قدّم البابا فرنسيس ميدالية القديس مارتن للرئيس الإيراني (Getty)

لندن ــ نواف التميمي

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

رحّب رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، بكلمات فارسية، وسبقته روما بتغطية تماثيلها العارية احتفاءً بقدوم الضيف الإيراني وحفاظاً على مشاعره. أمّا البابا فرانسيس، فقابل “السجادة الإيرانية” بـ”ميدالية القديس مارتن”، مخاطباً روحاني بالقول، إنّها (الميدالية) “تمثّل مارتن الذي نزع معطفه وألبسه لرجل فقير، إنّها رمز للأخوة بلا مقابل”. لكن مقابل هذا الترحيب بزيارة الرئيس الإيراني الأوروبية، أخيراً، اعتبر روحاني أنّ “مرحلة العقوبات الاقتصادية على إيران حمّلت الطرفَين خسائر كبيرة، بينما يفتح مستقبل ما بعد العقوبات، أبواب إيران أمام الاستثمارات العالمية، بما يحقق الربح لجميع الأطراف”.

وإنْ كانت جولة روحاني الأوروبية بعد أسبوع من رفع العقوبات الدولية عن إيران، والتي رافقه فيها وفد مكوّن من 120 شخصاً، من بينهم وزراء في الحكومة، ورجال أعمال، شهدت توقيع العديد من الاتفاقيات والعقود التجارية والاستثمارية، تبدو في ظاهرها اقتصادية، إلّا أن بعض المراقبين رأى فيها أبعد من ذلك.  

تثير هذه الزيارة قلق العديد من دول المنطقة الغاضبة من سلوك طهران وسياساتها التي تدعم الاضطراب، والفوضى، والعنف في المنطقة عبر تدخلها في سورية، والعراق، واليمن، ولا سيما أن الزيارة تجسّد “اقتدار إيران الدبلوماسي”، على حدّ تعبير وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف. وغرّد الأخير على صفحته عبر موقع “تويتر”، عن بدء مرحلة جديدة من التعاون البنّاء والمتبادل بين إيران وأوروبا في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

كما أنّ الزيارة تأتي وكأنها اعتراف أوروبي بالدور الجديد لإيران في المنطقة، وهو ما تُرجم حرفياً خلال لقاء روحاني بالبابا فرانسيس، إذ اعتبر الأخير في تصريحات علنية، أنّ “إيران لاعب محوري في الشرق الأوسط، وعليها مشاركة الدول الأخرى في المنطقة لتشجيع حلول سياسية مناسبة للمشاكل التي تؤثر على الشرق الأوسط ومحاربة انتشار الإرهاب”.

أمّا عن الأهداف غير المعلنة، يرى خبراء ومحللون سياسيون أنّ زيارة روحاني إلى أوروبا تندرج في إطار مساعي طهران لإضفاء الشرعية الدولية على دورها الإقليمي، وتعزيز نفوذها في المنطقة، على أساس أنها “الدولة الأكثر استقراراً وأمناً في كل المنطقة”، كما جاء على لسان الرئيس روحاني أمام مجموعة من رجال الأعمال الإيطاليين والإيرانيين. وهو الطرح الذي تجاوب معه وزير الخارجية الإيطالي، باولو جنتيلوني، عندما قال، “لا نسعى إلى تنشيط تعاوننا مع إيران بل إلى إطلاق تحالف استراتيجي شامل”.

وعلى الرغم من أنّ روحاني دخل أوروبا من بواباتها الاقتصادية وبصفقات قوامها مليارات الدولارات في قطاع الطيران، والسياحة، والتبادل التجاري والمصرفي، والاستثمارات في الصناعات النفطية وقطاعات البنية التحتية، شرّعت هذه الزيارة أسئلة حول مستقبل العلاقات الإيرانية الخارجية، ومستقبل المشهد السياسي الإيراني الداخلي. ويتساءل مراقبون، عمّا إذا كان الانفتاح الغربي على إيران سيؤدي إلى تغيير في سياساتها في المنطقة، وعمّا إذا كانت طهران تشهد تغيراً في موازيين القوى الداخلية، وإنْ كان الانفتاح على أوروبا سيدعم التيار الإصلاحي في إيران.

هذه الأسئلة وغيرها تُطرح على خلفية التباينات بين تيارَي المتشددين و”المعتدلين” المتواجهَين في إيران، ورؤية كل منهما لمسار البلاد داخلياً وخارجياً. ويخشى المحافظون المقربون من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي و”الحرس الثوري” الإيراني أن يؤدي التحرّر الاجتماعي والثقافي والسياسي والانفتاح على الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة إلى تآكل القيم المحافِظة وإضعاف قوتهم السياسية، والتمهيد إلى انقلاب ناعم على حكمهم. في المقابل، يرى “المعتدلون” والإصلاحيون في انفتاح إيران على المجموعة الدولية والإقليمية، مع جذب الاستثمارات الأجنبية، بوابة نحو التحرر السياسي.

 

وعلى الرغم من خلافاتهم الداخلية، يتفق المتشددون والإصلاحيون على تعزيز نفوذ إيران الإقليمي، لكنهما يختلفان على الأسلوب. فبينما يواصل “الحرس الثوري” دعم حلفاء إيران في الخارج، يأمل الإصلاحيون أن يؤدي الاتفاق النووي والانفتاح الاقتصادي على أوروبا إلى إعادة تأهيل صورة إيران الدولية والسماح لطهران بالتحول إلى لاعب اقتصادي عالمي، وقوة إقليمية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.