أن هذه العلاقة توفر لإسرائيل تفوقاً خاصاً ومميزاً، انطلاقاً من الحفاظ على علاقات جيدة من القوتين العظميين، وهو ما ليس متوفراً لباقي الأطراف في الشرق الأوسط. ويخلص الكاتبان إلى أن الديناميات الموصوفة أعلاه، توفر لإسرائيل فرصاً تفوق المخاطر، وهذا يفرض عليها العدول عن موقف “المتفرج” والسعي لتوظيف هذه الديناميات لتغليب الفرص على المخاطر، وفتح آفاق استراتيجية إيجابية، لأن أخذ زمام المبادرة لم يعد بالنسبة لإسرائيل خياراً، بل بات ضرورة حتمية.

اقرأ أيضاً: ارتباك إسرائيلي بتحديد الأخطار الاستراتيجية… من إيران إلى “داعش”