ألقَت الدعاوى ضوءًا جديدًا على المؤامرات التي تورّطت فيها إسرائيل وممالك الخليج التي تميلُ إلى القرصنة كسلاح مُحبّذ ضد بعضها البعض

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا أعده عزام أحمد، مدير مكتب الصحيفة في المكسيك وأمريكا الوسطى والكاريبي، مع زميله ديفيد كيركباتريك، الذي عمل مديرًا لمكتب الصحيفة في القاهرة فترةَ الثورة المصرية. يستعرض التقرير استخدام برامج التجسس سلاحًا ضد المعارضين والمنافسين السياسيين محليًا ودوليًا.

الإمارات: هل يمكن أن تخترقوا هاتف أمير قطر؟

لأكثر من عام استخدمَ حكّام الإمارات العربية المتحدة برنامج تجسس إسرائيلي يُحوّل أجهزة المُعارضين داخلَ البلاد، والمُنافسين خارجها إلى أجهزة مراقبة.

وفقًا لبَريدين إلكترونيين مُسرّبين قُدّما يوم الخميس في دعوتين قضائيتين ضدّ صانعي برنامج التجسس، أرادَ مسؤولون إماراتيون رفيعو المستوى أن يتأكدوا من عمل البرنامج بعد أن قُدم لهم بسعر باهظ من مجموعة «NSO» التي تعملُ من إسرائيل. وبحسب التقرير فقد سألَ الإماراتيون: هل يمكن للشركة أن تُسجّل مكالمات المُنافس الإقليمي، أمير قطر؟ وماذا عن هاتف أمير سعودي نافذ قادَ حرس الوطني؟ أو ماذا عن تسجيل مكالمات رئيس تحرير جريدة «العرب» في لندن؟

a264bf548b.jpg

وجاء الرد من مُمثل للشركة بعد أربعة أيام في بريد إلكتروني: «أُرفق لكم تسجيلين». وأرفَقَ تسجيلين لمكالمتين أجراهما عبد العزيز الخميس، الذي أكّد هذا الأسبوع أنه أجرى المكالمتين ولم يكن يعلم أنه تحت المراقبة. تصرفات مجموعة NSO تقعُ في قلب القضيتين اللتين تتهمان الشركة بمشاركة نشيطة في تجسس غير قانوني. القضيتان جزءٌ من جهد عالميّ لمواجهة سباق التسلّح في عالم برامج التجسس.

تطوّر الشركات الخاصة أحدث تقنيات المراقبة للحكومات بعشرات الملايين من الدولارات، بينما تقول مجموعات حقوق الإنسان إنّ الإشراف الشحيح على هذا السلوك يوسع سوء استخدامه. مجموعة NSO تقعُ في قلب المعركة، إحدى أشهر الشركات المُصنعة لبرامج التجسس التي تغزو الهواتف الذكية. قُدّمت القضيتان في إسرائيل وقبرص من قبل مواطن قطري، وناشط وصحافيّ مكسيكيّ، كلاهما استُهدفا بأجهزة الشركة.

بَاعت المجموعة للحكومة المكسيكية تقنية المراقبة تحتَ شرط واضح: استخدام التقنية ضد المُجرمين والإرهابيين فقط، ورغمَ ذلك استُهدف بالبرنامج بعض أهمّ مُحامي حقوق الإنسان والصحافيين ومُناهضي الفساد من الناشطين. كثيرٌ منهم يمثلون كمُدّعين في القضايا المرفوعة. اشترت البرنامج حكومة بنما أيضًاـ، ووفقًا لوثائق القضية استخدمه الرئيس آنذاك للتجسس على مُعارضيه السياسيين ومُنتقديه. ومتى سُئلت الشركة، تُجب بأنها تبيع التقنية وفقط للحكومات، وتوافق الحكومات بدورها على استخدامها حصريًا ضد المجرمين، ولكنها تستخدمها لاحقًا كما تشاء.

الدعاوى الجديدة تحوي وثائق ورسائل إلكترونية مسرّبة تتحدى بشكل مباشر التأكيد الذي تكرره الشركة بأنها ليست مسؤولة عن أيّة مراقبة غير قانونية تُجريها الحكومات المُشترية.

مترجم: أزمة الخليج.. معركة بين «مجانين العظمة»

رسالة نصيّة تُنهي خصوصيتك

في حالة الإمارات تُجادل الدعوى القضائية بأن شركة تابعة لمجموعة NSO سَعَت للتجسس على مسؤولين حكوميين أجانب – ونجحَت في تسجيل مكالمات صحافيّ – بناء على طلب زبونها الإماراتي قبل أربعة أعوام.

تعملُ التقنية بإرسال رسالة نصيّة إلى هاتف المستهدف على أمل أن تغريه الرسالة فينقر عليها. إذا فعل المستهدف، يحمّل «بيجاسوس»، البرنامج التجسسي، سرًا إلى هاتفه، فاتحًا الباب للحكومات لتُراقب مكالمات الهاتف والبريد الإلكتروني وجهات الاتصال، وربما المحادثات القريبة وجهًا لوجه.

