الدبلوماسية الفرنسية تنشط لعقد مؤتمر دولي للسلام(فيليب وجازير/فرانس برس)

باريس ــ عبد الإله الصالحي

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

في الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الدولية مشغولة بمفاوضات جنيف حول الأزمة السورية، فاجأ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الجميع أثناء تقديمه التهاني للسلك الدبلوماسي المعتمد في باريس بمناسبة العام الجديد، بإطلاق تهديدات حول الاعتراف بدولة فلسطينية في حال أخفقت الجهود التي ستقوم بها الدبلوماسية الفرنسية في الأسابيع المقبلة، لإحياء المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وأكّد فابيوس، في خطابه أمام الدبلوماسيين، أن فرنسا تبدأ في الأسابيع المقبلة التحضير لمؤتمر دولي بمشاركة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بحضور جميع الشركاء الأساسيين، الأميركيين والأوروبيين والعرب، للبحث في حل سياسي يرتكز على مبدأ الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية. ولم يعط الوزير الفرنسي أي تفاصيل حول عملية التحضير لإحياء هذه المفاوضات، ولم يشر إلى مكان وتاريخ انعقادها.  

وكان لافتاً أن فابيوس انتقد اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بتشجيع ما وصفه بـ”الإرهاب”، ردّاً على انتقادات بان لسياسة الاستيطان الإسرائيلي، ومطالبته الدولة العبرية بوقفها. وشدّد على أنّه “لا سلام بدون عدالة” مع الحرص على التأكيد بأنّ “أمن إسرائيل ضرورة حيوية”.

والواقع أنّ فابيوس سبق وتطرق إلى هذه القضية في خطاب قدّمه في مجلس النواب الفرنسي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، أكّد خلاله أنّ فرنسا تتحمل مسؤوليتها كقوة سلام وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، في حال عرقلت إسرائيل الجهود لإحياء السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين.

وقامت الخارجية الفرنسية العام الماضي بسلسلة من التحركات الدبلوماسية في العواصم الغربية الكبرى، إضافة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة والدول العربية من أجل حشد الدعم للمبادرة الفرنسية، على أساس أن تقدّم فرنسا مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي بخصوص مؤتمر دولي مبني على حل الدولتين.

وكانت فرنسا تراهن في حينها على دعم أميركي لمبادرتها، خصوصاً بعدما تزايدت الخلافات بين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ونتنياهو. وكان التفاؤل الفرنسي بلغ ذروته بعد إعلان أوباما المفاجئ في مطلع يونيو/حزيران 2015، بأنّ واشنطن قد تتراجع عن استخدام حق الفيتو ضدّ مشروع قرار فرنسي بعقد مؤتمر دولي حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وقام فابيوس في الشهر نفسه بجولة شرق أوسطية قادته إلى القاهرة وعمان ورام الله والقدس المحتلة لإحياء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين المتوقفة منذ فشل المحاولة الأميركية التي رعاها وزير الخارجية، جون كيري، في نهاية أبريل/ نيسان 2014.

غير أنّ فابيوس عاد بخفي حنين من تلك الجولة، وباءت الجهود الفرنسية بالفشل، بسبب المواقف الإسرائيلية الرافضة للمبادرة الفرنسية، إضافة إلى بروز تحفظات أميركية قوية دفنت تلويح أوباما بالتخلي عن سلاح الفيتو ضدّ إسرائيل. وأدت هذه التطورات في نهاية المطاف إلى تراجع فرنسا عن فكرة تقديم مشروع القرار إلى مجلس الأمن الدولي ودفن المبادرة الفرنسية في المهد.

ويبقى الدعم الأميركي لأي مبادرة فرنسية لإحياء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين مفتاح التحرك الدبلوماسي الفرنسي الجديد، والذي أعلنه فابيوس.

وحتى اللحظة، لا تبدو الأمور مشجعة من هذه الناحية، بالنظر إلى التفاعل الأميركي المتحفظ على تصريحات فابيوس، والتي يبدو أنها كانت على علم مسبق بها. وبحسب وكالة “رويترز”، فإنّ مسؤولاً أميركياً كبيراً قال “نحن على اطلاع بتصريحات وزير الخارجية الفرنسي. لن نتكهن في شأن المؤتمر المقترح والموقف الأميركي واضح. ما زلنا نعتقد أن المسار الأفضل هو أن يقوم الطرفان بالتوصل إلى اتفاق حول قضايا الوضع النهائي مباشرة”.

هذا يعني أن باريس ستخوض محاولة ثانية بدون سند أميركي، وهو ما يضعفها منذ البداية، خصوصاً في مواجهة رفض إسرائيلي شرس للمبادرة من أساسها. وتواجه فرنسا حالياً انتقادات قوية من قبل إسرائيل بعد التطبيع الاقتصادي والسياسي للعلاقات بين باريس وطهران، والذي دشنته زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الأخيرة إلى باريس، وهذا ما يرشح تصعيداً أكثر شراسة من طرف الإسرائيليين، إزاء أي تحرك فرنسي لإحياء المفاوضات مع الفلسطينيين.

وأكثر ما يثير استغراب الدوائر الدبلوماسية الأجنبية في باريس هو توقيت هذه التصريحات التي أطلقها زعيم الدبلوماسية الفرنسية، في وقت كثر فيه الحديث عن احتمال مغادرة فابيوس منصبه وتقلده رئاسة المجلس الدستوري الفرنسي مكان جون لوي دوبريه، والذي تنتهي ولايته شهر فبراير/شباط المقبل. كما أن بعض المراقبين استبعدوا أن تكون تصريحات فابيوس مبنية على قرار رئاسي فرنسي بإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، في وقت يركز فيه الرئيس فرنسوا هولاند على محاربة تنظيم “داعش”، باعتباره الهدف الأول للسياسة الخارجية الفرنسية. فضلاً عن الحرص الفرنسي على تجنب أزمة مفتوحة مع إسرائيل قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تنظَّم العام المقبل، والتي ينوي هولاند خوضها من أجل انتزاع ولاية رئاسية ثانية.

وتدور تساؤلات أيضاً حول إن كانت تهديدات باريس للدولة العبرية بالاعتراف بدولة فلسطينية تأتي للتعتيم على تدخل عسكري غربي وشيك في لبيبا ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)؛ فعادة ما يطفو الحديث عن حلّ للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى السطح، كلما كانت هناك تحضيرات لتدخل عسكري غربي في إحدى الدول العربية.