توجّه الرئيس الإيراني حسن روحاني نحو الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى منذ توليه سدة الرئاسة، بعد أسبوع من إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن السماح لاتفاق إيران النووي مع الغرب بالدخول حيز التنفيذ العملي، بعد التأكد من تطبيق إيران لتعهداتها الفنية والتقنية في منشآتها النووية، وهو ما سمح بإلغاء العقوبات عنها. لاقت زيارة الرئيس إلى كل من إيطاليا، وفرنسا، والفاتيكان، اهتماماً كبيراً لدى الداخل الإيراني، إذ يترقب بعضهم حصد نتائجها الإيجابية عملياً، لكن طيفاً واسعاً أبدى امتعاضه وانتقاده لهذه السياسات الحكومية تخوفاً مما قد يحمله المستقبل لهم.

حقّقت جولة روحاني، بحسب كثيرين، مكاسب سياسية واقتصادية لطهران. فالبلاد التي شرّعت أبوابها أمام المستثمر الأوروبي، وهو ما أكّد عليه الرئيس الإيراني خلال لقاءاته الرسمية في هذه البلدان، حصلت على حزمة اتفاقيات تعاون ترتبط بعدد من قطاعات الاقتصاد والتجارة الإيرانية، وقد يكون هذا كفيلاً بإنعاش الاقتصاد المرهق بفعل العقوبات.


يرى منتقدو زيارة روحاني أنّ المؤامرات لا تزال تُحاك ضد إيران رغم التوصل لاتفاق نووي، وعلى رأسها ما وصفوه بـ”المؤامرة النفطية”

هذه الجولة رأى فيها روحاني كما كل أفراد حكومته “المعتدلة” التي تنادي بالانفتاح على الغرب، مفتاح حلّ المشكلات التي تسبب بها الحظر الاقتصادي الغربي بالدرجة الأولى. أمّا سياسياً، فكان الرئيس الإيراني واضحاً للغاية، حين دعا باريس لتجاوز الخلافات وفتح صفحة علاقات جديدة مع طهران، وهو ما أكده أيضاً في روما، مشدداً على منح الغرب فرص الاستثمار الأكبر في اقتصاد البلاد.

في هذا السياق، يرى محللون سياسيون في الداخل الإيراني، أنّ طهران التي تقوم بدور رئيسي في عدد من ملفات المنطقة، تسعى لجعل دورها أكثر مشروعية وأهمية باعتراف الغرب نفسه، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي، باعتبار أنّ تقاطع المصالح الاقتصادية يقلّل من الصدام مع الغرب إلى أدنى الحدود، على الأقل خلال الفترة القريبة المقبلة.

في المقابل، لم يرَ البعض في الداخل الإيراني المعادلة من هذا الجانب، ولا حتى من نواحي المكاسب السياسية والاقتصادية الأخرى. فمَن ينتمي للطيف المحافظ المتشدد، لا يثق أساساً بالغرب، ورفض الحوار معه في السابق، وأبدى ليونة نسبية خلال فترة المفاوضات النووية بغرض نيْل مكسب إلغاء العقوبات، وهو ما يصبّ لصالح الكل في البلاد. وبعدما نال فريق روحاني المُفاوض هذا المكسب، لم يعتبر أبناء هذا الطيف، أنّ الفوائد يجب أن تجنى من قبل الغرب حصراً.

كما يتخوف هؤلاء من منح المستثمرين الأوروبيين كل الامتيازات، وهم المطالبون أساساً بتحصين الاقتصاد الإيراني من خلال اتباع سياسات محافظة، والتوجه نحو الدول الآسيوية أكثر، وحتى نحو دول المنطقة. لكن روحاني وحكومته يرون في الوقت الراهن، أنّ هذا الأمر غير ممكن، والسبب العلاقات المتوترة مع الجيران في المنطقة العربية، بسبب المواقف المتباينة من القضايا الإقليمية المعقّدة.

اقرأ أيضاً: التقارب الإيراني ـ الأوروبي…طهران تنتزع مكاسب سياسية بعناوين اقتصادية

وعلّق وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والذي رافق روحاني في جولته، على تعليقات المنتقدين والمتخوفين من هذا الانفتاح، خلال تواجده في مؤتمر تحت عنوان “فرص ما بعد الاتفاق”، بالقول إنّ هناك مكاسب كثيرة سياسية واقتصادية تستطيع إيران تحقيقها بعد إلغاء الحظر عنها. فإيران لم تعد ذاك البلد الذي قامت أطراف كثيرة بشيطنته خلال السنوات الماضية، وعليها اليوم استغلال كل الأجواء الإيجابية لحصد النتائج المبتغاة، وهذا يتطلب انسجام الداخل.

