أصوات تتهم الرئيس الأفغاني بدعم “داعش” (وكيل كوهسار/فرانس برس)

إسلام آباد ــ صبغة الله صابر

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

تشي التطورات الأخيرة في أفغانستان بولادة صراع بالوكالة بين الأميركيين والروس، لتعود البلاد بذلك سنين إلى الوراء، حين كانت الأرض الأفغانية مساحة حرب ساخنة بين القطبين، انتهت بدحر الاتحاد السوفييتي عبر “المجاهدين”، لكن في ظل الظروف الدولية الحالية، يخشى أن يكون الصراع على حساب الأفغانيين، إذ إنّ “المجاهدين” الذين تدعمهم الولايات المتحدة هنا هم ألدّ أعدائها في بقاع أخرى: تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

أبرز هذه التطورات وأخطرها ادعاء رموز القبائل وبعض السياسيين أن القوات الأميركية المتواجدة في أفغانستان تساهم في توسيع رقعة نفوذ تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في أفغانستان، وتساعده في بسط سيطرته في شرق البلاد على حساب حركة “طالبان”. في المقابل، تتوجه روسيا نحو تطورير علاقاتها مع عدوّ الأمس، حركة “طالبان”، ضدّ “داعش”، الآخذ بالتمدّد ليهدّد دول آسيا الوسطى وروسيا، بعد وصوله شمال أفغانستان.  

وعلى الرغم من أن “طالبان” نفت التنسيق مع موسكو لمواجهة “داعش”، غير أنها أكدت أن لها صلات مع بعض دول المنطقة لمحاربة “الاحتلال الأميركي”، ما يشير إلى إمكانية وجود علاقة بين “طالبان” وروسيا بشكل عام، وليس فقط لأجل محاربة “داعش”. فرضية تدعمها ادّعاءات روسيا، التي جاءت على لسان المندوب الخاص للرئيس الروسي إلى أفغانستان فلاديمير بوتين، ضمير كابلوف، حول وجود تنسيق بين “طالبان” وموسكو لمحاربة “داعش”. في ظل حديث وسائل إعلام عالمية عن انعقاد لقاء بين زعيم “طالبان” الملا أختر منصور، وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طاجكستان.

وفي وقت يرجح أن يكون وراء الإعلان عن اللقاء بين بوتين ومنصور أغراض سياسية، إذ إنه احتمال بعيد في الوقت الراهن، إلا أن “” علم من خلال مصادر في “طالبان” أن وفوداً من الحركة زارت موسكو، ودوشنبه، العاصمة الطاجيكية، بوساطة إيرانية، وأن آخر هذه الزيارات جرت برئاسة القيادي البارز في “طالبان”، قاري دين محمد.

وبحسب المعلومات، لم تطلب “طالبان” دعم روسيا لأجل مواجهة “داعش”، ولعل السبب هو أن طهران تتكفل حالياً بذلك، وأنها بدأت تدعم “طالبان” في هذا الصدد. لذا كان هدف الحركة من وراء لقاءات وفودها بالقيادة الروسية هو الحصول على الصواريخ المضادة للطائرات. لكن لم يعرف بعد إن كانت روسيا لبت هذا المطلب أم لا.

الإيقاع بين موسكو وكابول

وفي ظل وجود كثيرٍ من المشاكل والثغرات داخل حكومة الرئيس أشرف غني، لكنها نجحت، إلى حد كبير، خلال العام الماضي، في تغيير رأي بعض دول المنطقة وإقناعها بمساندة أفغانستان في المجال العسكري بهدف مواجهة “طالبان” والجماعات المسلحة. وكان تعزيز العلاقات مع كل من بكين وموسكو وعدم الاعتماد كلياً على الولايات المتحدة وحلفائها، من أهم نجاحات حكومة غني. إذ إن موسكو التي كانت تتردد في تزويد أفغانستان بالسلاح خلال حكومة حامد قرضاي، رضيت أن تتعاون مع أفغانستان في المجال العسكري. ولعب توسيع رقعة نفوذ “داعش” في أفغانستان، ونقل الحرب من الجنوب إلى الشمال، بالقرب من حدود دول آسيا الوسطى، دوراً هاماً في توطيد علاقات موسكو بكابول، وإرضاء الأولى في المساهمة في تجهيز الجيش الأفغاني.

