ولاء خضير - خاص ترك برس

لطالما عُرفت تركيا، بأنها بلدٌ يشتهر بالجمال والطبيعة والكرم، لكن كثيرًا من رجال وسيدات "إنجلترا"، الذين عاشوا في إسطنبول "القسطنطينية"، خلال القرن الثامن عشر، قدموا وصفًا واقعيًّا رائعًا عن تركيا، فبعثوا بالرسائل، وألفوا الكتب، وهم يصفون سحر تركيا، وكرم الأتراك، وحرصهم على الضيف، واحترامهم المتبادل، وعطفهم على الصغير، وطريقتهم في التفنن، في إعداد الطعام التركي.

"شاي تركي من فضلك"، هو كتاب يحكي قصَّة تركيا من الماضي إلى الحاضر، نشرته دار النيل باللغة العربية، وكان قد نشر من قبل بالإنجليزية، ثم التركية. والمؤلفة أمريكية الأصل، اسمهما "كاثرين براننج"  Katharine Branning، كانت تعمل أمينة مكتبة، ولها اهتمام خاصٌّ بالثقافة، وقد تخصّصت في "خانات الضيوف" في تركيا عبر التاريخ، والخانات، أشبه ما تكون بالفنادق المجانية، في الطرق الآهلة بالرحالة والمسافرين.

ويحتوي هذا الكتاب، على رسائل بعثت بها خيالًا، السيدة كاثرين براننج، أو كما كان يطلق عليها الأتراك لقب قدرية هانم، إلى السيدة ماري مونتاجيو، عام 1689م - 1762م، وتستعرض فيها الانطباعات التي أخذتها عن تركيا والأتراك، طيلة ثلاثين عاما كاملة، كانت تتردد فيها على تركيا.

وقد بدأت رحلة كاثرين براننج في تركيا، التي استمرت قرابة ثلاثين عاما، بعد رؤيتها في الفصل الدراسي بفرنسا، صورةً لمدرسة "جوك"، الكائنة في مدينة سيواس "Sivas"، في وسط تركيا.

ورغم أن هناك ثلاثة قرون بين الرَّحالتين الغربيتين، أي كاثرين، وماري، إلا أن مشاهداتهما تلتقي في تصوير تركيا، كيف كانت، وكيف أصبحت بزمنهم، وتشرح الكاتبة سبب تحريرها لهذا الكتاب فتقول:

"هذه الرسائل، هي تعبيرٌ بسيط عن مدى حبي وتقديري لتركيا وشعبها، وردًّا على آلاف الأكواب من الشاي، التي قُدمت إليّ خلال ثلاثين سنة قضيتها في تركيا".

أما السيدة ماري مونتاجيو، التي كانت ترسل لها كاثرين خيالًا،1740م، فهي أرستقراطية، وكاتبة رسائل، وشاعرة إنجليزية، وهي زوجه السفير الإنجليزي في إسطنبول ورتلي مونتيغ، والتي استطاعت أيضا خلال إقامتها في تركيا، التعرف بشكل واسع على الحياة الاجتماعية والإسلام، في "الأستانة"، أي عاصمة تركيا، ومركز السلطة.

وماري، هي زوجة سفير إنجليزي عاش في تركيا في القرن الثامن عشر، قضت معه في تركيا ثلاثة عشر شهرًا، ترسل فيها لصديقاتها وأسرتها رسائل، تُفصّل فيها مشاهداتها في هذا البلد، وقد نُشرت هذه المراسلات بعد وفاتها، بعنوان "رسائل السفارة"، وأهم ما تتميز به هذه الرسائل، أنها تنقل الأحداث والوقائع في تركيا كما هي دون مواربة.

وكانت الليدي "ماري وورتلي مونتاغيو"، مابين عامي 1716- 1718م، قد أقامت فى إسطنبول، ودوّنت عدة رسائل، قدمت من خلالها وصفًا للمنازل، والمساجد، والشوارع العامة، وعن عالم النساء المسلمات، كما فهمت الإسلام، ووقفت منه موقفًا مستنيرًا.

و كدونت هذه الأفكار فى أشهر أعمالها، "رسائل من الشرق"، والتي انتشرت بعد وفاتها، وقد وصُفت رسائل ماري بأنها، "واحدة من أوائل الأمثلة، لعمل دنيوي لامرأة عن الشرق المسلم".

وتعد رسائل ماري مونتيغ الشهيرة، والتي طبعت في عام 1721م، من أهم الكتب التي تحدثت عن الحياة الاجتماعية في العهد العثماني، ومع أنها لم تحوي نظرة سياسية، إلّا أنها كانت مُلقِحة لكثير من الكتب التاريخية، التي تحدثت عن أهم الفترات في التاريخ العثماني.

ومع أن هذه الرسائل كانت موجّهة بالأساس للطبقة النبيلة في أوروبا، في ذلك الوقت، إلّا أنها اليوم تشكل هدفًا للمهتمين بالتاريخ العثماني.

ومما ذكرته ماري في رسائلها، "أثارت بي الكثير من العواطف، وودتُ لو أقضي بقية حياتي هناك، في ذاك البلد، الذي يحوي كل هذا الجمال في طبيعته وشعبه".

وبصرف النظر عن كتاباتها، عُرفت ليدي ماري أيضًا، لإدخالها ودعوتها للقاح لمرض الجدري في بريطانيا، بعد عودتها من تركيا.

حيث حدث فى العام 1717م، أن بعثت الليدي "ماري وورتلي مونتاغيو"، برسالة من إسطنبول، تضمنت ملاحظاتها ومشاهداتها حول مرض الجدري، والطريقة التي اتبعها العثمانيون لعلاج هذا المرض القاتل، أي التطعيم، الذي كان شائعًا في الإمبراطورية العثمانية، كما كان ناجحا وفعالا فى العلاج، والوقاية من هذا المرض.

وقد سبق، وأن أصُيب شقيقها بهذا المرض فأودي بحياته، كما انتقل إليها، فنجت من الموت بصعوبة، ولكنه ترك آثاره على وجهها، فتشوهت بشرة الليدي ماري ببثور الجدري ، كما تساقطت رموشها، وربما هذا ما شجعها لخوض مغامرة تجربة اللقاح على ابنها البكر، فطلبت من الجراح الإنجليزي، المقيم فى إسطنبول "الدكتور ميتلاند"، أن يقوم بتطعيم ابنها، بنفس اللقاح العثماني، للوقاية من هذا المرض المميت.

لكن الإنجليز لم يهتموا بما كتبته، حول اللقاح المستعمل فى الإمبراطورية العثمانية، وقيل حول هذا الإعراض، عن اقتراح الليدي ماري استعمال اللقاح، تفسيرات مختلفة.

وقد أصُيبت ماري في آخر حياتها بالسرطان، وتوفيت عام 1762م، لتحظى بالتقدير والاحترام لأعمالها وكتاباتها، حيث دخلت الليدي ماري وورتلي مونتاغيو (1689- 1762)، تاريخ آداب اللغة الإنجليزية، بكتابتها رسائل تضاهي في  جمالها وأهميتها، رسائل كبار أدباء ومثقفي إنجلترا وأوروبا فى تلك الفترة.