موجة واسعة من ردود الفعل على يوم الاثنين الدامي على حدود قطاع غزة. ففيما انتقد إسرائيليون حكومة وجيش بلادهم، وقف كتاب سعوديون بارزون ضد حماس وحملوها المسؤولية عما يجري. فكيف يبرر كل طرف موقفه في تحميل المسؤولية للآخر؟

المنطقة الحدودية في غزة شهدت سقوط عدد كبير من الضحايا الفلسطينيين وصل إلى 62 قتيلا، إضافة إلى 3200 جريح، بحسب وزارة الصحة الفسطينية في القطاع. وكان يوم الاثنين (14أيار/ مايو) الأكثر دموية في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني منذ حرب غزة في صيف عام 2014.

وبينما حملت الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية إسرائيل المسؤولية عن ما يجري على حدود القطاع، واصفة ذلك بأنه "مجزرة غزة"، جاءت ردود الفعل الغربية بمعظمها داعية لضبط النفس وتشكيل لجنة تحقيق محايدة، مع دعم لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس. وحدها الولايات المتحدة انحازت للموقف الإسرائيلي بالكامل وحمّلت حركة حماس المسؤولية عن أحداث مسيرات العودة.

فكيف برر كل طرف موقفه السياسي وتحميل الآخر للمسؤولية في هذه القضية؟

 

نقد لإسرائيل حتى من إسرائيليين

حركة حماس رفضت من جانبها تحميل واشنطن لها مسؤولية أحداث غزة التي وقعت الاثنين. وقال الناطق باسم الحركة، سامي أبو زهري، في تغريدة له على موقع تويتر: "تحميل البيت الأبيض حركة حماس المسؤولية عن أحداث غزة هو قلب للموازين، وتبرير وقح للمجزرة بحق المدنيين الفلسطينيين، وإصرار على معاداة الأمة واستفزازها".

من أبرز مطالب مسيرة العودة، إنهاء الانقسام الفلسطيني، وحل جميع القضايا المتعلقة بتطبيق بنود المصالحة الفلسطينية كاملة وتسليم ما تبقى للشرعية الفلسطينية تحت الرعاية المصرية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين لمنازلهم التي هجروا منها في حرب عام 1948.

ولكن إسرائيل تحمل حماس المسؤولية عن ما جرى. وتقول الحكومة الإسرائيلية إن ما قامت به هو "دفاع عن النفس".

"حركة حماس هي من أشعلت الحدود، وجلبت أطفالا صغارا ونساء كي يقتلوا هناك. حماس حاولت اختراق الحدود"، يقول بنحاس عنباري، الباحث في مركز القدس لأبحاث الدولة والمجتمع.

ولكن هناك أصواتا في إسرائيل تخالفه الرأي. ومنها ما كتبته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الرصينة: "في أجواء الغطرسة التي استحوذت على النظام السياسي، تحت رعاية رئيس أمريكي متعاطف، استجاب لكل نزوات رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يرفض السلام، تبقى لنا أن نأمل فقط بأن يبذل جنود الجيش الإسرائيلي اليوم على الأقل، يوم النكبة، ذروة مسيرة العودة التي أعلن عنها الفلسطينيون، كل ما في وسعهم لمنع قتل جماعي آخر".

لكن هذه الآراء التي حملت إسرائيل المسؤولية لقيت آذانا صماء عند القيادة الإسرائيلية. وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان دعا جنوده إلى عدم الالتفات إلى معارضي طريقة الجيش في التعامل مع احتجاجات قطاع غزة. وكتب ليبرمان على موقع تويتر: "لا تستمعوا إلى جوقة المنافقين حول العالم".

 

Gaza-Streifen Proteste von Palästinensern (Getty Images/S. Platt)

من الاحتجاجات الفلسطينية على حدود قطاع غزة

سعوديون يحملون حماس المسؤولية

من بين كل الدول الإسلامية برز رد الفعل التركي، الذي كان الأكثر حدة، سواء في الشارع أو على الصعيد السياسي الرسمي. والطلب من السفير الإسرائيلي في أنقرة ودبلوماسيين آخرين المغادرة بدا لافتا.

وعربيا بدأت الجامعة العربية الأربعاء اجتماعا على مستوى المندوبين الدائمين تحضيرا لاجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب الخميس في القاهرة "لمواجهة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني (...) وقرار الولايات المتحدة غير القانوني" بنقل سفارتها إلى القدس.

هذا هو الموقف الرسمي المعتاد. ولكن غير المعتاد هو بروز أصوات عربية داعمة لإسرائيل، معتبرة أن المواجهة مع "حركة إرهابية".

وأبرزها ما كتبه الكاتب السعودي المعروف، تركي الحمد، ووصفه ما يجري على حدود قطاع غزة بأنه "مناورة إيرانية".

