يرسم الدستور الجديد الأمازيغية كلغة رسمية (فاضل سنا/فرانس برس)

الجزائر ــ عثمان لحياني

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

تبدو المعارضة الجزائرية متحفزة للاعتراض على الخطوة التي أقدم عليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أمس، بدعوته غرفتي البرلمان، مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، إلى الانعقاد في جلسة استثنائية يوم الأربعاء المقبل، لإقرار مسودة الدستور الجديد، بعد موافقة المجلس الدستوري على مشروع التعديلات الدستورية.

ويتوقع أن تمنح الغالبية البرلمانية التي تملكها الأحزاب الموالية لبوتفليقة في غرفتي البرلمان، مسودة الدستور موافقة تزيد عن غالبية ثلاثة أرباع عدد النواب المطلوبة دستورياً، لتصبح المسودة سارية المفعول.

ويحوز حزب “جبهة التحرير الوطني”، الذي يعدّ بوتفليقة رئيسه الشرفي، على 220 مقعدا من أصل 462 يضمها المجلس. فيما يحوز “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي يقوده مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى على 70 مقعداً، وحزب “تجمع أمل الجزائر”، الذي يقوده وزير السياحة عمار غول، على 20 مقعداً، و”التجمع الجمهوري” بقيادة وزير الجالية والمغتربين السابق رضا ساحلي على 12 مقعداً، إضافة إلى أحزاب صغيرة تحوز على عدد قليل من النواب. ويتوقع أن تصوت جميع هذه الأحزاب لصالح مشروع الدستور الجدي. ويتوجب أن يحوز المشروع على تزكية ما يقارب 450 صوتاً من مجموع 597 نائباً تضمها غرفتي البرلمان: مجلس الأمة الذي يضم 135 عضواً والمجلس الشعبي الوطني الذي يضم 462 نائباً.  

في مقابل هذا التعداد الجارف الذي تحوزه أحزاب الموالاة، لا تملك قوى المعارضة العدد الكافي للاعتراض على مسودة الدستور الجديد؛ إذ لا يتعدى مجموع أعضائها في غرفتي البرلمان الـ120 نائباً. ولا يحوز التكتل الإسلامي الذي يشمل على ثلاثة أحزاب إسلامية سوى على 50 مقعداً في البرلمان. وتحوز مقاعد “جبهة القوى الاشتراكية” على 21 مقعداً، وحزب “العمال اليساري” على 17 مقعداً، ويحوز حزبا “العدالة والتنمية” الإسلامي  بقيادة عبد الله جاب الله على سبعة مقاعد، و”جبهة التغيير” المنشقة عن حزب “إخوان الجزائر”، حركة “مجتمع السلم” بقيادة وزير الصناعة السابق عبد المجيد مناصرة، على أربعة مقاعد.

غير أنّ إخفاق أحزاب المعارضة في تأمين العدد الكافي من المقاعد الذي يتيح لها إسقاط المسودة الدستورية، لن يدفعها إلى الصمت إزاء الخطوات السياسية التي ينفذها الرئيس بوتفليقة؛ فهي تستعد لعقد ثاني أكبر مؤتمر يضم مجموع القوى السياسية والمدنية والنقابات المعارضة للاتفاق على خطوات سياسية عملية، تفرض على السلطة الاستجابة لأبرز مطالبها.

وتتعلق هذه المطالب بفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تحقق الإجماع السياسي الغائب في الجزائر منذ عقود. وكانت المعارضة قد نجحت في الضغط على السلطة وبوتفليقة في الفترة الأخيرة، ودفعتهما نحو تقديم تنازلات في شمل عروض سياسية تضمنها مشروع مسودة الدستور. وهي تعتقد أن الظرف السياسي والأزمة الاقتصادية والإحباط الاجتماعي الناتج عن سياسة التقشف التي تنتهجها الحكومة، بسبب تراجع عائدات النفط وانخفاض مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار، عوامل تصب في رصيدها، وتمنحها الفرصة لمواصلة الضغط على السلطة.

وتعتبر قوى المعارضة أنّ مسودة الدستور خطوة من قبل السلطة لحل أزماتها الداخلية، ولا صلة لها بالمشاكل الحقيقة والجدية التي تواجهها البلاد، ناهيك عن الاعتراض المتعلق بالمضمون. إذ لا تحمل المسودة أيّة استجابة جدية للمطالب التي رفعتها المعارضة، وفي المقدّمة طلب سحب تنظيم الانتخابات من وزارة الداخلية وإحالتها إلى هيئة مستقلة، تتولى الإشراف على العملية الانتخابية، بسبب ما تعتبره المعارضة استمرار السلطة في التلاعب بالانتخابات.

من جهة ثانية، فإن المعارضة ظلت تطالب بحكم برلماني يتيح للحزب الفائز في الانتخابات تحمل مسؤولية تشكيل الحكومة، وتنفيذ برامجه السياسية والاقتصادية التي يقدمها كوعود للناخبين.

وتجمع قوى المعارضة على أن ما تسوق له السلطة وأحزاب الموالاة من مكاسب يكرسها الدستور الجديد، على غرار ترسيم اللغة الأمازيغية وحرية الصحافة، لا تعدو كونها تحصيل واقع مرسم. وفيما يتعلق بالفصل بين السلطات وتحرير الجهاز القضائي من هيمنة الجهاز التنفيذي، لا تجد أحزاب المعارضة أي تقدم يذكر، والحال أن رئيس الجمهورية أو وزير العدل الذي ينوب عنه، هو من يرأس المجلس الأعلى للقضاء الذي يدير السيرة المهنية للقضاة، ما يعني إبقاء هيمنة سلطة الحكومة على جهاز العدالة.

ويطرح بوتفليقة في مسودة الدستور تعديلات أخرى تتضمن تحديد الولاية الرئاسية لرئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وتعيين الوزير الأول بعد فتح مشاورات مع  الغالبية البرلمانية، وترسيم الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وإلزام الوزير الأول بتقديم عرض حال السياسة العامة كل عام وحق البرلمان في مناقشة الاتفاقيات الدولية قبل المصادقة عليها من قبل الرئيس، وتحديد العمل بالمراسيم الرئاسية، إلا في الحالات المستعجلة وأثناء عطلة البرلمان.

كما تتضمن مسودة الدستور تجريم المعاملات اللاإنسانية، ومنع التدخل في مسار القضاء، وضمان حرية التظاهر السلمي للمواطن، وضمان حرية الصحافة، ومنع حبس الصحافيين وحماية الحريات الشخصية.