اشترك لتصلك أهم الأخبار

كتب نجيب محفوظ الحائز نوبل فى 1988 الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية ومنها «الثلاثية» التى تحمل أصداء من السيرة الذاتية ثم الرواية التى تستلهم الموروث لتعرض لفكرة وجودية ثم الرواية الفلسفية وكانت روايته «أولاد حارتنا» من أشهر رواياته التى أثارت جدلا فى الأوساط الدينية وأحدثت أزمة وقت نشرتها الأهرام على حلقات حين كان الأستاذ هيكل رءيس تحريرها، وكانت دار الآداب البيروتية قد أصدرتها عام 1962 لكنها منعت من التداول فى مصر، وإثر حصول محفوظ على نوبل أصدرت دار الشروق الكثير من أعمال نجيب محفوظ حتى إن كثيرا منها صدر فى أكثر من طبعة وقبل أيام أعادت الشروق إصدار طبعتين جديدتين من روايتين لأديب نوبل فأصدرت الطبعة الخامسة من «المرايا» بسعر 55 جنيها كما أصدرت الطبعة السابعة من «ميرامار» بسعر 52 جنيها وغلاف الروايتين تصميم الفنان التشكيلى الكبير حلمى التونى وفوق هذا ولتعميم الفائدة فقد أصدرت الشروق طبعة صوتية وأخرى إلكترونية للروايتين لتكونا فى متناول الجميع.

وفى «ميرامار» يعرض نجيب محفوظ للشخصية المحورية «زهرة» القروية النازحة إلى الإسكندرية ومثلما نرى شخصية «زهرة» شخصية متعينة من الواقع فإنه يمكن اعتبارها رمزا لمصر وقد صارت فى مهب الأطماع كما تعاين أثناء عملها فى بنسيون ميرامار كل شرائح المجتمع بتباين قناعاتهم الاجتماعية والسياسية بل وبتركيباتهم الإنسانية مابين الناقد والناقم على ثورة يوليو وفكرة الاشتراكية وبين مدعى الاشتراكية ولكنه انتهازى فى جوهره وبين ثورجى حقيقى والباشا أو أحد الأعيان التى أطاحت به ثورة يوليو فيما يتلاعب بعواطف زهرة الانتهازى، كما تهجم على الشهوانى، لكنها دافعت عن نفسها لايعتريها ضعف أو يأس، ورفضت ان تخضع للابتزاز العاطفى حتى قبل وصولها لـ«ميرامار» وذلك حين أبت أن تذعن لزواج قائم على المنفعة الشخصية فهو أشبه مايكون بالمتاجرة بجسدها دون أدنى اعتبار لمشاعرها وقلبها حدث ذلك بعد وفاة أبيها تماما كحال مصر بعد وفاة زعيمها «سعدزغلول» والذى وصف بأنه «أبو المصريين»؛ ولقد بدت شخصية «زهرة» ثائرة دوما على كل من يحاول استغلالها أو النيل منها، كما أنها ثارت ضد إرادة الأجنبى متمثلا فى شخص «ماريانا» اليونانية صاحبة بنسيون ميرامار ورغم تنوع الشخصيات وتركيبتها النفسية والاجتماعية والذهنية إلا أنهم جميعا جاءوا يدفعهم دافع واحد هو البحث عن الأمان والدفء والاستقرار، هربا من ماض أو حاضر غير سار إلى هذا المكان الهادئ ويمكن تلقى مضمون هذه الرواية على وجهين ومحملين أحدهما رمزى والآخر واقعى غير أنهما ينتهيان بنا إلى فكرة واحدة.

أما رواية المرايا فيمكن التعامل معها كمجموعة قصص كل قصة تتناول شخصية مختلفة. وقد جاءت فى شكل بورتريهات روائية لـ 54 شخصية، ويمكن اعتبارها رواية مكتملة الأوصاف يربطها عقد روائى واحد حيث إن كل هذه الشخصيات مجتمعة فى مواجهة حدث واحد أو فكرة واحدة حيث تتعدد الرؤى والقناعات والمواقف إزاء هذا الحدث حيث سرد أحداثا معينة فى صيغة شخصيات عاشت مابين ثورة 1919 وصولا إلى ما بعد النكسة وهم ممن عرفهم الراوى والرواية، بالتوازى تقدم قراءة للمشهد الاجتماعى المصرى فى هذه الفترة فنرى النماذج الانتهازية والوصولية لأقصى حد وونجد الخيانة (فمعظم نساء الرواية من أصحاب التجارب العديدة وكذلك الأزواج والأصدقاء فيما بينهم كما تنعدم الأمانة والقيم والأخلاق كما نقف على حالة هوس عمياء بحزب الوفد، لاتفوتنا الإشارة إلى أن الكثير من شخصيات هذا العمل قد عاينها وعايشها نجيب محفوظ الذى قال قبل ذلك إنه يستعير ذاته فى بعض الشخصيات الهامة فى رواياته حتى إن كثيرا من النقاد رأوا مثلا أن شخصية كمال عبدالجواد فى رواية «السكرية» هى الأقرب لشخصية نجيب محفوظ، كما كانت «المرايا» تضم شخصيات حقيقية قابلها وعرفها نجيب محفوظ. ومنهم مثلا الكاتب الإسلامى والناقد والشاعر قبل ذلك (سيد قطب) وورد فى هذه الرواية باسم عبدالوهاب إسماعيل وهو ناقد أدبى متحرر ينتقل إلى التطرف ثم ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين كما أن شخصية جاد أبو العلا وهو أديب ثرى محدود الموهبة ينفق على الترويج لرواياته والدفع بها إلى السينما والإذاعة، وهو قريب جدًا من شخصية ثروت أباظة أما الدكتور إبراهيم عقل الذى سافر إلى فرنسا وكتب رسالتى دكتوراه عن المرأة فى القرآن وخشى من نشرها كى لا يتعرض لحملة تكفير ومات عام 1957 فهو أقرب مايكون لشخصية الدكتور منصور فهمى الأستاذ المصرى بجامعة السوربون.