تختلف آراء الخبراء والباحثين حول كيفية تأثير العقوبات الاقتصادية على الدول. لكن بعض الباحثين يرون أن الولايات المتحدة بفرضها عقوبات جديدة على إيران ترتكب أخطاء. فما هي هذه الأخطاء؟

حتى في عام 432 قبل التاريخ حاول رجل الدولة اليوناني بريكليس ممارسة الضغط بفرض عقوبات اقتصادية. وقديم هو كذلك الخلاف حول قضية هل العقوبات وسيلة ناجعة لدفع حكومة بلد آخر إلى تغيير سلوكها.

غاري هوفباور وزملاؤه من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية أنشأوا منذ 1990 بنك بيانات شامل وفحصوا نحو 200 حالة تمتد من الحرب العالمية الأولى إلى بداية هذا القرن. وقال كريستيان فون زوست: "توصلوا إلى نتيجة أن نحو ثلث العقوبات بالنظر إلى تغيير السلوكيات كانت فعالة". وفون زوست يدير مجال البحوث حول السلام والأمن في معهد لايبنيتس للدراسات العامة والإقليمية في هامبورغ. "إلا أن هذه النسبة تبقى مثيرة للجدل. فبعض الباحثين يرون أن النسبة منخفضة جدا، فقط في حدود نحو خمسة في المائة".

أي هدف؟

ففي الحالات التي يتم فيها في آن واحد ممارسة ضغط عسكري لا يتضح في الغالب ما هي مساهمة العقوبات في تغيير السلوك. أضف إلى ذلك أن العقوبات يمكن أن يكون لها أهداف مختلفة: فمرة يُراد لها أن تغير السلوك، ومرة تقليص مجال تحرك بلاد، وأحيانا تكون نوعا من العقاب ضد خرق قوانين عامة.

ويمكن على الأقل التأكيد أن العقوبات لها مفعول أكبر على الديمقراطيات أكثر من على الأنظمة الاستبدادية. "لأنه في الديمقراطيات توجد قنوات يمكن من خلالها أن يعبر السكان عن استيائهم وبالتالي ممارسة الضغط على الحكومة"، كما يقول فون زوست.

ورغم عدم الوضوح حول ما إذا كان بالإمكان تحقيق أهداف سياسية بالعقوبات، فإنها تبقى صالحة لإلحاق الضرر الاقتصادي بأي بلد. وكوبا وكوريا الشمالية مثالان جيدان على ذلك، إلا أن تغيير السلوك لم يطرأ. بخلاف إيران: فبعد عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية في 2010 والاتحاد الأوروبي في 2012 انهارت صادرات النفط بقوة وتراجعت المردودية الاقتصادية إلى الثلث. ولكن هل كان هذا هو السبب وراء التوصل أخيرا في 2015 إلى تفاهم حول النزاع النووي؟

السبب والمفعول

"ليس هناك دولة ستقول بأننا أرغمنا بسبب العقوبات على العمل على هذا النحو". سيتم دوما تعليل ذلك بشكل مختلف، كما يقول كريستوف دازه، خبير الشؤون السياسية في جامعة فرانكفورت. وعليه فإنه من الصعب التحقق من المفعول الدقيق للعقوبات". بل إن دازه يشكك فيما إذا كانت الإجراءات المعلنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران عقوبات في حد ذاتها. "العقوبات هي في الحقيقة تكاليف تُفرض على فاعل خرق قانونا عاما"، يقول دازه. "إلا أن إيران التزمت بالاتفاقية النووية ـ ويجب الان معاقبتها؟"

ويتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار الشرق الأوسط. "يمكن بالطبع محاولة الرد على هذا السلوك كذلك بعقوبات"، يقول دازه. "لكن التخلي عن اتفاقية لها هدف آخر  ـ البرنامج النووي ـ فهذا غير قابل للنقاش".

خطأ ترامب

ترامب يخرق بذلك سمتين أساسيتين للعقوبات الناجحة. فمن جهة هو يخلط بين أهداف عقوبات مختلفة. وإذا لم يكن واضحا بالنسبة إلى إيران متى ستُلغى العقوبات، "فإن مفعول التحفيز للعقوبات ضيق"، يقول كريستيان فون زوست.

