قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الأحد، إن "عناصر من مليشيات شيعية، ضمتها الحكومة إلى قوات الجيش، اختطفت وقتلت العشرات من السُنة المُقيمين في بلدة تقع وسط العراق، وهدموا منازل ومتاجر ومساجد سُنية في أعقاب تفجيري 11 كانون الثاني/ يناير 2016 التي أعلن "تنظيم الدولة "، مسؤوليته عنهما، فيما أكدت أن المسؤولين لم يُقدموا أيا من عناصر المليشيات هؤلاء إلى العدالة.

وكان تفجيران مُتعاقبان وقعا في مقهى ببلدة المقدادية، بمحافظة ديالى، في 11 كانون الثاني/ يناير، سفرا عن مقتل 26 شخصا على الأقل، العديد منهم من السُنة، بحسب مُعلم يقطُن قرب المقهى، فيما أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن التفجيرين، وفقا لما ذكرته المنظمة في تقريرها.

وأوضح مصدر "هيومن رايتس"، بحسب تقرير لها، اطلعت عليه "عربي21" أن التفجيرين استهدفا مليشيات شيعية محلية، معروفة باسم "قوات الحشد الشعبي"، والتي تقع رسميا تحت إمرة رئيس الوزراء، بينما رد عناصر اثنين من المليشيات المُهيمنة عل المقدادية، هما "فيلق بدر" و"عصائب أهل الحق"، بمُهاجمة السُنة في منازلهم ومساجدهم، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل، وربما أكثر بحسب سكان محليين.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب تقرير المنظمة: "يدفع المدنيون مرة أخرى ثمن إخفاق العراق في إحكام السيطرة على المليشيات المُنفلتة. على الدول التي تدعم قوات الأمن العراقية وقوات الحشد الشعبي أن تُصرّ على أن تضع بغداد حدا لهذه الانتهاكات القاتلة".

وبحسب المنظمة الحقوقية، فإن "قتل المدنيين عمدا، ونهب وتدمير ممتلكاتهم على نحو غير مُبرر، في سياق نزاع مُسلح، يُعد بمثابة انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، الذي ينطبق على كافة الأطراف المُتحاربة في العراق، وقد يرقى إلى جرائم حرب. تتحمل الحكومة العراقية المسؤولية عن أفعال قوات الحشد الشعبي، منذ ضمها رسميا إلى الجيش العراقي في 7 نيسان/ أبريل 2015".

شهود عيان

ونقل تقرير "رايتس ووتش" عن أحد السُنة القاطنين في المقدادية ويدعى "عباس"، حيث إنه لم يستخدم اسمه الحقيقي مثل غيره من الذين قابلتهم "هيومن رايتس ووتش"، من أجل سلامتهم: "أنا أعرف اسم أحد عناصر المليشيا (حُجب الاسم) وغيره من الذين يجوبون شوارعنا، إنهم من المنطقة، ربما كانت داعش خلف تفجير المقهى، إلا أن عصائب أهل الحق هي التي هاجمت السُنة ومنازلهم ومساجدهم في منطقتنا".

وقال عباس إنه يعرف 30 شخصا بالاسم، بعضهم جيرانه، وبعضهم من الحي، قتلوا بأيدي المليشيات، أغلبهم في ليلة 11 كانون الثاني/ يناير.

بينما أرسل "واثق"، وهو سُني آخر من المقدادية، صورة لجثة شقيقه المُشوهة إلى "هيومن رايتس ووتش"، وقد ذهبت قوات عصائب أهل الحق إلى منزل عائلته في 11 كانون الثاني/ يناير، وأخذت شقيقه. وقال إن أمه أخبرته بأن عناصر المليشيا كانوا يبحثون عن السُنة، وأنه يعرف أسماء خمسة من عناصر المليشيا الذين ذهبوا إلى منزل عائلته في تلك الليلة، لافتا إلى أن أمه أحضرت الجثة من المشرحة في اليوم التالي للتفجيرين.

بدوره قال "رياض"، إنه فر من المقدادية إلى بغداد بعدما أخذ عناصر المليشيا شقيقه فاضل من منزلهم في المقدادية، وقتلوه يوم 11 كانون الثاني/ يناير "لأنه سُني"، مضيفا أن أبويه بقيا في المقدادية ودفنا فاضل في اليوم التالي، بحسب تقرير المنظمة الدولية.

ولقي المراسل الصحفي سيف طلال، مصرعه مع المصور حسن العنبكي، وكانا يعملان في قناة "الشرقية" العراقية يوم 12 كانون الثاني/ يناير في بعقوبة، على يد من أسمتهم القناة "مليشيا مُنفلتة"، في رسالة إلكترونية إلى "هيومن رايتس ووتش".

وكان طلال والعنبكي في صُحبة الفريق الركن مُزهر العزاوي، القائد المُعين حديثا لعمليات دجلة المُشتركة، لتفقد آثار العنف الطائفي في المقدادية مباشرة، فيما قال العزاوي في تصريح صحفي إنه بعد ترك الصحفييّن، اعترض مُسلحون رحلتهما من أجل تغطية جلسة مجلس المحافظة في بعقوبة، وقتلوهما.

من جهته، أخبر رعد، وهو سُني آخر من قاطني المقدادية "هيومن رايتس ووتش" بأن أحدهم كتب عقب التفجيرين، على جدران منزل عائلته "مطلوب إهدار دمه"، ثم هرب. في اليوم التالي، أخبرهم الجيران أن منزلهم نُسف.

من جانبه قال الناشط السُني "جمال": "لم يعد يعيش في المقدادية"، وفيما لفت إلى أنه جمع معلومات من شهود محليين بشأن 15 شخصا، كلهم من السُنة، خُطفوا أو قتلوا منذ 11 كانون الثاني/ يناير في المقدادية، فقد أكد أنه عُثر على 6 جُثث مجهولة الهوية عند نقطة تفتيش الإمام عبد الله بن علي في بعقوبة يوم 12 كانون الثاني/ يناير.

وشدد جو ستورك على أن "الاختبار الحقيقي للسلطة القضائية وقوات الأمن في العراق هو تقديم المسؤولين عن تلك الهجمات المُريعة إلى العدالة في مُحاكمات نزيهة وعلنية. يجب أن يكون إحراز تقدم في تحديد هوية المُشتبه بهم وتسليمهم إلى القضاء مؤشرا هاما من أجل تواصل الدعم العسكري للقوات العراقية".