يبدو أن حل لغز اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي أصبح قريباً، بعد تفتيش القنصلية السعودية في اسطنبول. هل سيتحول الأمير محمد بن سلمان من قائد مصلح إلى قاتل لصحفي ومواطن سعودي؟ خبراء يسلطون الضوء على التداعيات.

بعد تسع ساعات قضاها فريقا التحقيقات التركي والسعودي في مقر القنصلية السعودية بتركيا، أكدت مصادر في مكتب المدعي العام التركي أن هناك أدلة على مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخلها.

وفي الوقت الذي ذكرت فيه شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية أن الرياض تعد تقريراً يفيد بأن خاشقجي قُتل خلال استجواب تم بشكل خاطئ، وأن  المقصود كان اعتقاله، أفادت وسائل إعلام سعودية أن السلطات ستستدعي فريقاً يُتهم بتورطه في اختفائه.

تأتي عملية تفتيش القنصلية عقب دعوة من مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كل من السعودية وتركيا أمس الاثنين الثلاثاء (15 أكتوبر/ تشرين الأول 2018) إلى الكشف عن جميع المعلومات المتعلقة باختفاء خاشقجي، مضيفة أن الحصانة يجب أن تُرفع عن المقار الدبلوماسية والمسؤولين والقيام بعمليات التفتيش.

"السيد منشار العظم"

وبحسب ما ذكره موقع قناة الجزيرة القطرية نقلاً عن صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بات يلقب في واشنطن بـ"السيد منشار العظم"، عقب قضية اختفاء خاشقجي، وسط أنباء عن مقتله وتقطيعه بمنشار.

وفي ظل تلك التطورات، هناك العديد من التساؤلات التي ربما تلقي ضوءاً ليس بالجيد على مستقبل المملكة السياسي والاقتصادي وعلاقاتها بالغرب. فبغض النظر عن الشكل الذي ستظهر به قضية خاشقجي، خاصة بعد اعتراف السعودية بوقوع خطأ من "قتلة مارقين"، فمن المحتمل أن تظل صورة ولي العهد محمد بن سلمان باقية في الأذهان كقاتل لصحفي ومواطن سعودي.

يرى الدبلوماسي الأمريكي السابق، الدكتور نبيل خوري، في حوار خاص مع DW عربية من واشنطن، أن الأسرة السعودية الحاكمة أو محمد بن سلمان لن تكون بمنأى عن التداعيات السلبية لهذه القضية، إذ بات من الواضح أن أمريكا والسعودية توصلتا إلى حل وسط ولكنه غير منطقي. ويفسر خوري قائلاً: "طلبت أمريكا من السعودية أن تخرج باعتراف بما جرى لخاشقجي وألا تستمر بالإنكار، وذلك كي تخفف وطأة المعارضة القوية داخل أمريكا". 

معركة خاسرة

كما أوضح خوري، الذي يشغل أيضاً منصب كبير باحثي الشرق الأوسط والأمن القومي في مجلس شيكاغو للشؤون الدولية، أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى تركيا جاءت لكي تقبل تركيا مساعدة الرياض في هذه القضية ولا تكشف كل المعلومات التي تعرفها، بحسب قوله. وأضاف أن محمد بن سلمان "خسر معركة الرأي العام والتي كلفته الملايين كي يلمع صورته الشخصية وصورة السعودية، خاصة في واشنطن".

ولطالما عرف ولي العهد السعودي في الغرب بأنه مصلح للنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السعودية، فماذا سيتبقى من تلك الصورة بعد قضية خاشقجي؟ يجيب خورى عن هذا التساؤل مؤكداً أنه لن يتبقى من صورة بن سلمان شيء سوى في أذهان بعض المستفيدين. وبحسب قوله، فهذا "للأسف يشمل بعض السياسيين والإعلاميين وبعض مراكز الأبحاث التي استثمرت فيها السعودية والإمارات الكثير من الأموال خلال العامين الماضيين".

وكان الصحفي زيد بنيامين، المقيم في واشنطن، قد نشر في تغريدة له على موقع "تويتر" مقطع فيديو لعضو مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي غراهام يدعو فيه السعوديين لاختيار بديل عن بن سلمان.

هل تكتب قضية خاشقجي نهاية بن سلمان؟

يرى الدكتور نبيل خوري أن أمريكا في ظل إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب لا تريد أن تغير شيئاً في سياستها مع السعودية، فترامب نفسه غير مستاء مما حدث. لكنه يستدرك بأن ثمة ضغوطاً سياسية تضطره إلى التصرف حيال القضية واتخاذ موقف ما. ويضيف خوري: "أعتقد أن العلاقة لن تتغير بشكل جذري بين المملكة وأمريكا، ولكن لن يُفرض على السعودية أن تغير قيادتها، فهذا أمر يخصها".

