توصل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين لاتفاق حول محافظة إدلب يبعد عنها حاليا شبح حرب كانت تهدد الملايين. وعلى ضوء ذلك باتت تركيا مسؤولة عن إخلاء المنطقة من الجهاديين، لكن كيف؟

يسوق أنصار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاقية سوتشي حول إدلب، آخر معاقل المعارضة في سوريا، كانتصار  له. فبعد مفاوضات عصيبة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين انتزع أردوغان موافقة الأخير على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب على أن تنسحب الجماعات المصنفة بالمتطرفة منها.

وقبل عشرة أيام فقط كانت هناك قمة ثلاثية في طهران شارك فيها، بالإضافة إلى أردوغان، الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني، أبرز حليفين للرئيس السوري بشار الأسد. وقد كرّس فشل القمة التخوفات من اقتراب موعد الحملة العسكرية ضد المحافظة السورية التي يقطنها ما لا يقل عن ثلاثة ملايين نسمة.

ويبدو أن بوتين مال في نهاية المطاف إلى الخيار التركي على حساب توافقاته مع الحليف الإيراني والسوري. والملفت أنه وغداة الإعلان عن التوصل إلى هذا الاتفاق أعلنت موسكو  أن طائرة تابعة لها أسقطت ليل الاثنين/الثلاثاء (18 سبتمبر/ أيلول)، في غرب سوريا، من قبل الدفاعات السورية، في خطوة تؤكد على مدى تعقيدات المشهد السوري.

منطقة خالية من الجهاديين

إدلب وبصفتها آخر معقل للمعارضة، شكلت على مدى السنوات الماضية ملجأ لعشرات الآلاف من المقاتلين المعارضين والمدنيين الذين أجبروا على مغادرة مناطقهم والانتقال إليها.

وفي البداية كانت روسيا وتحت طائلة "القضاء على الإرهاب"، تشدد على ضرورة التدخل العسكري في إدلب، لكن هذه المهمة أسندها اتفاق سوتشي إلى تركيا المسؤولة حاليا على طي صفحة هيئة "تحرير الشام" (النصرة سابقا) وأخواتها التي تسيطر على الجزء الأكبر من الشمال السوري.

   

وحسب الخبير العسكري العقيد أحمد حمادي المقرب من المعارضة السورية المسلحة، فإن إدلب لا تضم ذلك الحجم من الجهاديين كما تمّ الترويج له من قبل النظام السوري وحلفائه. ومع ذلك تتحدث تقارير إعلامية عن نحو 10 آلاف مقاتل بينهم ألف إلى ثلاثة آلاف مما يطلق عليهم الغرباء، والمقصود غير السوريين الذي قصدوا البلاد من أجل "الجهاد"، فيما ذهبت تقارير أخرى إلى اعتبار أن عددهم يصل حتى إلى أربعة آلاف.

و تتفاوت  التقديرات أيضا حول جنسياتهم، ويفترض أن يكون القسم الأكبر منهم من المقاتلين المنحدرين من القوقاز، فيما يضم الباقي عربا وأوروبيين وأفارقة.

الخيارات المتاحة

الخيارات المتاحة أمام تركيا تعد على يد الأصابع يقول المحلل العسكري أحمد رحال في حوار مع DW عربية، والذي ذهب حتى إلى وصفها أيضا بـ "البسيطة". فبالنسبة للمقاتلين السوريين، فإن غالبية المنضمين تحت لواء هيئة "تحرير الشام" وفصائل مشابهة لها لا يحملون فكر "القاعدة" أو فكر هيئة "النصرة سابقا"، بقدر ما أن محركهم الأساسي الإطاحة بنظام الأسد.

وبالتالي فإن "هؤلاء وخلال فترة قصيرة لا تتعدى أسابيع، يمكن إدماجهم عبر تنظيم أو فصيل إلى قوات الجيش الحر أو إلى الجبهة الوطنية للتحرير وينتهي الوضع"، يقول الخبير العسكري أحمد رحّال.

غير أنه وفي حال رفضت العناصر التكفيرية سواء من السوريين أو غير السوريين الاستسلام للوصاية التركية، فإن الخيار العسكري "لا مفر منه" يقول الخبير العسكري أحمد حمادي الذي يرجح على أن تركيا ستقوم بعملية عسكرية معتمدة في ذلك على القوات الموالية لها، ومن أبرزها "الجبهة الوطنية للتحرير" وقوامها فصائل جيش الحر وفصائل المعارضة المعتدلة.

تركيا بدورها عززت تواجدها العسكري، فيما أكدت الخارجية التركية أن المزيد من هذه التعزيزات سيتم إرسالها في الأيام القادمة إلى شمال سوريا.

