تتشابه صورة رضا اليحياوي الشاب الذي توفي في القصرين في يناير سنة 2016 -وانطلقت على إثر ذلك موجة احتجاجات تطالب بالتنمية والتشغيل- مع صورة حرق البوعزيزي لنفسه في سيدي بوزيد سنة 2010، والتي عمت على إثرها الاحتجاجات ورفعت نفس المطالب ونادت بإسقاط النظام. لاشيء تغير منذ الثورة في القصرين وسيدي بوزيد وفي عديد المناطق التي تعاني أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة، فالحال كما هو قبل نحو خمس سنوات رغم تغيّر الطبقة السياسية وتغيّر ألوان الأحزاب الحاكمة وتعاقب الوزارات، ورغم الحلم الكبير بالتغيير بعد نجاح الثورة وسقوط بن علي. ويطرح التساؤل لماذا لم يحمل نجاح الثورة أي تغيير في حياة الناس اليومية ولم يقدم أملا في حياة أفضل للشباب؟

يرى كثير من المهتمين بالشأن العام في تونس أن الشباب الذي صنع الثورة وتصدى للظلم والطغيان وخرج بصدور عارية مناديا بالحرية والكرامة والشغل يجد نفسه اليوم خارج المشهد السياسي وخارج الحركية الاقتصادية. فالمشهد العام ما بعد الثورة، ما زال يتصدره الشيوخ وجيل الستينات والسبعينات الذي يواصل التحكم في دواليب الدولة ويبسط نفوذه داخل الأحزاب.

تواصل التهميش الاقتصادي والاجتماعي

وقد كتب يسري الزرلي أحد الشباب من جرحى الثورة على مواقع التواصل الاجتماعي "بعـد 5 سنوات من تضييق الحصـار علـى المضطهدين من أولاد هـذا الشعب رجعنا للشعار المركزي: "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق ... ثورتنا سنكملها ...". وتعتبر عودة هذا الشعار إلى واجهة الاحتجاجات في عدة مدن وقرى دليل على فشل السياسيات التنموية وفشل الطبقة السياسية في استقطاب الشباب وتعزيز ثقته في أدوات إدارة الشأن العام.

ورغم نحاج ثورة تونس، لم تُعْطَ فرصة للشباب للتعبير عن نفسه داخل الفضاء العام إلا عبر التظاهر والاحتجاج. وتقول شاذلية الحضيري -عاطلة عن العمل- في تصريح لـ DW: "نحن معتصمون منذ فترة أمام مبنى وزارة التربية للمطالبة بأحقيتنا في التشغيل". وتؤكد شاذلية أن الحكومة تجاهلت مطالبهم بشكل كبير وماطلت في تمكينهم من قرارات انتداب رغم وعود وزير التربية". ونفس مشهد الاعتصام يتكرر داخل أسوار محافظة القصرين من قبل ثلة من الشباب للمطالبة بالتشغيل متحدّين بذلك السلطة وبرامجها ووعودها رغم إطلاقها للعديد منها إثر مجلس وزاري.

Demonstration in Bourguiba avenue

ويبدو أن مطالب الشباب المحتج تختزل واقعه اليومي رغم محاولة بعض السياسيين توظيفها واتهام أحزاب الائتلاف الحاكم لبعض مكونات الجبهة الشعبية بالوقوف خلفها. ويقول الإعلامي كمال الشارني، في حديث لـ DW عربية إن: "واقع الشباب التونسي من الناحية الإحصائية أصبح أكثر سوءا مما كان عليه قبل الثورة، على الأقل من حيث أرقام البطالة وانتشار العنف والمخدرات والمظاهر السيئة".

ويعتبر الشارني أن الاحتجاجات التي تعم بعض المناطق في البلاد "تعود إلى ما يمكن تسميته "بالثورة من أجل تحقيق أهداف الثورة"، فلقد ثار الناس ضد الفساد والمحسوبية، والعلاقات العائلية والشخصية والرشوة، ولما رأوا أن دولة الثورة لم تحقق الحد الأدنى من مقاومة الفساد وابتزاز مسؤولي الدولة لهم -بل وفرت للكثير منهم الحماية- قرروا العودة إلى الفضاء العام".