كما اعتبر بعضهم أنّ روحاني الذي أعطى كل هذه الامتيازات لفرنسا وإيطاليا، لم يلق ذاك الترحيب المطلوب هناك، فانتقدوا عدم استقباله لدى وصوله إلى باريس، من قبل نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند. وردّ ظريف على المنتقدين بالقول إن الاستقبال تم وفق البروتوكول الرسمي من قبل وزير خارجية البلاد، لوران فابيوس، ولم يتم المساس بعزّة إيران وتم استقباله كما زعماء آخرين، بحسب تعبيره، داعياً من اعتبرهم بـ”المروّجين لهذه الأخبار، بالتنسيق وتحقيق التقارب الداخلي كون هذا هو المطلوب من التيارات السياسية المختلفة في الوقت الراهن”.

من جانبها، كتبت صحيفة “كيهان” الإيرانية، المحسوبة على الخط المتشدد، في عددها الصادر أمس الأحد، تقريراً بعنوان “عجلة الاقتصاد الإيراني دارت في النهاية لكن لصالح أوروبا”. وبدى الانتقاد لاذعاً للغاية لجولة روحاني، ولتصريحات أفراد من حكومته. وجاء في التقرير أنّ “وسائل الإعلام الإيرانية المحسوبة على الإصلاحيين وحتى على الحكومة المعتدلة، ترى أنّ رحلته هذه جلبت الكثير من البركة والهدايا لإيران. لكن في المقابل، لا توضح الحكومة برئاسة روحاني أهمية هذه الصفقات، أو كيفية انعكاس نتائجها بإيجابية على اقتصاد الداخل، وهو ما انتظره المواطنون لأشهر عديدة”، بحسب الصحيفة.


حقّقت جولة روحاني، بحسب كثيرين في الداخل الإيراني، مكاسب سياسية واقتصادية لطهران

ويشير التقرير إلى أنّ هذه الصفقات تصب لصالح دول الاتحاد الأوروبي، أكثر من أن تميل لصالح الكفة الإيرانية. وذكرت الصحيفة ذاتها أنّ الاقتصاد الفرنسي عانى من التباطؤ خلال الفترة الماضية، وسجل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، تراجعاً بمعدل النمو بما يقارب 0.4 في المائة، فضلاً عن وجود نسب بطالة عالية بين أبناء المجتمع الفرنسي. واعتبر التقرير أنّ “عقود الطائرات والسيارات ليست إلّا فرصة لاقتصاد هذا البلد، والذي من مصلحته أولاً تطوير العلاقات مع إيران”.

وترى هذه الصحيفة، كما آخرون من الطيف المحافظ المتحفظ على التوجه أكثر نحو الغرب، أنّ المؤامرات لا تزال تُحاك ضد إيران على الرغم من التوصل لاتفاق نووي، وعلى رأسها ما وصفته بـ”المؤامرة النفطية”. وتساءلت الصحيفة في تقريرها عن كيفية استفادة إيران من صفقاتها هذه، وهي تخطط للعودة للسوق النفطية وأسعار النفط لا تزال في انخفاض، وعن كيفية تعافي الاقتصاد مقابل استلامها أرصدتها المفرج عنها من بنوك الخارج، والتي تم تجميدها في وقت سابق بفعل العقوبات أيضاً، في وقت تصرّ فيه الدول الأوروبية ذاتها على دفع المبالغ تدريجياً وبمعدلات متدنية.

يبدو أنّ أزمة البرنامج النووي، وإنْ حلّت باتفاق مع الغرب، لكنّها ستبقى ملفاً جدلياً في الداخل. ويرجّح مراقبون أن يعمل السياسيون المنتمون للأطياف المختلفة في البلاد على الاستفادة من تبعات النووي، في وقت يحتدم فيه السباق الانتخابي التشريعي، إذ يتنافس المحافظون والإصلاحيون و”المعتدلون” خلال شهر فبراير/شباط الحالي على مقاعد البرلمان، والذي يقوم بدور الرقيب على الحكومة.

اقرأ أيضاً: روحاني في أوروبا والعرب يتفرجون