ومن جهة أخرى يكون من المهم بالنسبة إلى عقوبات فعالة "أن توجد جبهة عقوبات موحدة وأن لا تنقسم البلدان التي تفرض عقوبات"، كما أكد فون زوست.

وهل سينجح ترامب في بناء "وحدة عقوبات" جديدة من خلال الضغط الاقتصادي، فهذا يبقى مفتوحا. ويعتبر دازه أنه بإمكان ترامب أن يفشل، ويقول بأن "الاتحاد الأوروبي لم يكن أبدا متحدا في قضايا السياسة الخارجية والأمنية مثل اليوم".

وخرق عدة اعترافات للبحوث حول العقوبات في آن واحد، يبدو للوهلة الأولى كخطأ للرئيس الأمريكي. لكن فقط عندما يكون ترامب يستهدف فعلا إيران.

"لكن الأمر لا يتعلق فقط بالسيطرة على إيران"، كما يقول دازه. فأهداف السياسة الداخلية وكيفية عرض نفسه أمام الناخبين الأمريكيين هي كذلك مهمة بالنسبة إلى ترامب. " الأمر يرتبط بمصداقيته وفرض إرادته وإمكانية الظهور كرجل قوي".

أندرياس بيكر/ م.أ.م

  • Bildergalerie amerikanische Präsidenten (gemeinfrei)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    البداية النووية

    كان العام 1957، بداية البرنامج النووي الأيراني حين وقع شاه إيران اتفاق برنامج نووي مع أمريكا، ليتم الإعلان عن "الاتفاق المقترح للتعاون في مجال البحوث ومجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية" تحت رعاية برنامج أيزنهاور "الذرة من أجل السلام". وفي1967، أسس مركز طهران للبحوث النووية. لكن توقيع إيران معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في 1968، جعلها تخضع للتفتيش والتحقيق من قبل الوكالة الدولية للطاقة.

  • Ayatollah Khomeini - islamische Revolution (Getty Images/Afp/Gabriel Duval)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    إنهاء التدخل الغربي في البرنامج النووي

    الإطاحة بحكم الشاه وقيام جمهورية إسلامية في إيران سنة 1979، جعلت أواصر العلاقات بين إيران والدول الغربية موسومة بقطيعة، فدخل البرنامج النووي في مرحلة سبات بعد انسحاب الشركات الغربية من العمل في المشاريع النووية وإمدادات اليورانيوم عالي التخصيب؛ فتوقف لفترة برنامج إيران النووي .

  • Bildergalerie Revolution 57 im Iran (akairan.com)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    البحث عن حلول

    سمح خميني عام 1981 بإجراء بحوث في الطاقة النووية. وفي 1983، تعاونت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمساعدة طهران على الصعيد الكيميائي وتصميم المحطات التجريبية لتحويل اليورانيوم، خاصة في موقع أصفهان للتكنولوجيا النووية، لكن الموقف الغربي عموما كان رافضا لمثل هذا التعاون. ومع اندلاع الحرب بين إيران والعراق تضرر مفاعل محطة بوشهر النووية فتوقفت عن العمل.

  • Iranisches Atomkraftwerk (AP)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    روسيا تدخل على الخط، والصين تنسحب!

    في التسعينات تم تزويد إيران بخبراء في الطاقة النووية من طرف روسيا. وفي 1992، انتشرت مزاعم في الإعلام الدولي بوجود أنشطة نووية إيرانية غير معلنة، مما جعل إيران تستدعي مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة المنشآت النووية، وخلصت التفتيشات حينها إلى أن الأنشطة سلمية. في 1995، وقعت إيران مع روسيا عقدا لتشغيل محطة بوشهر بالكامل، في حين انسحبت الصين من مشروع بناء محطة لتحويل اليورانيوم.

  • Mohammed el Baradei Internationale Atomenergiebehörde mit Hassan Rowhani (AP)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    إعلان طهران وزيارة البرادعي لإيران

    طلبت الوكالة الدولية، في 2002، زيارة موقعين نوويين قيل أنهما غير معلنين، لكن إيران لم تسمح بذلك حتى مرور ستة أشهر على شيوع الخبر. وفي 2003، زار محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إيران للحصول على إيضاحات في ما يخص استئناف أنشطة تخصيب اليورانيوم، واصدرت الوكالة تقريرا سلبيا تجاه تعاون إيران.