7a5d5040ec.jpg

وبالنسبة للإمارات أظهرت الوثائق أن التابع لمجموعة NSO اقترح لغة محددة للرسالة النصيّة. ويضيف التقرير أن كثيرًا من هذه الرسائل صُممت لتناسب دول الخليج؛ لتبدو عاديّة مثلَ «رمضان اقترب، خصومات رائعة»، و«حافظ على عجلات سيارتك من الانفجار من الحرارة». أظهرت الوثائق التقنيّة المسرّبة من الدعاوى القضائية أن الشركة ساعدت عملاءها على نقل البيانات المحصودة بالمراقبة، عبر شبكة حواسيب دقيقة.

يذكر التقرير  أن المحامي الإسرائيليّ علاء محاجنة شارك في رفع الدعوى القضائية بالتعاون مع مازن المصري المحاضر المعروف في القانون في جامعة لندن. يقول المحاجنة: «نحن ندفع ليكون القانون مواكبًا للتقنية»، ولنُظهر أنّ مصممي برامج التجسس «متورّطون في هذه الانتهاكات للخصوصية».

مجموعة NSO رفضت التعليق حتّى مراجعتها للدعاوى القضائية. وكذلك لم تستجب السفارة الإماراتية في واشنطن لطلب التعليق.

أعلنت الحكومة المكسيكية عن تحقيق فيدراليّ بعدَ عام مما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ مُحامين بارزين وصحافيين ودعاة مناهضة الفساد استُهدفوا ببرنامج مجموعة NSO. وبعدَ أكثر من عام لم يُظهر التحقيق إلا تقدمًا طفيفًا؛ فانضمّ المزيد من المُدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين لكشف المزيد عن برنامج الحكومة للقرصنة.

«ذي إنترسبت»: هذه خطة السعودية لغزو قطر التي منعها تيلرسون فأقاله ترامب

التجسّس.. السلاح المفضّل

ألقَت الدعاوى ضوءًا جديدًا على المؤامرات التي تورّطت فيها إسرائيل وممالك «الخليج التي تميلُ إلى القرصنة كسلاح مُحبّذ ضد بعضها البعض. يقول التقرير إن الإمارات لا تعترف بإسرائيل، ولكن يظهر أن حلفًا يكبر في الكواليس. تذكرُ الدعوى القضائية أنّ مجموعة NSO وتوابعها قد تكون باعت التقنية للإماراتيين بموافقة «وزارة الدفاع الإسرائيلية»؛ إذ تَعدُّ إسرائيل برامج التجسس كسلاح.

رسائل البريد الإلكتروني المسرّبة في الدعاوى تُظهر أن الإمارات وقّعت عقدًا لترخيص برنامج مراقبة الشركة في أوائل أغسطس (آب) 2013.

509754576.jpg

بعد عام ونصف طلبَت شركة تابعة لمجموعة NSO من عميلها الإماراتي أن يُقدّم دفعة سادسة بقيمة 3 ملايين دولار وفقًا للعقد الأصلي؛ ما يعني أنّ مُجمل رسوم الترخيص تساوي على الأقل 18 مليون دولار حتى ذلك الوقت. بيع تحديث في العام الذي تلاه عبر شركة تابعة من قبرص بكلفة 11 مليون دولار على أربع دفعات، وفقًا لفواتير مسرّبة.

التوتّر بين الإمارات وقطر وصل لذروته عام 2013 على صراع النفوذ في مصر. تحالفت قطر مع الإسلاميين في مصر الذين فازوا بالانتخابات بعد الربيع العربي، ثمّ دعمت الإمارات استيلاءً عسكريًا يُلقي الإسلاميين في السجن بدلًا عن ذلك. وفي نزاعهما المتصاعد اتهمَ الطرفان بعضهما البعض بالتجسس السيبرانيّ. اخترقَ قراصنة حسابات البريد الإلكتروني لاثنين من مُعارضي قطر الصَرحاء، يوسف العتيبة، السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، وإليوت برويدي، جامع تمويل أمريكيّ جمهوريّ له أعمالٌ مع الإمارات.

قدّم السيّد برويدي دعوى قضائية مُنفصلة يتهمُ فيها قطر وأعضاء جماعات ضغطها في واشنطن بالتآمر لسرقة وتسريب رسائل بريده الإلكتروني.

استولى قراصنة آخرون لوقت قصير على موقع وكالة قطر الإخبارية لنشر تقرير مزيّف ومُربك لأمير قطر للإضرار به، وسرّبوا لاحقًا رسائل إلكترونية قطريّة تكشفُ تفاصيل مربكة لمفاوضات قطريّة للإفراج عن مُختطفي حفلة صيد ملكيّة في العراق. يذكر التقرير أن حلفاء لقطر اتهموا الإمارات.

ويضيف أن الرسائل المسرّبة المكشوف عنها في الدعاوى القضائية الجديدة قد تكون سُرقت بالقرصنة. كما قال محامون على صلة بالأمر أن الصحافيّ القطري لم يكشف عن كيفية حصوله على الوثائق التي قدّمها. تُظهر الرسائل أن الإماراتيين سَعَوا لاعتراض مكالمات أمير قطر الهاتفيّة منذ 2014.