كما هاجم الإعلامي السعودي منصور الخميس، مسيرات العودة وتظاهرات الفلسطينيين  بذكرى النكبة، ووصف حماس بأنها "حركة إرهابية تتاجر بالدماء". كما هاجم اللواء في الجيش السعودي، الدكتور زايد العمري، حماس واتهم قاداتها بأنهم "ضحوا بالشعب الفلسطيني لأجل إيران". أما الصحفي السعودي طراد الأسمري فساوى بين حماس وإسرائيل.

 

إيقاف المظاهرات لأنها "ضارة بصورة إسرائيل"

الأمم المتحدة انتقدت إسرائيل. وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الانسان أن أي فلسطيني يتظاهر في غزة يمكن أن يتعرض "للقتل" برصاص الجيش الإسرائيلي سواء كان يشكل تهديدا أو لا.

وفيما صدرت دعوات دولية عدة من أجل تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتحديد المسؤولية، رفض الإسرائيليون ذلك.

بنحاس عنباري، الباحث في مركز القدس لأبحاث الدولة والمجتمع، يرى أنه لا داعي للتحقيق. فإسرائيل "دافعت عن حدودها بصورة مسؤولة. ثلاثين إلى أربعين ألف شخص أرادوا اقتحام الحدود. هذا يعتبر غزوا وعملا عسكريا"، على حد تعبيره.

لكن حماس لم تطلق هذا الحراك (أي مسيرات العودة)، برأي مارسيل بوت، الخبير الألماني بشؤون الشرق الأوسط، وإنما "كانت بمبادرة من أشخاص عاديين". وإن كانت "حماس دعمت هذه المسيرات لاحقا واستغلتها لمصالحها"، يضيف بوت.

ويرى بوت أن هناك من يحاول تحميل حماس المسؤولية عن ما جرى. و"هذا صحيح جزئيا"، برأي بوت. و"لكن المسؤولية تتحملها إسرائيل أيضا. فلماذا يتم استهداف فتى فلسطيني عمره 15 عاما ويحمل زجاجة مولوتوف برصاصة بالقلب، بدلا من الساقين مثلا".

والهدف من هذا الرد العنيف من الإسرائيليين، برأي بوت، هو "أن الجيش الإسرائيلي يريد بتصرفه هذا إخافة المشاركين بالمظاهرات، كي يتوقفوا عنها. لأن هذه المظاهرات ضارة بصورة إسرائيل أمام العالم".

ف.ي/س.أ

  • Israel, Jerusalem: Ivanka Trump, John Sullivan, Steven Mnuchin und Jared Kushner bei einer Rede des israelischen Außenminister (Reuters/A. Cohen)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    تدشين بمباركة إيفانكا

    نقلت الولايات المتحدة الاثنين (5 مايو/ آيار2018) سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد وعد الرئيس ترامب في نهاية العام الماضي، واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل. الاستنكار الدولي والغضب الفلسطيني من الوعد لم يمنعا تحقيقه ومشاركة ابنته إيفانكا إلى جانب زوجها جاريد كوشنر في مراسم الافتتاح. إيفانكا شاركت متتبعيها على تويتر لحظات استقبالها من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أيضاً.

  • Israel: Ivanka Trump, David Friedman, Steven Mnuchin am Ben Gurion International Airport (Reuters)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    حضور دبلوماسي من أمريكا

    أعلن ترامب قبل أيام عدم حضوره لافتتاح السفارة الأمريكية في القدس، لكنه بعث وفداً دبلوماسياً يتكون من شخصيات مهمة داخل البيت الأبيض، على رأسهم وزير الخزانة ستيفن منوتشين ومساعد وزير الخارجية جون سوليفان، فضلاً عن إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر. وستفتح مكاتب سفارة مؤقتة داخل مبنى القنصلية الأمريكية في القدس، في انتظار اختيار مبنى أكبر لها مستقبلاً.

  • Jerusalem Straße zur neuen US-Botschaft (DW/D. Regev)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    "ترامب صديق الصهاينة"

    زُينت شوارع القدس قرب السفارة الأمريكية الجديدة بالعلمين الاسرائيلي والأمريكي استعداداً للاحتفال بعهد جديد واستبدلت لافتات مرورية بأخرى تشير لموقع السفارة الكائن بحي أرنونا بالقدس. كما عُلقت لافتات تشيد بترامب كـ"صديق للصهاينة". شعار الصداقة حمل معه عقوداً من الحياد الأمريكي تجاه القضية، لكن اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لاسرائيل غير معالمها وجعل نتانياهو يقول: "إن نقل السفارة مدعاة للاحتفال".