ولعل التقارب الروسي الأفغاني، وهو ما كانت تحتاجه كابول بالنظر إلى التباطؤ الأميركي في مساعدتها عسكرياً، لكن هذا أزعج بعض الدول، وفي المقدمة الولايات المتحدة. من هنا، برزت شائعات، خلال الأسابيع الأخيرة من داخل الحكومة الأفغانية، تتهم حكومة غني بالمساعدة في تشكيل كيان لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في المنطقة، وبسط نفوذه. وكان نائب رئيس البرلمان، ظاهر قدير، أول من اتهم مجلس الأمن الأفغاني الذي يقوده الرئيس الأفغاني نفسه بدعم تنظيم “داعش”، معتبراً أن مستشار الرئيس الأفغاني للأمن القومي، حنيف أتمر، وغيره من المسؤولين في الحكومة يساندون “داعش”، على حدّ قوله.

لم يكن ظاهر قدير الرجل الوحيد الذي اتهم الحكومة بالوقوف وراء “داعش”، بل توالت الأصوات المؤيدة لما قاله الرجل، خصوصاً من مسؤولين في حكومة قرضاي السابقة، وأصبح لها صدى في المنطقة كلها على الرغم من نفي الحكومة تلك الادعاءات، واعتبارها أصواتاً مغرضة تحاول الإيقاع بين كابول ودول المنطقة. لكنها عجزت، في الوقت نفسه، عن لجمهم لما لهم من قوة.

جاء التقارب الروسي الأفغاني نتيجة تمدّد قوة ونفوذ “داعش”. لكن بعد هذه الاتهامات، بدأت موسكو تشك في مساعي كابول الرامية لقمع “داعش”، وباتت وسائل إعلامها تولي اهتماماً كبيراً للأصوات المعارضة لحكومة غني.

وفي خضم هذه التطورات، ظهر التقارب الروسي مع “طالبان”، الأمر الذي أثار استياء الحكومة الأفغانية، ودفعها إلى استدعاء السفير الروسي لدى كابول، مطالبة إياه بإعطاء توضيحات بخصوص تنسيق مندوب الرئيس الروسي، ضمير كابلوف، مع “طالبان”؛ الحركة المحظورة لدى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

على المستوى الشعبي والسياسي، دارت تساؤلات حول الجهة التي تقف وراء اتهامات نائب رئيس البرلمان، ظاهر قدير، للحكومة الأفغانية بخلق كيان لـ”داعش” ومساعدته، ومن يقدم له عشرات السيارات وأنواعاً مختلفة من الأسلحة لمليشياته الخاصة، التي شكلت رغماً عن الحكومة الأفغانية. ورأى بعضهم أن قدير ومن معه يعملون بتوجيهات من دول مجاورة، لا ترضى بتحسن علاقات أفغانستان مع بعض الدول مثل روسيا والصين، في حين يرى آخرون أن اتهام الحكومة الأفغانية بمساندة “داعش” جزء من مشروع أميركي له عدة أهداف: الأول إتاحة الفرصة لتشكيل مليشيات خاصة خارجة عن نطاق الدولة بذريعة محاربة “داعش”، كتلك التي يقودها ظاهر قدير، والإيقاع بين روسيا وأفغانستان. والهدف الأخير من المشروع الأميركي هو خلق كيان “داعش” نفسه، ومساندته في بسط نفوذه ليهدّد روسيا.

دعم أميركي لـ”داعش”

يروي سكان المنطقة أحداثاً متفاوتة غير مؤكدة، تشير إلى الدعم الأميركي لمسلّحي “داعش”؛ شهود عيان من سكان “هجرة كلي” بمديرية بهسود المجاورة لمدينة جلال أباد يقولون، إن مروحيتين أميركيتين هبطتا في وضح النهار في التلال القريبة من الحي، وأنزلتا مسلحين من تنظيم “داعش”، كما أن كمية كبيرة من المؤنة تركت لهم في تلك التلال المجاورة للجبل الأبيض المحيط بمدينة جلال أباد، وفي الطريق الرئيسي بينها وبين كابول، وهو الطريق الذي يربط أفغانستان بباكستان في الشرق.

وقد أثار هذا التصرف ضجة كبيرة في الأوساط الأفغانية، إذ تمت مناقشته في جلسات البرلمان ومجلس الشيوخ، كما غطته وسائل الإعلام بكثافة. البرلمان ومجلس الشيوخ طالبا الحكومة بمتابعة القضية بجدية، وكي يعلم الشعب الشعب الأفغاني بالتصرفات الأميركية التي يشوبها غموض كبير.

