نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، الأحد، في تقرير حصري، وثيقة سرية للمبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان ديميستورا، قال بها إن "الأمم المتحدة لا تستطيع فرض اتفاق سلام في سوريا".

وحذر ديميستورا في ورقة استراتيجية سرية، حصلت عليها "فورين بوليسي"، إن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على مراقبة أو فرض أي اتفاق سلام قد ينتج عن محادثات السلام الجارية الآن في جنيفا، موضحة أن "العالم قد يشهد توقعات غير واقعية من قدرة الأمم المتحدة على مراقبة وفرض وقف إطلاق نار في سوريا على الفصائل والتنظيمات المسلحة المتحاربة في سوريا".

وقالت ورقة الأمم المتحدة التي ترجمتها "عربي21"، والمعنونة بـ "مسودة لورقة حول مفهوم آليات وقف إطلاق النار"، إن "السياق الدولي والوطني السياسي المحلي الحالي، والبيئة العملية، تشير إلى أن سعي الأمم المتحدة لحفظ السلام، المعتمد على جنود دوليين أو مراقبين عسكريين، قد لا يكون آلية مناسبة لوقف إطلاق النار".

وأوضحت "فورين بوليسي" أن سبب ذلك هو أن سوريا بيئة خطرة جدا لا يستطيع المراقبون السيطرة عليها، مشيرة إلى أن القوى الكبرى لا تريد القيام بهذه الخطوة كما يجب، في ظل خطورة اختراق هذه الهدنة من النظام السوري والفصائل المسلحة.

ويأتي وقف إطلاق النار بأول التحديات التي تسعى الأطراف المتحاربة لنقاشها على طاولة المفاوضات.

وبدأت الجمعة محادثات السلام في جنيف بدون مشاركة المعارضة السورية، متمثلة بالهيئة العليا للمفاوضات، التي قاطعت المحادثات بسبب عدم التزام النظام السوري بالقرارات الأممية والمطالب الإنسانية المتعلقة بوقف القصف وفك الحصار عن المناطق المحاصرة.

إلا أن وفد المعارضة ذهب إلى جنيف، وسيلتقي دي ميستورا "لا للتفاوض"، ولكن لمناقشة جهود الأمم المتحدة للتأكد من أن النظام السوري يوقف هجماته على المدنيين، بحسب ما صرحت عضو الهيئة العليا للمفاوضات فرح الأتاسي لوكالة "أسوشيتد برس".

وقال عبد الله المعلمي، سفير السعودية للأمم المتحدة، إلى أن المعارضة السورية ستكون ممثلة بوفد من ثلاثة أعضاء، بما في ذلك الناطق باسمه سالم المسلط، وسيركز على حل الأزمة الإنسانية تحديدا، بينما سيكون العضوان الآخران رياض نعسان آغا، وزير الثقافة السوري المنشق، ومنذر ماخوس، سفير الائتلاف الوطني السوري في باريس، وسيصل الآخرون تباعبا، بحسب دبلوماسيي الأمم المتحدة.

وقف إطلاق نار مستبعد

وتأتي المفاوضات في وقت يستمر به النظام السوري، مدعوما بغارات روسية، بالضغط على الثوار السوريين، في حين لا يملك أي من أعضاء المعارضة السلطة الكافية على الفصائل المسلحة، بحسب "فورين بوليسي".

واعتقد دي ميستورا، أن النظام السوري، والفصائل المسلحة، ستراقب بنفسها وقف إطلاق النار، وإذا تحسنت الظروف على الأرض قليلا، فإن مكتب المبعوث الأممي سيوسع دوره في سوريا، ويؤمن التدريب والموارد للسكان، والتحرك بين الأطراف السورية واللاعبين الدوليين.

وتابعت ورقة الأمم المتحدة بأنه "يجب أن يكون هناك انتقال واضح من مجموعة دعم سوريا الدولية (17 دولة)، من كونها راع للمفاوضات، إلى ضامن للاتفاقات"، مضيفة أن "المجموعة تحتاج تنسيق الجهود بين الأطراف الأساسية، وتأمين التنسيق الكافي مع الحكومة والمعارضة المسلحة، لقيادة الوساطات وتثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار والهدن الأخرى".

ويبدو أن ديميستورا ليس متأكدا من أن أي اتفاقية ستؤدي لسلام دائم في سوريا، إذ تشير الورقة إلى أن "كل الأطراف سيكون عليها مناقشة سلسلة من وقف إطلاق النار، كل بلدة على حدة، لتخفيف معاناة البلدات السورية المحاصرة، وبالتالي الوصول لوقف إطلاق النار على مستوى سوريا، والسلام في النهاية، بحسب الورقة.

وتسعى الورقة لتخفيض التوقعات مما تريد الأمم المتحدة والأطراف الدولية الأخرى تحقيقه في سوريا، وهذا لن يتضمن انتهاكات حقوق الإنسان، ورفع القضايا القانونية ضد مجرمي الحرب، أو مراقبة وإطلاق سراح المعتقلين.

وقالت الورقة إن "هناك خطرا من فشل المهمة، وهذا يجعل من الضروري توزيع الأدوار بوضوح لما يمكن أن تقوم به بعثة مراقبة".

