يُصرّ الإعلام اللبناني في الأيّام الأخيرة، على نشر معلومات تتحدث عن حصول اشتباكات بين تنظيمَي “جبهة النصرة” و”الدولة الإسلامية” (داعش) في جرود عرسال، عند الحدود اللبنانيّة السورية. وبحسب وسائل الإعلام هذه، فإنّ “داعش” سيطر على معاقل “النصرة” في منطقة الملاهي، ووادي وسهل عجرم معبر الزمراني، ووادي الخيل، وخربة الحصن، وقرنة العويني، والملاهي، وضهر اللزابة، وجرود الجراجير في القلمون.

وقد وصل الأمر بالوكالة الوطنيّة للإعلام (رسميّة)، إلى نشر خبر ليل الجمعة ــ السبت الماضي، يتحدّث عن نزوح عدد من أهالي عرسال إلى الداخل اللبناني، نتيجة الاشتباكات، وذلك بعدما تحدثت عن اشتباكات بين “داعش” والجيش اللبناني في جرود عرسال. ونشرت الوكالة الوطنية في خبر آخر، أنّ بلدة عرسال “تشهد حالاً من التوتر بين أهالي البلدة والمسلحين واستنفاراً للجيش الذي يستهدف بشكل متقطع تحركات المسلحين في جرود رأس بعلبك”.


تنشر وسائل إعلام حزب الله أنّ الاشتباكات قائمة بين “داعش” و”النصرة” في جرود عرسال، وتدعمها الوكالة الوطنية بخبر عن حالات نزوح السكان إلى بعلبك

ونشرت الوكالة، ليل الخميس الماضي، خبراً يقول إن “الجيش اللبناني استهدف ليلاً بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، تجمعاً لمسلحين من تنظيم داعش حاولوا التسلل باتجاه مواقعه في عرسال انطلاقاً من سهل عجرم ومنطقة الملاهي وحقق إصابات مؤكدة في صفوفهم”. اللافت في هذا كلّه، أنّ الجيش اللبناني لم يُصدر أي بيان ينفي أو يؤكّد هذه المعلومات، إذ عادة يُصدر الجيش بيانات واضحة عند صدّ هجوم لأي مجموعات مسلحة عند الحدود اللبنانية.

دفع إعلان الوكالة الوطنية عن حصول حالات نزوح، فعاليات البلدة إلى إصدار بيانات تنفي هذا الأمر. ونفى كل من مختارَي بلدة عرسال محمد علولي، وسعد الدين عز الدين، ومنسقّ تيار “المستقبل” في عرسال، بكر الحجيري حصول نزوح لأهالي البلدة باتجاه مدينة بعلبك.

فيما عقدت “لجنة المتابعة لبلدة عرسال”، لقاءً استثنائياً لبحث هذا الموضوع، وأصدرت بياناً قالت فيه، “كأن السيناريو يستعيد ذاته في تذكير لما سبق من أحداث أمنية شهدتها البلدة منذ سنوات سقط خلالها شهداء وجرحى للمؤسسة العسكرية ومن الأهالي على السواء، عند احتلال عرسال من قبل “داعش” و”جبهة النصرة” لأيام في أغسطس/آب 2014، وخُطف عدد من الجنود اللبنانيين”.

اقرأ أيضاً: في لقاء جعجع وعون

وعند التدقيق في مصدر هذه الأخبار، يتبيّن أن معظمها نُشر في البداية على حساب “الإعلام الحربي” على موقع “تويتر”. و”الإعلام الحربي” هو الجهاز الإعلامي الذي ينقل أخبار حزب الله العسكرية. ونادراً ما تُشير وسائل الإعلام اللبنانيّة إلى مصدر الخبر عند نقله، وبالتالي تُصبح هذه المعلومة “صحيحة” لأنّ وسائل إعلام عدّة نشرتها، بينما، مصدرها واحد.


ينفي سكان عرسال والجهة السورية حصول أي حالات نزوح أو سماع رصاص، مؤكدين أنّ الاشتباكات بين التنظيمَين تبعد 15 كيلومتراً عن جرود عرسال

في السياق ذاته، تؤكّد مصادر متقاطعة لـ””، من داخل بلدة عرسال أو من الجهة السورية، عدم حصول أي اشتباك بين “النصرة” و”داعش” داخل الأراضي اللبنانية. ويلفت عدد من أبناء عرسال إلى عدم سماع أصوات اشتباكات، “ولو حصلت اشتباكات في منطقة الملاهي مثلاً، فلا بد أن نسمع، لأنها تبعد كيلومتراً واحداً، كخط نار عن مواقع الجيش اللبناني المنتشرة حول البلدة”، كما يقول أحد فعاليات البلدة.

على صعيد متصل، تتحدث المصادر السورية، عن حصول اشتباك بين “النصرة” “وداعش”، على خلفية مرور سيارات من “النصرة”، في منطقة يسيطر عليها “داعش”، ما أدى إلى مقتل 6 من الأوّل وعدد من مقاتلي الثاني، وأُسر مقاتلون من “الجبهة”. وتُضيف هذه المصادر، أنّ هذا الاشتباك حصل في منطقة تبعد نحو 15 كيلومتراً عن جرود بلدة عرسال اللبنانية. وتؤكّد المصادر ذاتها، أن إطلاق النار الوحيد الذي حصل في جرود عرسال في الأسبوع الأخير، ناتج عن القصف اليومي من قبل الجيش اللبناني، لتمشيط الجرود ليلاً، وهو قصف يحصل بشكل دائم، منذ أشهر عدّة، وتتقاطع الرواية الأمنية اللبنانيّة مع هذه الرواية.

إذاً، استطاع “الإعلام الحربي” ومن خلفه حزب الله، تعميم رواية غير صحيحة عمّا يجري في عرسال. أثار هذا الأمر موجة من الخوف في البلدة. استعاد أهلها، شريط الأحداث التي بدأت منذ أن احتضنت عرسال الثورة السورية، واللاجئين السوريين ولا تزال تحتضن عشرات آلاف اللاجئين وتعارض حزب الله والنظام السوري. تعرّضت البلدة لحصار، ولبث كمّ من المعلومات غير الصحيحة. لا يبدو الحدث الأخير منفصلاً عن سابقه الذي بدأه حزب الله منذ معركة القصير عام 2013.

ويهدف الحزب إلى السيطرة على السلسة الشرقية للبنان ومنطقة القلمون الغربي وإفراغها من أهلها بحسب المعطيات التي تؤكّد هذا السياق، بدءاً من منع سكان القصير من العودة إليها وتدميرها بالكامل، إلى حصار منطقتَي الزبداني ومضايا السوريتيْن، وشراء الأراضي من أصحابها في السفارة السورية، مقابل السماح لهم بالهروب من الموت جوعاً.

اقرأ أيضاً: لبنان: مساعٍ لحماية الأطفال من النزاعات المسلحة