وعن تداعيات الموقف داخل السعودية، أوضح خوري أنه ربما يستنتج الملك سلمان أن وضعه لابنه في هذا المنصب الرفيع ربما يكون تصرفاً سابقاً لأوانه. أما بالنسبة للأسرة الحاكمة بشكل عام، فيمكن أن تطالب بتغيير القيادة الحالية، إذ أن تلك التصرفات ليست في مصلحة السعودية، وفقاً لخوري.

Donald Trump und Prinz Mohammed bin Salman (picture-alliance/AP Photo/E. Vucci)

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والأمير محمد بن سلمان

وبسؤاله عن إمكانية تمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعلاقته بالسعودية رغم ما يحدث، أشار خوري إلى أنه إذا لم يجبره الكونجرس على تغيير هذه السياسة، فإنه سيستمر بها. ولفت إلى أنه في تلك الحالة سيصبح الوضع بينه وبين بن سلمان مثل الوضع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكانت الجهات الرسمية كلها قد اتهمت بوتين بالتأثير على سير الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز بها ترامب، ولكن ترامب لا يزال حتى اليوم يدافع عن بوتين بسبب مصالح شخصية لم تكشف كلها بعد، طبقاً لما ذكره خوري في حديثه لـDW عربية.

"كبش الفداء"

وفي السياق ذاته، كان الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان، في مقال لصحيفة "رأي اليوم" الإلكترونية، قد تساءل قائلاً: "َالأسئلة المطروحة بقوة الآن هي عن "كبش الفداء" الذي سيتم التضحية به لرفع أي لوم عن العاهل السعودي وولي عهده والمسؤولين الكبار في المملكة، وما هو الثمن الذي سيتم دفعه لتركيا وللولايات المتحدة مقابل المساعدة في "لفلفة" هذه الجريمة وطوي صفحتها؟" 

وأضاف عطوان في نفس المقال: "للإجابة على هذه الأسئلة أو بعضها، علينا الرجوع إلى قضية لوكربي والصفقة التي جرى التوصل إليها لإنقاذ العقيد معمر القذافي ورفع الحصار الخانق عن ليبيا".

ومن جهة أخرى، ترى الباحثة في شؤون الشرق الأوسط آنا زونيك، من المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ، أنه بغض النظر عن كيفية انتهاء القضية، فإن الوضع يبدو سيئاً للغاية بالنسبة لمحمد بن سلمان، فهو على حد تعبيرها "في ورطة، لأنه يبدو غير كفؤ وليست لديه فكرة عن المتورط الحقيقي تلك القضية: هل هي خدماته الاستخبارية أم قتلة مارقون؟" لكن زونيك تعتبر أن من غير المرجح أن يتنحى بن سلمان: "ولكن على أي حال ، فإن الأطراف المسئولة عن هذا الحادث يجب أن تخضع للمساءلة ويجب أن تكون تلك الأطراف في مناصب قيادية. يجب أن يكون هناك إعلان كامل لكافة التفاصيل".

سارة إبراهيم

  • Kanadische Außenministerin Chrystia Freeland (picture alliance/AP/G. Robins/The Canadian Press)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    الأزمة بين مونتريال والرياض

    االأزمة بين السعودية وكندا هي أحدث الأزمات الدبلوماسية في عهد محمد بن سلمان والتي بدأت بسبب انتقادات وجهتها السفارة الكندية للمملكة بشأن حقوق الإنسان، وذلك على خلفية اعتقال نشطاء المجتمع المدني ونشطاء حقوق المرأة في السعودية، ومن بينهم الناشطة سمر بدوي. الأمر الذي اعتبرته السعودية تدخلاً في شؤونها الداخلية واتخذت قرارات تصعيدية تجاه كندا مست الطلاب السعوديين الدراسين هناك والمرضى والرحلات الجوية.

  • Saudi-Arabien Außenminister Sigmar Gabriel & Abdel bin Ahmed Al-Jubeir in Dschidda (picture-alliance/dpa/G. Fischer)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    سحب السفير السعودي من برلين

    في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي 2017، استدعت السعودية سفيرها في برلين، عندما انتقد وزير الخارجية آنذاك زيغمار غابريل السياسة الخارجية السعودية تجاه كل من لبنان واليمن. وبعدها قامت الرياض بسحب سفيرها من ألمانيا، ولم يتم إرجاعه لحد الآن، بالرغم من إبداء الحكومة الألمانية حينها رغبتها في عودة السفير السعودي إلى برلين، كما عبّرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية عن أملها في العمل على تحسين علاقات الجانبين.