ومن جانبه يرى هشام حسني، الناشط السياسي في تصريح لـ DW أن "الاحتجاجات التي اندلعت بالقصرين وبعدد من المناطق الداخلية تبين مدى الفشل الحكومي في التعاطي مع المطالب التنموية بالجهات وتبرز التهميش المتواصل للشباب وغياب البدائل التنموية إضافة إلى ذلك عدم إيفاء الأحزاب الحاكمة بوعودها في العناية بالمناطق الفقيرة".

ويرى الناشط السياسي أنه برغم التنصيص في الدستور على تشريك الشباب في الحياة العامة إلا أن الواقع يبقى عكس ذلك، "فلقد وقع تهميش الشباب بشكل كامل ولم يأخذ حظه في الحياة العامة مما ولّد لديه حالة من الاحتقان دفعته إلى الخروج إلى الشارع وللثورة في وجه السلطة والتهديد بالانتحار كما تدفعه إلى أحضان الجماعات الإرهابية المتربصة به وبالبلاد".

عزوف الشباب عن العمل الحزبي

وتحاول الأحزاب أن تغري الشباب بالعمل الحزبي عبر فتح مساحات خاصة به على غرار المكاتب الشبابية أو الهياكل القاعدية الشبابية ولكن تبقى هذه المبادرات مجرد محاولات للاستفادة منها في المحطات الانتخابية القادمة. ويعتبر المتابعون للشأن السياسي التونسي أن الشباب لم ينخرط بعد في الحياة السياسية لإيمانه بألا شيء تغير داخل الطبقة السياسية رغم تغير الوجوه والألوان.

Demonstration in Bourguiba avenue

ويفسر كمال الشارني عزوف الشباب عن المساهمة في الحياة العامة "بفقدان الثقة في المؤسسات الحكومية والعمومية، فهذه المؤسسات تقترن عادة في ذهن الشباب بالمحسوبية والعلاقات العائلية والجهوية والفئوية، قد كان هذا ثمرة لعشرات السنين من السلوك الحكومي الخاطئ والفاسد حقا"، ويعتبر أنه ليس من "السهل استعادة ثقة الشباب في مؤسسات الدولة، حيث على المسئولين بذل جهود خرافية لإقناعهم بأنها "منهم ولهم وبأموالهم"، وهذا لا يكون بمجرد الكلام والخطب السياسية، بل بالإثبات وفتح الأبواب أمامهم دون أي شكل من أشكال التمييز".

ويعتبر آخرون أن الشيوخ يقتلون داخل أحزابهم أي نفس ثوري أو شبابي ويجبرون الكل على أن يسير على خطاهم حتى وإن لزم الأمر حلّ الحزب وانسحاب الشباب منه وانشقاق القيادات عنه.

ويستدل كمال الشارني على تهميش دور الشباب داخل الأحزاب في تونس بمعدل أعمار السياسيين الحكام، ويرى أن "ثمة معادلات شاذة في تونس فالشباب هو الذي قام بالثورة وقدم حياته ثمنا لها، لكن الشيوخ، شيوخ النظام البائد هم الذين يمسكون مقاليد الحكم، في الأحزاب"، ويضيف: "لمثل هذه الأسباب يهرب الشباب من الأحزاب والتنظيمات، ويتحرك وفق الأحداث، معولا فقط على غضبه ومشاعره محروما من التنّظم في أطر قانونية توفر له حرية التعبير الحقيقية".

ويرى كثيرون أن الديمقراطية داخل الأحزاب وداخل الفضاء العام هي السبيل الوحيد لتعزيز ثقة الشباب في المنوال الديمقراطي الذي اختاره البلد، فالمسألة لا تعدو كونها مسألة ثقة في أسلوب إدارة الشأن العام. ولكن يبدو أن مبادرات إشراك الشباب في إدارة الشأن العام لم تنطلق بعد.