خيار الرحيل والترحيل

ويتوافق الخبيران العسكريان في حوارهما لـDW  عربية على أن التحدي الأكبر التي تواجهه تركيا يكمن في إخلاء المنطقة من المقاتلين الأجانب لأن ذلك يستلزم توافقات دولية كبرى، على ضوئها تقبل الدول المصدرة بأخذ هؤلاء وملاحقتهم قضائيا على أرضها.

خطوة سيكون من الصعب على حكومات دول أوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا القبول بها والتسويق لها داخليا، وذلك في ظل التحولات الحاصلة في مجتمعاتها بما يخص قضايا الهجرة والإرهاب، خاصة وأنها دول اكتوت بنار الإرهاب في عقر دارها.

على صعيد آخر، لم يعد أمام هؤلاء الجهاديين الكثير من الحلول، فإدلب الساحة الجغرافية الأخيرة للمقاتلين الأجانب، ولا وجهة بعدها في الداخل السوري على الأقل. وحتى المنافذ المتاحة خارج سوريا أصبحت تضيق في وجه هؤلاء. الوجهة التقليدية كانت وزيرستان بين أفغانستان وباكستان، وهي المنطقة التي تسيطر عليها عمليا القاعدة، لكن التنقل إلى تلك المناطق بات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وهناك خشية من أن يتحول المسار الجديد إلى منطقة الساحل والصحراء، خاصة إلى ليبيا، مع وجود تقارير استخباراتية تؤكد انتقال هذه العناصر إلى ليبيا في السنوات الأخيرة. خاصة أولئك الذين رفضوا التعاون مع أنقرة، فانضموا إلى تنظيم "أنصار الشريعة" هناك.

و.ب/ أ.ح

  • Anschlag Idlib Syrien (AP)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    أهمية استراتيجية

    تعتبر محافظة إدلب في شمال غربي سوريا آخر المعاقل الرئيسية لفصائل المعارضة، وتتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة فهي من جهة محاذية لتركيا الداعمة للمعارضة، ولمحافظة اللاذقية، معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري بشار الأسد من جهة ثانية. كما أن مدينة إدلب (مركز المحافظة) لا تبعد عن طريق حلب - دمشق الدولي سوى 20 كليومتراً.

  • Olivenbaum (Colourbox)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    إدلب الخضراء

    قبل اندلاع الحرب الأهلية في سوريا كان غالبية سكان إدلب يعتمدون على الزراعة وخصوصاً الزيتون والقطن والقمح. وبسبب اشتهارها بزراعة الزيتون فقد كان يطلق عليها "إدلب الخضراء". كما أنها كانت سوقاً تجارياً واسعاً للمناطق المحيطة بها، بالإضافة إلى كونها أحد مراكز صناعة الصابون في سوريا.

  • Syrien Bürgerkrieg Museum in Idlib (Daniel Leal-Olivas/AFP/Getty Images)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    أرض مملكة إيبلا

    وتعرف محافظة إدلب بكثرة متاحفها ومواقعها الأثرية التي تعود لحقب تاريخية قديمة، ومن أبرزها مدينة إيبلا الأثرية، إحدى أقدم الممالك في سوريا قبل الميلاد. قبل اندلاع النزاع في 2011، كان متحف إدلب يتميز باحتوائه على مجموعة قيمة من الرقم المسمارية، التي تروي عبر نصوص سياسية وأدبية تاريخ مملكة إيبلا. إلا أن المتحف الذي أُعيد افتتاحه هذا الشهر، لم يسلم خلال سنوات الحرب من القصف وأعمال السرقة والنهب.

  • Syrien Demonstration gegen Präsident Bashar Al-Assad in Idlib (dapd)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    معقل للمعارضة

    انضمت محافظة إدلب سريعاً إلى ركب الاحتجاجات على النظام السوري التي اندلعت في آذار/ مارس 2011، والتي تحولت لاحقاً الى نزاع مسلح تعددت أطرافه. وفي آذار/ مارس 2015 سيطر "جيش الفتح"، وهو تحالف يضم فصائل إسلامية وجهادية بينها جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة بسوريا) التي تحولت إلى "هيئة تحرير الشام" على كامل محافظة إدلب باستثناء بلدتي الفوعة وكفريا ذات الغالبية الشيعية.

  • Syrien Al-Nusra-Front Twitter-Bild Kämpfer in Idlib (picture-alliance/AP Photo/Nusra Front on Twitter)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    اقتتال داخليّ

    بعد اقتتال داخلي بين الفصائل المتعددة في 2017، باتت هيئة تحرير الشام تسيطر على الجزء الأكبر من محافظة إدلب مقابل تواجد محدود لفصائل أخرى أبرزها حركة أحرار الشام وحركة نور الدين زنكي. وفي 18 شباط/ فبراير 2018، أعلنت الحركتان المذكورتان اندماجهما تحت مسمى "جبهة تحرير سوريا" لتخوضا مجدداً معارك مع جهاديي هيئة تحرير الشام.