«وول ستريت جورنال»: اختلاس وغسيل أموال.. شبهات مالية جديدة تلاحق يوسف العتيبة

قائمة استهداف طويلة: السعوديّة ولبنان

يقول التقرير: إن قائمة الاستهداف الإماراتية تمتد لتضمّ السعودية. في البريد الذي يناقش تحديث تقنيّة مجموعة NSO يطلبُ الإماراتيّون اعتراض مكالمات الأمير السعودي متعب بن عبد الله، وقد كان منافسًا محتملًا ليرث العرش آنذاك.

كان الإماراتيون مروجين نشطاء لمُنافس الأمير متعب الأصغر، ولي العهد محمد بن سلمان. وفي العام الماضي عزلَ وليّ العهد الأميرَ متعب من دوره وزيرًا للحرس الوطنيّ، وأمرَ باحتجازه مؤقتًا لاتهامات فساد. يقول معدا التقرير إنه في مقابلة تليفونية عبّر الأمير متعب عن مفاجأته بمحاولة الإماراتيين لتسجيل مكالماته قائلًا: «لا يحتاجون لاختراق هاتفي. أنا سأخبرهم بما أفعل».

وفقًا للبريد الإلكتروني طلب الإماراتيّون اعتراض المكالمات الهاتفية لسعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الحالي. اتُهم السيّد الحريري أحيانًا بفشله في الدفع بقوّة ضد «حزب الله»، الحركة اللبنانية النافذة والمدعومة إيرانيًا. في العام الماضي قام حليف الإمارات السعوديّ، ولي العهد محمد بن سلمان، باعتقال الحريري مؤقتًا في العاصمة السعودية: الرياض. وأجبره على توقيع استقالته من رئاسة الوزراء. (لاحقًا ألغى إعلانه وظلّ رئيسًا للوزراء).

يتحدث التقرير عن السيد الخميس الذي استقال من عمله كمُحرر في جريدة العرب وصفَ مراقبة مكالماته بأنها «غريبةٌ جدًا»، ولكنها متوقعة لأنه نشرَ مقالات «حساسة» عن السياسة الخليجية. ويضيف التقرير أن المرة الأولى التي ظهر فيها استخدام الإمارات لبرنامج تجسس مجموعة NSO كان في 2016. حينها اشتبه أحمد منصور، داعية إماراتي لحقوق الإنسان، في رسالة نصية مريبة وفضح محاولة لاختراق هاتفه «آيفون» من شركة «آبل». اعتقلته الإمارات في العام التالي بتهمٍ يبدو أنها غير ذات صلة، وظلّ في السجن.

d1091da893.jpg

الناشط الإماراتي أحمد منصور

قالت آبل بعد كشف السيّد منصور: إنها أعلنت عن تحديث رمّم نقاط الضعف التي استغلتها البرمجية. تعهدت مجموعة NSO بالتحقيق، وقالت في تصريحٍ لها: إن «لا علمَ لها بالحالات المُحددة، ولا تستطيع تأكيدها». لكن وثائق مسرّبة أخرى تُشير إلى أن الإمارات استمرت باستخدام ترخيص البرنامج، وباستخدام برمجية بيجاسوس بعدَ إعلان آبل عن إصلاحاتها، وتعهّد مجموعة NSO بالتحقيق.

بدأت الإمارات والسعودية حصارًا على قطر في 5 يونيو (حزيران) 2017 في محاولة لعزلها. بعد 10 أيام وردَ في الدعوى القضائية عن بريد إلكتروني إماراتيّ داخلي إشارة إلى 159 عضو من الأسرة الملكية، ومسؤولين وآخرين استُهدفت هواتفهم ببرنامج NSO، ويعد بتقرير مبني فقط على «ما حصلنا عليه من أهم 13 هدفًا».

ينقل التقرير ما كتبه مسؤول إماراتي: «سموّك بناء على أوامرك رأينا ما جُمع من هواتف الـ(ق) المستهدفة»، عُرّف هذا المسؤول في الدعوى القضائية كمُساعد للأمير خالد بن محمّد، رئيس المخابرات الإماراتية وابنُ الحاكم الفعليّ للإمارات وولي عهدها الأمير محمد بن زايد.

وفي الشهر الجاري قالت منظمة العفو الدوليّة: إن أحد عامليها في السعودية استُهدف ببرنامج تجسس اتضحَ أنها مرتبطة ببرامج مجموعة NSO. وكرّرت الشركة أنها لا تتحملُ مسؤولية استخدامات زبائنها لبرنامجها. وفي تصريحٍ من الشركة لمنظمة العفو الدوليّة قالت: «مُنتجنا مقصودٌ للاستخدام الحصريّ في التحقيقات ولمنع الجرائم والإرهاب»، واعدةً العفو بـ«التحقيق في القضية واتخاذ الإجراء المناسب».