وفي هذا السياق، قال أحد أعضاء البرلمان عبدالرحمن رحماني، إن”عمل القوات الأميركية لإرباك الوضع في أفغانستان وجعلها ميدان صراع دولي وإقليمي بدا واضحاً من خلال دعمها لداعش”. و لفت إلى أن إذاعة “داعش” المسماة بـ”صوت الخلافة” تبث من داخل قاعدة أميركية بمدينة جلال أباد. كما استدعى البرلمان الأفغاني مسؤولين أمنيين لإعطاء تفسيرات بشأن التصرفات الأميركية الأخيرة، وموقف الحكومة الأفغانية منها. ويتوقع أن تعقد جلسة الاستماع في غضون أيام.

وفي تعليق على التصرفات الأميركية، يقول عضو البرلمان السابق، وأحد زعماء القبائل وقادة الجهاد ضد الروس، حاجي حضرت علي، إن “حادث مديرية بهسود، حيث نقلت المروحيات الأميركية مسلحي “داعش” ليس فريداً من نوعه، بل حدث مثله في مديرية دري نور الجبلية بإقليم ننجرهار، كما سبق وأن نقلت المروحيات الأميركية المسلحين في عدد من نقاط إقليم لغمان المجاور لننجرهار”.

تأتي هذه التطورات بموازاة تصريحات لمسؤولين أميركيين مغزاها أن “داعش” يسعى لجعل شرق أفغانستان، وبالتحديد إقليم ننجرهار منطلقاً لعملياته ومركزاً قوياً له في المنطقة على غرار ما فعل بمدينة الرقة السورية ومدينة صلاح الدين في العراق. وقد عبر قائد القوات الأجنبية في أفغانستان الجنرال كيمبل عن خشيته من هذا الأمر أكثر من مرة. كما ألمح وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، إلى القضية خلال زيارته الأخيرة أفغانستان في الـ 18 من شهر ديسمبر/ كانول الأول العام الماضي. وفيما لا يكاد يظهر موقف الحكومة الأفغانية، حتى الآن، نوه نائب قائد القوات المسلحة الأفغانية الجنرال، مراد علي مراد، إلى أن “الأجانب لهم مصالح في بلادنا وهم يريدون الحفاظ عليها بشتى الطرق والوسائل ومنها مساندة المسلحين، وبالتحديد”داعش”.

وفي الآونة الأخيرة، ارتفعت حدة المعارك بين القوات الأفغانية ومسلحي “طالبان” في جنوب أفغانستان، وبالتحديد في إقليم هلمند وزابل المجاورين إقليم قندهار معقل “طالبان” السابق. وبعد اشتداد المعارك في هلمند، أعلنت بريطانيا إرسال بعض قواتها إلى الإقليم لمساعدة القوات الأفغانية.

لكن الأمر يختلف في إقليم زابل، حيث لم يتعب المواطنين من الحروب الدائرة هناك بقدر ما أقلقتهم المداهمات الليلية للقوات الأميركية التي عادت لتنتشر في الإقليم، وجعلت من منزل زعيم “طالبان” الراحل الملاعمر قاعدة لها في مديرية شاجوي.

وبقدر ما تسبب انتشار القوات الأميركية في ارتفاع وتيرة المعارك وإرباك الوضع الأمني في الأقاليم الجنوبية عموماً، وفي إقليمي هلمند وزابل على وجه الخصوص، فإن المداهمات الليلة وانتهاك حرمة منازل القبائل من تلك القوات أثار القلق والغضب في أوساط المدنيين، خصوصاً وأن تلك المداهمات تنتهي في الغالب باعتقال بعضهم بذريعة أو أخرى ونقلهم إلى أماكن مجهولة. والمعروف أن القوات الأميركية لا تزال تملك سجوناً سرية في تلك المناطق.

وبات معروفاً أن ممارسات القوات الأميركية لن تكون سبباً في خلق فجوة بين الشعب والحكومة الأفغانية فحسب، بل  ستؤدي إلى توجه طيف كبير من الشباب نحو “طالبان” أو الجماعات المسلحة الأخرى بذريعة الانتقام منها.

تصرفات القوات الأميركية في شرق وجنوب أفغانستان وسعيها لتوسيع دائرة نفوذ “داعش” على حساب “طالبان” من جهة، ووقوف موسكو ومن قبلها طهران علناً إلى جانب “طالبان” من جهة ثانية، يثير مخاوف الأفغان من أن يكون بلدهم مرة أخرى ميدان الصراع بين القوى العالمية، خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا، على غرار ما حصل بعد الغزو السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي.