يعتبر نصر الله أنه ملتزم “أخلاقياً” مع عون (أرشيف)

بيروت ــ ثائر غندور

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

احتاج الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لـ 14 جلسة فاشلة لانتخاب رئيس للجمهوريّة اللبنانية، بسبب مقاطعة نواب الحزب ونواب التيار الوطني الحرّ للجلسات، ليُعلن بوضوح تبني حزبه ترشيح زعيم التيار، النائب ميشال عون، للرئاسة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أي بعد أكثر من خمسة أشهر على انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان (25 مايو/أيار 2014) قال نصر الله في خطاب له، متوجهاً لخصومه السياسيين، “إذا كنتم تريدون حواراً جدياً حول الرئاسة، يجب أن يكون الحوار الأساسي مع المرشح الطبيعي الذي يدعمه فريقنا، والحرف الأول من اسمه العماد ميشال عون”.

اليوم، وبعد إعلان رئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع سحب ترشيحه لصالح عون، وتبني زعيم تيّار المستقبل سعد الحريري ترشيح رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، أكّد نصر الله أن هذا الأمر يُعد نصراً لفريقه السياسي، كون رئيس الجمهوريّة الجديد، سيكون من حصة فريق 8 آذار. وعلى الرغم من ذلك، سيمتنع نواب الحزب والتيار الوطني الحرّ عن المشاركة في جلسة انتخاب الرئيس، لأن انتخاب عون ليس مؤكّداً. وفي كلمة له ليل الجمعة، سعى نصر الله لنفي مقولة إن “مرشّح حزب الله الرئاسي هو الفراغ”، فقال: “إذا كان من المضمون غداً أن يُعقد مجلس النواب، ويُنتخب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، نحن ننزل، ونشارك بالجلسة، وننتخب ولا نريد تعديلات دستورية، ولا مؤتمرا تأسيسيا وتحت الطائف”.  

أتى كلام نصر الله هذا، بعد دقائق على ردّه القاسي على النائب وليد جنبلاط، الذي شبّه طاولة الحوار الوطني بمجلس تشخيص مصلحة النظام، فشنّ نصر الله حملة إشادة بـ”الديمقراطية الإيرانية”، والتأكيد أنها أجرت 35 استحقاقاً انتخابياً خلال 37 عاماً. ويُكمل نصر الله دفاعه عن النظام الإيراني بالقول “يا ليت تصبح طاولة الحوار هيئة مجلس تشخيص مصلحة نظام، مجلس تشخيص مصلحة النظام وضع لإيران ما يسمى باستراتيجية أو ما تتطلع إليه إيران بعد 25 سنة اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً وفنياً وإدارياً وثقافياً وتربوياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً وصناعياً إلى آخره، نحن في لبنان نشبّه حالنا بمجلس تشخيص مصلحة النظام، لا نعرف كيف نحل مشكلة النفايات التي بشوارعنا وطرقاتنا”.

يبرز التناقض في خطاب نصر الله جلياً. فالأمين العام لحزب الله، يفاخر بأن إيران أجرت الانتخابات في ظل الحرب الإيرانيّة العراقيّة. في الوقت عينه، يشترط للنزول إلى البرلمان والمشاركة في الانتخابات الرئاسية، أن تتعهّد الكتل النيابيّة مسبقاً انتخاب عون. وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير، بأن نواب حزب الله، إلى جانب الكتل النيابيّة الأخرى، وافقوا على تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي مرتين، بحجة عدم القدرة على إجراء الانتخابات النيابيّة بسبب الأوضاع الأمنيّة. وحزب الله، بالتكافل والتضامن مع قوى 8 آذار، عطّل الانتخابات الرئاسيّة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2007 إلى مايو/أيار 2008، بحجة دعم وصول عون إلى الرئاسة الأولى.

ومن تناقضات الخطاب، أن نصر الله يتمنى وجود مجلس لتشخيص مصلحة النظام، وكأنه غير موجود. وفي الوقت عينه، “يمنع” إجراء الانتخابات الرئاسيّة بانتظار انسحاب المرشحين، القادرين على التفوق انتخابياً على عون. كم يُشبه هذا الدور، دور مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يُحدد أهلية المرشحين لخوض الانتخابات. ويرى بعضهم أن النائب وليد جنبلاط كان مصيباً في ردّه على نصر الله، إذ أشار إلى أنه “ربما تيمناً بالديموقراطية الإيرانية، فإن اشتراط تحقيق النتائج من الانتخابات الرئاسية سلفاً قبل تأمين النصاب في جلسة الانتخاب يعني عملياً تحديد النتائج وثم الذهاب لممارسة الاقتراع الشكلي، وهذا يماثل حالة غربلة الأصوات التي تقوم بها المجالس الديموقراطية المتعددة في طهران فتستبعد هذا المرشح وتقصي ذاك وتقبل بذلك”. وأضاف جنبلاط في رده “وإذا كانت إيران فعلاً لا تعطّل الانتخابات الرئاسية اللبنانية كما تقولون، فيحق لأي مواطن أن يسأل عن الأسباب الحقيقية التي تمنع تأمين النصاب في مجلس النواب لانتخاب رئيس لبناني جديد، طالما أن 8 آذار تفاخر بأن المرشحين الرئاسيين ينتميان إلى خطها السياسي وهنيئا لها بذلك؟”.

لكن فعلاً، ما الذي يمنع حزب الله من المشاركة في جلسة انتخاب رئيس الجمهوريّة، خصوصاً أن المرشحين من ضمن فريقه السياسي حصراً؟ برّر نصر الله الأمر “بالالتزام الأخلاقي” تجاه عون. وأضاف “علاقتنا مع حلفائنا قائمة على قاعدة الثقة، الاحترام، والحوار والتواصل، نمشي بالذي نتفق عليه وإذا اختلفنا على شيء نحاول أن نتفق، لكن في نهاية المطاف نحاول أن ننظم خلافنا ونحافظ على وحدتنا”. عملياً، بات “الخلاف” في الملف الرئاسي بين “الحلفاء”. لماذاً، لم يُنظّم الخلاف بعد؟ أو على الأقل، يترك لمجلس النواب تنظيمه؟ هل يسعى الحزب لفرض “التزامه الأخلاقي” مع عون على باقي الكتل النيابي؟

لا يوجد جواب دقيق لدى القوى السياسيّة في لبنان على هذا الأمر. سبق لجنبلاط أن قال إن إيران تُريد أن تقبض ثمن الرئاسة اللبنانيّة من الولايات المتحدة، أو ربما من فرنسا أو السعودية. بعضهم يذهب إلى القول إن الحزب يُريد تعديلات دستورية، وهو ما نفاه نصر الله في خطابه الأخير. لكن ربما يكون الجواب الأدق مستخلصاً من خطاب الأمين العام للحزب نفسه: “الذي يقول إنه تبين الآن أن حزب الله لا يريد لا العماد عون ولا يريد الوزير فرنجية، ومصلحة حزب الله الفراغ الرئاسي ومرشحه هو الفراغ، هناك كثر يتكلمون بهذا الأمر من الفريق الآخر، الذي يجب أن يجد شيئاً ليهاجمنا، وفي حال لم يهاجمنا فماذا يفعل يعني؟ ليس لديه معركة إقليمية وليس لديه شيء باستثناء أن يهاجمنا”.

إنها المعركة الإقليمية. حزب يخوض معركةً إقليمية. يُدرك الحزب أن نتيجة هذه المعركة ستؤثر على وضع لبنان بشكلٍ كبير. فأي نظام يحكم في دمشق، يملك تأثيراً كبيراً على الساحة اللبنانيّة. هناك حرب دائرة في شريط يمتد من العراق إلى سورية فلبنان، وعمقه الاستراتيجي إيران. يكمن الأمان الاستراتيجي لحزب الله في السيطرة على هذا الشريط وتأمين استقراره. في هذا الوقت، هو في حاجة إلى الغطاء المسيحي، فهو يخوض “حرب الأقليات” التي ترى في هذا الشريط هروباً من “البحر السني”.

إذاً، لماذا يُغامر الحزب في إيصال رئيس للجمهوريّة، وإعادة تفعيل العمليّة السياسيّة في البلاد. هذا يعني، رئيس حكومة قويا، والحدّ من عمليّة الاهتراء المتسارعة في الإدارة العامّة، وهو اهتراء لمصلحة الحزب، لأنه القوة الأكثر تنظيماً في هذه الشرذمة المسيطرة على البلد؟ فأي رئيس للجمهورية، قد يسعى للحفاظ على بعضٍ من هيبة موقعه، وعندها سيصطدم مع حزب الله، الذي لا يُريد لأحد أن يسأله عمّا هو فاعل. وانتخاب الرئيس، يعني خسارة ورقة “ابتزاز” المرشّح الرئاسي، الذي يؤمّن الغطاء المسيحي. وانتخاب الرئيس حالياً، يعني الإقرار بصلاحيات رئيس الحكومة كما هي، وسبق لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة، محمد رعد، أن جاهر بعدم الرغبة بذلك. هنا، فإن ما يُقال عن تعديل الطائف، يعني الحدّ من صلاحيات رئيس الحكومة.

عملياً، يظهر حزب الله، كرابح وحيد من الفراغ. الأجهزة الأمنية الرسميّة تحمي ظهره. السياسة الخارجيّة للبنان تحت إمرته. الإدارة العامّة، تلبي ما يرغب. الحكومة معطّلة إلا حينما يرغب بتركها تعمل. الكتل السياسيّة جميعها، تسعى لوقف تداعيات العقوبات الاقتصادية الأميركية عليه. والجميع يرغب في الحوار معه. تيار المستقبل يُحاور علناً. وليد جنبلاط قبل بمبدأ “عدم كسر موقف الحزب داخلياً”. القوات اللبنانيّة تسعى جاهدةً للحوار العلني والمباشر معه. وسليمان فرنجية، المرشّح الذي يملك العدد الأكبر من أصوات النواب ما يعني الوصول إلى الرئاسة في حال حصول الانتخابات، يقول بعد خطاب نصر الله الأخير، والذي أكّد فيه أن لا استعجال لإجراء الانتخابات إن نصر الله “سيّد الكل”.