تجارب سابقة

وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تم عقد صفقة لوقف إطلاق النار في الزبداني، مما يمثل نموذجا يمكن اتباعه، بحسب ورقة الأمم المتحدة.

وأشارت الورقة إلى أنه "بالنظر لكل المراقبة الفعلية لمبادرات وقف إطلاق النار، فمن المتوقع أن البداية ستشهد انتهاكا من كل الأطراف المتحاربة، بالنظر لنماذج حالية وتجارب سابقة".

وتابعت بأن "الجهود المتزايدة لمجموعة دعم سوريا ومكتب ديميستورا مطلوبة لتعزيز المراقبة"، محذرة من أن "هناك ارتباطا مباشرا بين مصداقية مراقبة وقف إطلاق النار، والتساهل للخطر اللحظي".

انتقادات متزايدة

وتشهد استراتيجية الأمم المتحدة في سوريا انتقادا حادا من المحللين وقوى المعارضة التي تعتبر أن الاتفاقات السابقة التي تمت برعايتها كانت تخدم مصالح النظام، بتجويع المدنيين في المناطق التي يسيطرون عليها.

ومن بين الـ 18 بلدة المحاصرة في سوريا، التي يسكن بها ما يقارب نصف مليون سوري، يحاصر النظام أغلب هذه البلدات، بتقديرات تصل إلى 247 ألف، بحسب المنسق الإغاثي للأمم المتحدة ستيفن أوبراين، الذي أشار إلى أن تنظيم الدولة يحاصر 200 ألف سوري، وقوات المعارضة تحاصر 12,500 سوري.

وقال نوح بوسني، الخبير بالأزمة السورية مع "مجموعة الأزمات الدولية"، إنه "من الإشكالي الرجوع لأي اتفاق سابق كنموذج، لأنها بذلك تعترف بالعقاب الجماعي، والقصف وتجويع المدنيين".

وحتى هدنة الزبداني كانت إشكالية، بحسب بوسني، الذي أوضح أن النظام استخدم بها العقوبات الجماعية للإجبار على الاستسلام، متسائلا: "هل بإمكاننا تحريك الأمم المتحدة والأطراف السورية وراء هذا النموذج لشيء أكثر استقرارا من العقوبات الجماعية؟ هل هناك صفقات لا تحفز على استخدام تكتيكات العقاب الجماعي؟".

من الاتفاقات للحملات العسكرية

وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن النظام السوري سيركز عمله الدبلوماسي على إستراتيجية الاتفاقات المحلية، ففي الأيام الأخيرة، قال داعمون أساسيون للأسد، من بينهم القيادي في حزب البعث هلال الهلال إن "الوفد المفاوض للنظام سيذهب للاستماع، لا لتقديم التنازلات".

بدوره، توقع جوشوا لاندز، الخبير في الشأن السوري بجامعة أوكلاهوما، أن "القوات الحكومية ستفاوض بشكل مباشر المقاتلين على الأرض، ولكن في جنيف"، مشيرا إلى أن النظام السوري يعتبر مقاتلي المعارضة "إرهابيين".

ويقدر الجاسوس الأمريكي جيمس كليبر أن عدد الفصائل المسلحة في سوريا يصل إلى 1500 فصيل، بتوجهات سياسية مختلفة، بحسب ما أشار لاندز، الذي أوضح "أن كل واحد من هذه التنظيمات يحتاج تعاملا منفصلا، إما بقتله أو التفاوض معه، بلدة بلدة".

وتابع بأن "صناع السياسة يجب أن يقبلوا احتمالية تنحية قوات الأسد لأي اتفاقية شاملة لسوريا، وتحوليها لحملة عسكرية ضد الثوار، بحجة قتال جبهة النصرة"، مشيرا إلى أن هذا يساعد نظام الأسد في حالة وصفها بأنها "خسارة - خسارة" بالنسبة للثوار.

وبدأت فرق الأمم المتحدة بالتخطيط المكثف لتواجد دائم في سوريا، حال تحسن الأحوال الأمنية، ضمن سعيها لتحويل مكتب المبعوث الأممي ديميستورا إلى مهمة سياسة بفرق كاملة في دمشق لتعزيز دورها في جنيف.

ثلاثة خيارات

وتحدد ورقة ديميستورا ثلاثة خيارات لمراقبة وقف إطلاق النار، هي: "مهمة مراقبة دولية بالكامل، الاعتماد على السكان المحليين بدعم فني من المجتمع الدولي، نشر فريق تقليدي من المراقبين المحليين والدوليين"، مشيرة إلى أن الخيار الأخير يوفر أعلى درجات المصداقية، لكنه يؤدي لمخاطر عملية كبيرة، مما يتطلب ضمانات أمنية من الفصائل المسلحة وداعميها الدوليين بعدم التعرض المباشر لهم.

وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن حديث ديميستورا عن الأمن تدل أنه غير راغب بهذا الخيار.

واختتمت "فورين بوليسي" بقولها إن على المجتمع الدولي العمل مع الوقت لتعزيز دور جهود دعم السلام على الأرض، مما يعني الفهم الكامل وقبول المخاطر المتوقعة، في منحى "واقعي"، بحسب ديميستورا.