  • Syrien Russische Luftangriffe (picture-alliance/AA/M. Khder)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    مليونان ونصف المليون

    ومنذ سيطرة فصائل المعارضة عليها، وطوال سنوات، شكلت محافظة إدلب هدفاً للطائرات الحربية السورية والروسية، كما استهدف التحالف الدولي بقيادة واشنطن قياديين جهاديين فيها بشكل دوريّ. ويعيش في إدلب حالياً نحو 2,3 مليون شخص بينهم أكثر من مليون نزحوا من مناطق أخرى، مع أعداد كبيرة من المقاتلين الذين رفضوا إلقاء السلاح ولا سيما من الغوطة الشرقية التي خضعت لحصار طويل وهجمات عنيفة.

  • Syrien Idlib Giftgasangriff (Reuters/A. Abdullah)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    هجمات كيميائية

    منذ 2014 تعرضت إدلب إلى عدة هجمات كيميائية، فبعد تأكيد لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن قوات النظام استخدمت الغازات السامة في كل من بلدة تلمنس (21 نيسان/ ابريل 2014) وبلدتي سرمين وقميناس (آذار/ مارس 2015)، تعرضت مدينة خان شيخون لهجوم كيميائي في 2017، أدوى بحياة عشرات الأشخاص بينهم 30 طفلاً. واتهمت الأمم المتحدة النظام السوري بشن الهجوم، رغم نفي الأخير.

  • Syrien Angriff von Assads Truppen in Mashad, Aleppo (picture-alliance/AA/M. Sultan)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    تصعيد في منطقة "خفض التصعيد"

    تشكل محافظة إدلب مع أجزاء من محافظات محاذية لها إحدى مناطق اتفاق خفض التصعيد التي تم التوصل إليها في أيار/ مايو 2017 في أستانا برعاية روسيا وإيران، حليفتي دمشق، وتركيا الداعمة للمعارضة. وبدأ سريان الاتفاق في إدلب في أيلول/ سبتمبر الماضي. لكنها تعرضت نهاية 2017 لهجوم عسكري تمكنت خلاله قوات النظام بدعم روسي من السيطرة على عشرات البلدات والقرى في الريف الجنوبي الشرقي وعلى قاعدة عسكرية استراتيجية.

  • Syrien, Damaskus: Bashar al-Assad im Interview mit der Britischen Mail on Sunday (picture-alliance/abaca)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    الأسد: هدفنا الآن إدلب

    أكد الرئيس السوري بشار الأسد في 26 تموز/ يوليو الماضي أن "هدفنا الآن هو إدلب على الرغم من أنها ليست الهدف الوحيد". وفي 9 آب/ أغسطس الجاري قصفت قوات موالية للنظام السوري مواقع في إدلب قالت بأنها لفصائل معارضة وجهاديين وألقت منشورات تدعو السكان للاستسلام.

  • Syrien neue Gefechte trotz Waffenruhe (Reuters/K. Ashawi)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    تحذيرات من "حمّام دم"

    ودعت الأمم المتحدة إلى التوصل إلى "اتفاقات" لتفادي "حمام دم" في إدلب، وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستافان ديمستوريا قد قال في أيار/ مايو إنه في حال تكرار سيناريو الغوطة في إدلب فإن حجم الدمار وأعداد الضحايا قد تكون أكبر بست مرات، مشيراً إلى نصف الناس الذين يعيشون في إدلب، البالغ عددهم 2,3 مليون شخص، نازحون و"ليس لديهم مكان آخر يلجؤون إليه".

  • Syrien / Russischer Luftangriff (Reuters)

    إدلب الخضراء.. طبول الحرب تقرع في "أرض مملكة إيبلا"

    تمهيد للهجوم؟

    وبعد أن اتهمت روسيا فصائل المعارضة بالتحضير لعمل "استفزازي" يتمثل بهجوم كيميائي في إدلب بهدف تحميل دمشق المسؤولية عنه واستخدامه كمبرر للقوى الغربية لضرب أهداف حكومية في سوريا، أبدت الدول الغربية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي قلقاً متزايداً على مصير ملايين المدنيين في إدلب، خصوصاً بعد أن عززت روسيا من وجودها العسكري قبالة السواحل السورية، فهل سيتكرر سيناريو الغوطة في إدلب؟ محيي الدين حسين