استقالة الوزيرة الفرنسية اعتراضاً على قانون إسقاط الجنسية(فرانس برس)

باريس_ أسماء بلحاج حسن

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

غادرت وزيرة العدل الفرنسية، ذات الأصول الأفريقية، كريستيان توبيرا، مقر الوزارة على متن دراجة هوائية صفراء اللون، بعد تخليها عن حفظ أختام وحراسة ميزان عدل الحكومة الفرنسية، والتي تواجه تحديات صعبة على جميع المستويات، أبرزها التهديدات الأمنية المتكررة والوضع الاقتصادي الحرج، بالإضافة إلى غليان مجتمع تلح عليه أسئلة الهوية وتجتاحه هواجس المحافظة على قيم الجمهورية.

توبيرا التي لطالما تعرضت لانتقادات من قبل اليمين المتطرف بسبب أصولها، اختارت الأربعاء الماضي، بالتزامن مع الموعد المحدد لمراجعة الدستور في الجمعية الوطنية، لتقدم استقالتها رسمياً للرئيس فرنسوا هولاند، وذلك قبل أن يعرض رئيس الوزراء مانويل فالس على النواب النص النهائي لمشروع إصلاح دستوري، دعا إليه هولاند بعد اعتداءات نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.  

وشمل المشروع الفرنسي إضفاء الطابع الدستوري على حالة الطوارئ المعلنة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، والتي تريد الحكومة تمديدها لثلاثة أشهر، وأيضاً إدراج مطلب إسقاط الجنسية في الدستور عن مزدوجي الجنسية، بمن فيهم المولودون في فرنسا، في حالة إدانتهم في قضايا “الإرهاب أو جرائم”.

هذا المشروع، أدى إلى انقسام حاد في الشارع الفرنسي، إذ شهد جدلاً واسعاً ونقاشاً كبيراً في الأوساط الحقوقية والإعلامية. يومها، أفادت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في افتتاحيتها بعنوان “نزع الجنسية، الخطأ المزدوج لفرنسوا هولاند”، بأن هذا الإجراء “سيمثل خطأ مزدوجاً كبيراً”.

كذلك، لم يسلم المشروع الفرنسي من انتقادات الصحف الأجنبية، إذ كتبت “وول ستريت جورنال”، في طبعتها الأوروبية بأن فرنسا بهذا الإجراء “تعيد النظر في المبادئ التي تكون هويتها الوطنية”، مؤكّدة أن باريس صاحبة شعار “حرية، مساواة، أخوة” وجدت نفسها، تحت التهديد “الإرهابي”، مجبرة على “التأقلم”.

هذا الانقسام ألقى بظلاله على الحكومة الفرنسية، إذ أعلنت وزيرة العدل استقالتها، معتبرة أن هذا الإجراء “يمس بشكل عميق مبدأ الحق في الأرض، وهو مبدأ متجذر في الدستور الفرنسي ويقضي بمنح الجنسية لكل من يولد على التراب الفرنسي، ويمس بالتحديد حوالي 3,5 ملايين شخص يحملون الجنسية المزدوجة، غالبيتهم مغاربيون ومن أفريقيا جنوب الصحراء”.

ويبدو أن وزيرة العدل لم تستطع “التأقلم” بعدما وافق مجلس الوزراء على التعديل، فاختارت الانسحاب بعد ثلاث سنوات من العمل الوزاري.

مسيرة توبيرا

توبيرا، السياسية الفرنسية (64 عاماً)، ولدت في مدينة كايين عاصمة غويانا الفرنسية، في عائلة كبيرة تضم 11 طفلاً. والدها جورج توبيرا، عمل بقالاً، وكان قد هجر العائلة بعد وفاة والدتها.

تزوجت توبيرا، من السياسي رولاند ديلانون، واستمر زواجهما (20 عاماً) قبل الانفصال عام 2002، بعد أزمة سياسية، شكل زوجها في انتخابات عام 1998، قائمة انتخابية منافسة لها.

تخصصت في العلوم الاقتصادية، ولذلك كلفت عام 2008 من قبل رئيس فرنسا حينها، نيكولا ساركوزي، ببحث موضوع الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي ودول الكاريبي. وفي عام 2013، وحين كانت وزيرة العدل الفرنسية وحافظة الأختام، تقدمت بمشروع قانون زواج المثليين في فرنسا الذي أثار جدلاً كبيراً.

كما ارتبط اسمها بالقانون الذي صوت عليه عام 2001 واعتبر أن التجارة بالسود عبر المحيط الأطلنطي كانت “جريمة ضد الإنسانية”. وسمح هذا القانون بتضمين هذا الموضوع في النصوص المدرسية وكذلك سمح للبحوث في هذا الميدان.

خسارة لليسار الفرنسي

شكّلت استقالة توبيرا، والتي لم يكن لديها يوماً انتماء حزبي واضح، خيبة أمل لدى اليسار الفرنسي، إذ يرى بعضهم أنها نجحت في تحقيق توازن بين وفائها للحكومة وفكرها المتحرر المستقل، وأيضاً لأن هذه الاستقالة تعني اتجاه الحكومة الاشتراكية أكثر نحو سياسات يمينية، وستسعد بالتأكيد الجبهة الوطنية، الحزب اليميني المتطرف، والذي لم تخفِ زعيمته ماري لوبان فرحتها بـ”هذا الخبر السعيد”.

ويرى محللون أن استقالة توبيرا، من الممكن أن ترفع من أسهمها وشعبيتها لدى الفرنسيين، في ظل حكومة مترددة، في وقت يحاول فيه اليمين المتطرف، كلما سنحت الفرصة، كسب نقاط جديدة بعد خيبة الانتخابات المحلية.f