وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لألمانيا اتهامات لاذعة واصفا إياها بأنها "أسيرة عند روسيا" لأنها تدفع لها المليارات وتعتمد عليها في توفير الطاقة. فما هي  حدود صدقية هذه الاتهامات وهل تعتمد على حجج وبراهين؟

على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسيل أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتهامات صادمة تفيد بأن ألمانيا "تخضع لسيطرة كاملة من جانب روسيا"، لكونها مستورد رئيسي للغاز الطبيعي الروسي. وتساءل ترامب "إن ألمانيا خاضعة بالكامل لسيطرة روسيا. إنها تدفع مليارات الدولارات لروسيا لتأمين امداداتها بالطاقة وعلينا الدفاع عنهم في مواجهة روسيا. كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟ هذا ليس عادلا". وأوضح ترامب في تغريدة قبيل القمة "ألمانيا تُثري روسيا. إنها رهينة روسيا".

فما الذي يُغيض ترامب وما سر تنديده المتواصل بمشروع أنبوب الغاز نورد ستريم الذي سيربط مباشرة روسيا بألمانيا وإلحاحه بالتخلي عنه. ترامب ليس وحيدا في انتقاده لمشروع يثير أيضا انقساما في صفوف الأوروبيين، فقد اعتبرت بولندا بدورها، أنه وسيلة لتقديم الأموال لروسيا، وإعطائها وسائل يمكن استخدامها ضد أمن بولندا. ولكن هل ترامب محق في انتقاداته وهل تحفظاته مبنية على معطيات وأسس منطقية؟ ولماذا يُلح، بهذا الشكل، على التخلي عن مشروع نورد ستريم؟ التصعيد الكلامي لترامب يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الأطلسية أكبر أزمة منذ الحرب العالمية الثانية. وبهذا الصدد أوضحت كلاوديا مايور، خبيرة شؤون الدفاع في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية "نلاحظ أن الارتباط الوطيد الذي كان قائما بين الولايات المتحدة وأوروبا في الاقتصاد والسياسة وشؤون الدفاع بدأ يتفكك".

 

واردات ألمانيا من المحروقات الروسية

حسب البيانات الرسمية للحكومة الألمانية، فقد تم استيراد ما قيمته 19.8 مليار يورو من النفط والغاز الروسيين عام 2017، وهو ما يمثل 35% من واردات ألمانيا من المحروقات. وتملك شركة غازبروم المملوكة للدولة الروسية 51% من أسهم مشروع خط أنابيب الغاز نورد ستريم، غير أن الأخير ليس خط الأنابيب الوحيد الذي يزود ألمانيا، فهناك خطوط أخرى من النرويج وهولندا. المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر هو رئيس لجنة المساهمين في نورد ستريم وهو يدفع ألمانيا وباقي البلدان الأوروبية لتعزيز علاقاتها مع روسيا. خلص موقع "دير شبيغل" الألماني (الأربعاء 11 يوليو/ تموز) إلى القول بأن كلام ترامب من حيث حجم الواردات الطاقية من روسيا صحيح لكنه لا يصل لدرجة الهيمنة.

الاتهام الثاني لترامب يدعي بأن روسيا بغازها "ستُخضع لسيطرتها 70% من ألمانيا" ويقصد ترامب بذلك أن ألمانيا ستضاعف تقريبا من واردتها من المحروقات الروسية والتي تصل اليوم لحولي 38% في إشارة إلى خط أنابيب نورد ستريم وطاقته المستقبلية. لكن هذه النقطة فيها مبالغة وتحتاج للتدقيق ثم إنها لا تقول كل الحقيقة من حيث دوافع ترامب الحقيقة. يذكر أن دول من شرق أوروبا كأوكرانيا وبولندا متحفظة بدورها من المشروع الذي تفادى المرور منها. وهي ترى أنها بذلك لن تتمكن من الاستفادة من رسوم العبور، كما أنه قد تُحرم من التزود بالغاز الروسي في حالات الأزمات أو الصراعات.

دوافع ترامب تجارية بالأساس

تتحفظ الولايات المتحدة على مشروع نورد ستريم لأسباب تجارية واستراتيجية، ذلك أن وصول الغاز الروسي بكميات كبيرة لأوروبا سيقضي على الحلم الأمريكي بتصدير غازها السائل إلى أوروبا. وبهذا الشأن ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الإدارة الأميركية تضاعف ضغوطها على أوروبا للتخلي عن خط الغاز مقابل وقف الحرب التجارية بينهما، بمعنى آخر أن المحرك الأساسي للضغط الأمريكي على ألمانيا له خلفيات تجارية. وهذا ما دفع موسكو لوصف هجمات ترامب بأنها ترقى إلى "منافسة غير نزيهة". وأضاف الكرملين أنها محاولة لإجبار الأوروبيين على شراء غاز بأسعار أغلى من مصادر أخرى.