  • Iran Präsident (AP)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    شد وجذب

    أصدرت الوكالة الدولية، في 2004، قرارا يطالب إيران بالإجابة عن جميع الأسئلة العالقة، وبتسهيل إمكانية الوصول الفوري إلى كل المواقع التي تريد الوكالة زيارتها، وبتجميد جميع الأنشطة المتعلقة بتخصيب اليورانيوم بمستوى يتيح إنتاج الوقود النووي والشحنة الانشطارية. لكن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وبعد انتخابه، عمل على تفعيل البرنامج النووي ولم يكترث للتهديدات الغربية، كما أسس مفاعل "أراك" للماء الثقيل.

  • UN-Resolution Iran Uran-Anreicherung Katar UN-Sicherheitsrat (AP)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    فصل جديد

    في 2006، صوت أعضاء الوكالة الدولية على إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، الذي فرض حظرا على تزويد إيران بالمعدات اللازمة لتخصيب اليورانيوم وإنتاج صواريخ بالستية. وردت إيران على هذا الإجراء بتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي وجميع أشكال التعاون الطوعي. وفي نفس السنة، أعلن الرئيس الإيراني؛ أحمدي نجاد، عن نجاح بلده في تخصيب اليورانيوم بنسبة 3,5 بالمائة. الصورة لوفد قطر أثناء التصويت على القرار.

  • Iran Atomanreicherungsanlage (AP)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    مفاعلات نووية سرية

    في عام2009 ، تحدث بعض المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين، عبر وسائل الاعلام، عن قيام إيران ببناء مفاعل نووي في ضواحي مدينة قم، كما قال هؤلاء بأنه تحت الأرض ويبنى بكل سرية، دون أن تخبر به إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حين نفت طهران ذلك واعتبرته مجرد ادعاءات.

  • Iran Atomgespräche in Wien 24.11.2014 Gruppefoto (ISNA)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    على مشارف حل

    في عام 2014، تم الاتفاق على وقف تجميد الولايات المتحدة لأموال إيرانية قدرت بمليارات الدولارات، مقابل توقف إيران عن تحويل اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمائة إلى وقود. وفي نفس السنة، قامت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية باجراء تعديلات على منشأة "أراك" لضمان إنتاج حجم أقل من البلوتونيوم.

  • Symbolbild - Atomabkommen mit dem Iran (Getty Images/AFP/R. Wilking)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    الاتفاق التاريخي

    في عام 2015، وبعد سلسلة من الاجتماعات، في فيينا، أعلن عن التوصل لاتفاق نهائي؛ سمي اتفاق إطار، بخصوص برنامج إيران النووي. الاتفاق جمع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا بإيران. وكان من المرجح أن ينهي هذا الاتفاق التهديدات والمواجهة بين إيران والغرب.

  • Hassan Rohani und Barack Obama (Bildcombo) (Getty Images/A. Burton/M. Wilson)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    طموحات حدها الاتفاق!

    كان باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق، واحدا من رؤساء الدول المتفقة مع إيران، فيما يخص البرنامج النووي، من الذين رأوا في الخطوة ضمانا لأمن العالم، بالمقابل قال نظيره الإيراني؛ حسن روحاني، إن بلاده حققت كل أهدافها من خلال الاتفاق. لكن الأمور لم تعرف استقرارا، خاصة مع رغبة إيران في تطوير برنامجها نووي، دون أن تلفت اليها الأنظار.

  • USA Trump verlässt den Raum ARCHIV (Imago/Zumapress/C. May)

    البرنامج النووي- محطات من الشد الإيراني والجذب الغربي

    أمريكا تنسحب

    آخر التطورات في الاتفاق النووي، كانت يوم الثلاثاء 8 أيار/مايو 2018، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، متعهداً بأن تفرض بلاده "أعلى مستوى من العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني". وفي هذا الصدد، عبرت طهران عن عدم رغبتها في الدخول في جولات جديدة من المفاوضات الشاقة مع أمريكا. مريم مرغيش.

    الكاتب: مريم مرغيش