  • Israel Feier US-Botschaft Jerusalem (Getty Images/L. Mizrahi)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    ذكرى "قيام إسرائيل"

    افتتاح السفارة الأمريكية وإقامة احتفال دبلوماسي بين أمريكا وإسرائيل، تعدى إلى المواطنين الاسرائليين الذين عبروا عن فرحتهم بانتقال السفارة إلى القدس. خاصة وأن هذا الحدث يصادف الذكرى السبعين "لقيام دولة إسرائيل" الاثنين (14 أيار/ مايو 2018) وفق التقويم الغريغوري. كما أن إسرائيل بدأت احتفالاتها التقليدية، قبل أيام، بمناسبة الذكرى 51 لـ "ضم القدس" أو "توحيد القدس"، وذلك وسط إجراءات أمنية مشددة.

  • Israel Feier US-Botschaft Jerusalem (Getty Images/AFP/A. Gharabli)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    احتفال مستمر

    منذ أيام والأفراح والاحتفالات تسود المنطقة الغربية من القدس. ويشارك في هذا كل الإسرائليين باختلاف أعمارهم وأجناسهم استعدادا للاحتفال بـ "مرور 70 عاماً على قيام دولتهم". ووسط أغاني ممجدة للشعب اليهودي والدولة العبرية وللقدس، وفي جو من الرقص والسعادة الغامرة البادية على كل المشاركين في الإحتفالات، رفعوا علم إسرائيل معبرين عن "انتصار" انتظروه منذ عقود.

  • Proteste im Gazastreifen an der Grenze zu Israel (Reuters/M. Salem)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    "نكبة جديدة"؟

    يتزامن افتتاح السفارة الأمريكية في القدس قبل يوم من الذكرى السبعين لـ"النكبة"، عندما نزح أكثر من 760 ألف فلسطيني في حرب 1948. وعلى ما يبدو، فالفلسطينيون يحيون الذكرى السبعين للحدث بـ"نكبة جديدة" كما وصفتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

  • Proteste im Gazastreifen an der Grenze zu Israel (Reuters/I. Abu Mustafa)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    سخط فلسطيني

    في مقابل الأفراح الإسرائيلية، يعيش الفلسطينيون وسط أجواء من الحزن والسخط على قرار ترامب الذي يعترف فيه بأن بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعن نقل سفارة دولته إلى القدس. هذا القرار الذي "استفز" الفلسطينيين باعتبارهم رافضين منذ البداية لـ"احتلال" إسرائيل للقدس كـ"عاصمة أبدية" منذ 1980، بغض النظر عن عدم اعتراف المجتمع الدولي بذلك، وفي ظل رغبة فلسطين في جعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم.

  • Proteste im Gazastreifen an der Grenze zu Israel (Reuters/B. Ratner)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    رغم الوعيد.. اقتحموا السياج!

    شارك الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة في مسيرة إلى الحدود مع إسرائيل، وخاطر بعضهم مقتحماً السياج الأمني، رغم وعيد الجيش الإسرائيلي، ورغم أن طائرات سلاح الجو الإسرائيلي قد ألقت منشورات على قطاع غزة للتحذير من الاقتراب من السياج. كما أعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق، عن وضع قواته في حالة تأهب قصوى، فضلاً عن مضاعفة عدد وحدات جيشه المقاتلة وتعبئة الآلاف من شرطييه لضمان الأمن في السفارة ومحيطها.

  • Proteste im Gazastreifen an der Grenze zu Israel (Reuters/M. Salem)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    نار وغضب

    العشرات من الشباب الفلسطينيين اجتازوا السياج الحدودي الفاصل شرق غزة وأضرموا النار في إطارات سيارات في الجانب الإسرائيلي من الحدود، كما ألقوا الحجارة على الجيش الاسرائيلي تعبيراً عن غضبهم من تدشين السفارة الأمريكية في القدس، وبينما يتهم الجيش الإسرائيلي حركة حماس بتحريض الفلسطينيين على اختراق السياج الحدودي، يشهد قطاع غزة "مسيرات العودة"، منذ نهاية آذار/ مارس2018.

  • Proteste im Gazastreifen an der Grenze zu Israel (Reuters/I. Abu Mustafa)

    السفارة الأمريكية في القدس: يوم فرحت إسرائيل واحتج الفلسطينيون

    "مذبحة رهيبة"

    أسفرت المواجهات بين الجنود الإسرائيليين وفلسطينيين في الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، قبل ساعات من تدشين مقر السفارة الأمريكية، عن سقوط عشرات القتلى، وإصابة أكثر من ألف فلسطيني بالرصاص الحي. المواجهة جاءت بعد أن ألقى فلسطينيون الحجارة على الجنود الإسرائيليين الذين ردوا بإطلاق النار. وعلى وقع ارتفاع القتلى والجرحى، اتهمت الحكومة الفلسطينية إسرائيل بارتكاب "مذبحة رهيبة" في قطاع غزة. إعداد: مريم مرغيش.

    الكاتب: مريم مرغيش