يبقى أن هدف الحكومة الألمانية ليس هو مضاعفة واردات الطاقة من روسيا ولكن تنويع مصادر التزود بالطاقة. كما أن المشروع تم تصميمه بشكل يمكن دولا أوروبية عديدة من الاستفادة منه. وبالتالي فإن توقع ترامب بأن تهيمن روسيا على السوق الألمانية بنسبة 70% توقع مبالغ فيه. ثم إن التركيز على الغاز مبالغ فيه أيضا، لأنه لا يمثل إلا ربع مصادر الطاقة في ألمانيا، فيما تمثل الطاقات المتجددة والطاقة النووية وتلك المستخرجة من الفحم الحجري حوالي 40%، فيما تنمو نسبة الطاقات المتجددة بوتيرة سريعة وهو ما لا تأخذه توقعات ترامب بالحسبان.

الغاز ليس مصدر الطاقة الوحيد في ألمانيا، فالبترول يلعب أيضا دورا كبيرا. وتعتبر روسيا المصدر الأول للسوق الألمانية، لكنها ليست إلا مزودا ضمن 23 دولة تبيع بترولها لألمانيا. ومن الصعب الحديث عن تبعية ألمانية لروسيا في البترول، لأنه مادة تُنقل بالسفن، وتُشترى في البورصات العالمية ويمكن في كل لحظة وحين تغيير المزود. وبالتالي فإن القول بأن ألمانيا أسيرة لروسيا في هذا المجال ادعاء غير دقيق. والغريب أن ترامب يقوم بكل ذلك وهو ينتقد ميركل ويمتدح بوتين في نفس الوقت.  في حوار مع DW أوضح فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن، أن الخلاف بين ترامب وميركل يتجاوز موضوع الغاز والبترول، وأوضح أن "ميركل ليست فقط قاطرة للعمل الجماعي الأوروبي، بل هي أيضا من تدافع عن النظام الليبرالي الديموقراطي في العالم، ولم تعد الولايات المتحدة تقوم بهذا لدور، وبالتالي فإن ترامب يسعى لإسقاط ميركل وهو يمتدح بوتين".

  • USA Merkel und Trump suchen nach gemeinsamer Arbeitsebene (Reuters/J. Ernst)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    يريدون منا أن نتصافح؟

    طلبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بلطف مصافحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في آذار/ مارس عام 2017 خلال زيارتها الأولى بعد انتخابه أثناء مؤتمر صحفي في المكتب البيضاوي. لكن مضيفها لم يتفاعل مع طلبها وأشار في اتجاه مختلف. وفي وقت لاحق قال ترامب أنه لم يسمع سؤال ميركل آنذاك.

  • Deutschland G20 Gipfel (Reuters/P. Wojazer)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    ميركل في مواجهة عناد ترامب

    في قمة مجموعة العشرين في هامبورغ في تموز/ يوليو عام 2017 واجهت ميركل مواقف ترامب العنيدة بشأن ملف حماية المناخ. وبعد عدة محاولات غير مجدية لإقناعه بأسلوب هادئ، كان الخيار الوحيد المتبقي أمامها هو توثيق نقاط الاختلاف حول ملف حماية المناخ من خلال خطاب واضح.

  • Deutschland | US-Präsident Obama wird von Bundeskanzlerin Merkel in Empfang genommen (Reuters/F. Bensch)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    بداية نهاية التقارب

    خلال زيارته الأخيرة كرئيس للولايات المتحدة في برلين، بدا التقارب بين المستشارة والرئيس الأمريكي باراك أوباما واضحا للغاية. لكن في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2016، وبعد أيام قليلة من انتخاب دونالد ترامب، بدا أن أوباما أراد نقل مسؤولية الديموقراطية الغربية إلى أنغيلا ميركل. وسائل إعلام أمريكية علقت على الموضوع بسخرية ووصفت ميركل بقائدة العالم الحر.

  • Obama und Merkel Freiheitsmedaille Archiv 2011 (picture-alliance/dpa)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    أرفع جائزة في أمريكا

    في ثوب سهرة تلقت ميركل في حزيران/ يونيو عام 2011 ميدالية الحرية من الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض، وهي أرفع وسام مدني في الولايات المتحدة الأمريكية. ميركل حصلت على هذا الوسام بسبب إسهامها في السياسة الأوروبية. كما وصف المراقبون هذه الجائزة بأنها دليل على العلاقات الألمانية الأمريكية الجيدة.

  • Deutschland G7 Gipfel Angela Merkel und Barack Obama Schloss Elmau (Reuters/M. Kappeler)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    اختفاء ملامح العلاقة الودية

    أثناء قمة مجموعة السبع الكبار في حزيران/ يونيو عام 2015 في جبال الألب البافارية، ظهرت بالفعل ملامح علاقة ودية بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. وتمكنت المستشارة من كسب دعم الولايات المتحدة الأمريكية في ملف مكافحة تغير المناخ. لكن سرعان ما انتهت نقطة التقارب هذه فجأة مع انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب.