  • Katar Doha Scheich Tamim bin Hamad Al Thani (picture-alliance/AP Photo/O. Faisal)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    الأزمة مع قطر بتهمة دعم الإرهاب

    بدأت الأزمة مع قطر قبل أكثر من عام عندما أطلقت فضائيات ومواقع إماراتية وسعودية هجوماً كاسحاً على الدوحة متهمة إياها بدعم تنظيمات متطرفة في المنطقة ودعم جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها مصر والسعودية والإمارات والبحرين تنظيماً إرهابياً. على إثر ذلك قطعت الدول الأربعة علاقاتها مع قطر في الخامس من حزيران/ يونيو 2017، وشنت حملة حصار عليها لاتزال مستمرة. من جهتها نفت قطر دعم أي تنظيم متطرف.

  • Frankreich Macron Treffen mit Libanons Premier Hariri (picture-alliance/ MAXPPP/ Z. Kamil)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    الخلاف مع لبنان بسبب الحريري

    الأزمة مع لبنان بدأت إثر اعلان رئيس الوزراء سعد الحريري استقالته المفاجئة من الرياض، وظهر التصعيد بعد إقرار الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بتعرض رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري للاحتجاز هناك في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، ما أدى إلى نشوب توتر في العلاقات بين البلدين. من جهته نفى الحريري والرياض احتجازه في السعودية رغما عنه. وبعد تدخل دولي شارك فيه ماكرون غادر الحريري المملكة وعدل عن استقالته.

  • Iran - Botschaft Saudi-Arabien (Reuters/M. Ghasemi)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    بين طهران والرياض أكثر من خلاف

    الأزمة السعودية مع إيران وصلت إلى أشدها بعد أن قام محتجون في طهران باقتحام مبنى السفارة السعودية احتجاجاً على قيام المملكة بإعدام الزعيم الشيعي البارز نمر باقر النمر . ويذكر أنه قد تم اضرام النار في أجزاء من مبنى السفارة وتدمير أجزاء أخرى في الهجوم عليها، وهو الأمر الذي أدى إلى القبض على خمسين شخصاً من جانب السلطات الإيرانية، ودفع السعودية مطلع عام 2016 إلى قطع علاقاتها مع إيران.

  • Türkei, Saudi-Arabien, Flaggen

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    تركيا والخلاف حول زعامة العالم الإسلامي

    بالرغم من تاريخ العلاقات التركية السعودية التي تميزت في كثير من الأحيان بتعاون اقتصادي وتعاون عسكري، إلا أن تصريحات بن سلمان بشأن تركيا كشفت النقاب عن خلافات جوهرية بين البلدين. ومما جاء في هذه التصريحات أنه "يوجد ثالوث من الشر، يضم تركيا وإيران والجماعات الإرهابية". كما أوضح أن "تركيا تريد الخلافة وفرض نظامها على المنطقة، بينما تريد إيران تصدير الثورة ".

  • Ägypten Treffen König Salman Abdel al-Sisi (picture-alliance/AA/Egypt Presidency)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    الخلاف مع مصر تسبب بعقوبة نفطية

    قبل تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد، عرفت العلاقات السعودية المصرية توتراً منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وذلك عقب تصويت القاهرة في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي لم يتم تمريره متعلق بمدينة حلب. كما وقعت مصر والمملكة اتفاقية تؤول بموجبها ملكية جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين في البحر الأحمر إلى الرياض، تبعتها احتجاجات مصرية. وكان الرد السعودي وقف تزويد القاهرة بشحنات شهرية من منتجات بترولية.

  • Margot Wallstroem 30.10.2014 (Reuters/TT News Agency/Annika AF Klercker)

    السعودية ـ أزمات دبلوماسية متلاحقة في عهد ولي العهد الطموح

    السويد تتهم الرياض بأساليب القرون الوسطى

    في آذار/ مارس 2015 استدعت الرياض سفيرها في ستوكهولم بسبب انتقادات وجهتها وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم لسجل السعودية في مجال حقوق الإنسان، وخصت بالذكر منها القيود المفروضة على النساء ووصف حكم القضاء السعودي بجلد المدون السعودي المعارض رائف بدوي بأنه من "أساليب القرون الوسطى". إعداد: إيمان ملوك