  • Merkel mit Ehemann zu Besuch auf George W. Bushs Ranch in Texas (picture-alliance/dpa/S. Kugler)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    الدعوة إلى تكساس

    في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2007، زارت أنغيلا ميركل وزوجها يواخيم زاور سلف الرئيس باراك أوباما، جورج دبليو بوش في مزرعته في كراوفورد، تكساس. استعرض بوش لهما مزرعته، وما يوجد داخلها ومنها أحد الأودية الصغيرة. وعلى المستوى السياسي، كان الوضع في إيران هو موضوع محادثات كل من ميركل وبوش في ذلك الوقت. ولكن هذه النقطة تحولت أيضاً في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى نقطة خلاف بين البلدين.

  • Merkel beim G8-Gipfel 2006 mit George W. Bush (AFP/Getty Images/A. Nemenov)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    ميركل المحبة للحرية

    بعد اجتماعهما الأول، كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش متحمساً لحب أنغيلا ميركل للحرية، والذي أوضحه لوسائل الإعلام من خلال مشوارها في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وفي قمة مجموعة الثماني في سانت بطرسبرغ في تموز/ يوليو عام 2006، أمسك بوش ميركل من الظهر ممررا بيده باتجاه الرقبة ، لتبعد المستشارة ذراعه على الفور وهي في حالة صدمة. غير أن تصرف بوش كان بدافع الود والمحبة.

  • Deutschland George W. Bush beim Grillen in Trinwillershagen (picture-alliance/dpa/BPA/G. Bergmann)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    الدعوة إلى حفلة الشواء

    في تموز/ يوليو عام 2006، كان واضحاً مدى استمتاع جورج دبليو بوش بدعوة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل له في حفلة شواء داخل دائرتها الانتخابية الواقعة على ساحل ولاية مكلنبورغ فوربومرن على بحر البلطيق. وفي الصورة يظهر بوش وهو يضع على طبق ميركل قطعة من لحم الخنزير.

  • Trauerfeierlichkeiten für Altkanzler Kohl (picture alliance/dpa/M. Murat)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    ميركل يد بيد مع بيل كلينتون

    في حفل تأبين هيلموت كول في تموز/ يوليو عام 2017، ألقى الرئيس السابق بيل كلينتون خطاب حداد مؤثر عن المستشار الألماني السابق. و قال خلال خطابه هذه بنبرة حزينة "أنا أحببته". وعندما تحرك بيل كلينتون من منصة الخطاب والعودة للجلوس مرة أخرى، أمسك بيد المستشارة أنغيلا ميركل.

  • Ivanka Trump und Angela Merkel (picture alliance/P. Benic/Consolidated News Photos)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    الوصول إلى الأب عبر الابنة؟

    ابنة الرئيس الأمريكي، إيفانكا ترامب، التقت أيضاً بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في البيت الأبيض في واشنطن في آذار/ مارس عام 2017. وبدا أن محادثة المستشارة وإيفانكا كانت على نحو أفضل من محادثتها مع والدها. في الشهر التالي، شاركت إيفانكا ترامب في مؤتمر المرأة لقمة مجموعة العشرين في برلين وجمعتها المحادثات الحماسية للمرة الثانية مع أنغيلا ميركل.

  • Deutschland Hamburg - G20 mit Merkel Macron und Trump (Reuters/J. Macdougall)

    ميركل..صداقة عميقة مع رؤساء سابقين وخلاف كبير مع ترامب

    تحدي الأوروبيين

    أسفر تعامل الرئيس إيمانويل ماكرون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن ثناء وسائل الإعلام الأمريكية على الضيف الفرنسي هذا الأسبوع. ومن ناحية المضمون فقد بدا أن ماكرون لم يستطع التأثير على رأي مضيفه لا حول موضوع الرسوم الجمركية أو حتى الصفقة الإيرانية. وإذا بقيت الأمور على هذا النحو، فإن لدى ألمانيا وفرنسا مخاوف مشتركة. إعداد: أندريا غروناو/ إيمان ملوك.


  • تاريخ 12.07.2018
  • مواضيع المهاجرون في ألمانيا, مؤسسة فريدريش إيبرت, أوكرانيا, روسيا, تعرّف على ألمانيـا, روسيا, ألمانيا, الطعام الحلال, ميلانيا ترامب, بي ام دبليو
  • كلمات مفتاحية ألمانيا, ترامب, ميركل, نورد ستريم, روسيا
  • تعليقك على الموضوع: إلى المحرر
  • طباعة طباعة هذه الصفحة
  • الرابط https://p.dw.com/p/31MOp