اشترك لتصلك أهم الأخبار

تتوالى احتفالات الكنيسة الأرثوذكسية بقديسيها من الآباء البطاركة والشهداء، طوال العام، مهللين ومطوّبين إياهم بالصلوات والأنشطة الكنسية من فنون مسرحية وتراتيل، وهو ما يدفع الشباب بإبداعاتهم وطاقتهم إلى المشاركة بتقديم أفكار تخدم كنائسهم، ومن بين هؤلاء رجل في الثلاثينيات من العُمر، يعشق ممارسة فنّ التمثيل بكنيسته العذراء بمسطرد، والذي قرر التعبير عن مدى عشقه للقديس البابا كيرلس، الذي عُرف بـ«رجل الصلاة»، قبل أيام من تجاوز عيد نياحته الأسبوع، الجمعة الماضي، بالتمثيل.

أخبار متعلقة

  • photo

    البابا تواضروس يستقبل سفيري الإمارات وكرواتيا بالمقر الباباوى بالعباسية

  • photo

    البابا تواضروس يكشف حقيقة إنشاء كنيسة أرثوذكسية بالسعودية

شعر جندي عزيز بأن هناك مسؤولية على عاتقة أراد توفيتها بحق البابا الراحل، انطلاقًا من تعلّقه بالبابا عبر معجزاته وسيرته المُتداولة، لذا راودته فكرة الدمج بين شغفه بالتمثيل، حبه للبابا كيرلس، عبر تقليده بارتداء ملابس شبيهة، في محاولة ليست بالجديدة من نوعها في تمثيل دور البابا ونقل قصة حياته إلى أبناء الكنيسة بمختلف فئاتهم العُمرية، وبعد أيام وعن طريق الصدفة علم أن هناك أحد الأصدقاء عبر موقع «فيسبوك»، يرغب في شخص من أجل تأدية دور البابا كيرلس بإحدى الترانيم.

سرعان ما أقبل على الفكرة متواصلًا مع ماكيير العمل الفني والباحث عن المُمثل، ويدعى جورج حنّا، ويشتهر باسم «جينو»، فهذا الرجل الذي عمل طويلًا بالوسط الفني، لعب في وجه الفنانين بأدواته التجميلية، بعد أن التمس تقاربا بين ملامح عاشق التمثيل «عزيز» والبابا كيرلس السادس، ما دفعه إلى اختياره من بين الكثيرين، وبالفعل استعد «عزيز» إلى ترنيمة «ما تفكرش كثير»، بمساعدة جينو الذي أضاف إلى وجهه خطوط بالحواجب والوجه.

تشارك الاثنان للمرة الثانية بعد أن عملا سويًا من قُبل خلال دور قدّمه «عزيز» بفيلم ديني قصير، وجسد بالفعل «عزيز» دور البابا كيرلس ويجتمع من حوله الأطفال داخل الكنيسة، وفي نهاية العمل حصل المُمثل المبتدئ على صور تعرض ملامحه بأكثر من زاوية بكواليس تصوير الترنيمة. بعد أيام، شارك بها أصدقاؤه عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لكن الغريب في الأمر هو ردة فعل أصدقائه على الصور.

وانهالت التعليقات المشيدة بهيئته في الصور، واصفين إياه بـ«شبيه للبابا كيرلس»، واعتقد البعض الآخر للوهلة الأولى أن الصور للبابا كيرلس بذاته، وهو ما شجّعه بفعل مطالب أصدقائه من نفس الكنيسة على تجسيد الدور بكنيسته خلال فقرة مسرحية قصيرة، يتحدث عبرها عن حياة القديس ومواقفه حتى إنجازاته، وتمكّن «عزيز» من تحقيق الفكرة وقدّم فقرته للشباب حتى إنه أصابهم بالصدمة بمجرد أطلّ عليهم للمرة الأولى، وبرزت ردّات فعلهم باجتماع عدد من الحضور في نهاية الحفل معبّرين عن اندهاشهم من التشابه بين الملامح.

وعاد «عزيز» بعد تلك الضجة لينهي يومه في منزله، حتى يستعد للعمل بيومه التالي، لكن ربما عرفت السعادة طريقها إليه، وجاءه ابن خالته، دافيد صفوت، باقتراح جديد، وهو نشر صور «عزيز» عبر إحدى الصفحات المسيحية الداعمة للأفكار الإبداعية، للحصول على فرص لتأدية دور البابا كيرلس في نطاق أكثر اتساعًا وعلى مستوى كنائس القاهرة وبعض المحافظات، لذا وافق كلاهما، وفي المقابل نفذها «صفوت» معلّقًا أعلى الصور: «لعمل دور البابا كيرلس السادس تواصل معي».

وأثمر اقتراح ابنة خالته تعليقات وتشجيعا من المسيحيين، وفي المقابل تلقى «عزيز» مكالمات من أفراد بكنائس يطالبونه بتقديم فقرة عن البابا بمناسبة ذكرى رحيله عن عالمنا، وقال «عزيز»: «هاتفني أشخاص من كنيسة بعزبة النخل من أجل تأدية دور البابا كيرلس في فقرة باجتماع للشباب الجامعي، وتلبية لطلبهم ذهبت إليهم، أمس، وتلقيت التعليقات المكثّفة من الحضور حول تشابه الملامح والشكل النهائي بعد المكياج مع قداسة البابا، والذي عُرف بطول قامته».

يتابع «عزيز»: «طالبتني كنيسة أخرى بالشاطبي بعد أسبوع بالحضور وتقديم فقرة تمثيلية ووافقت على حضورها، ورغم مرور الوقت على عيد نياحته إلا أنهم لم يترددوا في تقديم الفقرة بالكنائس، وأسعدتني مشاركتي في الخدمة معتبرًا تلك الخدمة مصدرا للبركة، والناس صعقت من التشابه، وهذا ما جعلهم يتوقفون لالتقاط الصور وأنا أرتدي ملابس البابا في نهاية فقرتي بالكنيسة».

ويضيف: «كنت أستعد قبل الفقرات بقراءة تفاصيل وزوايا حياتية مختلفة من حياة البابا كيرلس ومواقف جمعته بالرئيس الأسبق جمال عبد الناصر»، مشيرًا إلى أنه سعى إلى التنسيق بين الفقرات الخدمية التمثيلية تلك وعمله اليومي بالشؤون الإدارية لإحدى شركات السيارات.

وفي كل مرة كان يشارك «عزيز» في فقرة، يصاحبة الماكيير جينو، والذي كشف عن مقدار الوقت الذي استغرقه في ضبط مكياج وجه «عزيز»، وقال جينو: «من وجهة نظري فنيًا يفضّل أن تكون الشخصيات في الأعمال الفنية من ترانيم وغيرها تتشابه مع الشخصيات الحقيقية، حتى لا أشعر بعناء التقريب بين الاثنين بالمكياج، وبالنسبة للمكياج أضفت المكياج حول العينين باستخدام الكونتور والحواجب كما جدلت لحية تشبه لحية البابا كيرلس، استغرقت ما يزيد عن الساعة والنصف في مكياج وجهه ووضع اللحية».

يضيف «عزيز»: «لكل شخصية ملامح وجه تميزه، وكان يميّز وجه البابا كيرلس الأنف وحجمه، بالإضافة إلى قامته الطويلة، وتقدّم للدور بالترنيمة قبل جندي ما يفوق الـ16 شخصا واخترته من بينهم، كما تعاونت من قبل مع الفنان عاصم سامي لإعداد مكياج وجه البابا كيرلس بالأفلام الدينية».

ويستطرد: «سأتعاون معه من أجل أدوار جندي بأكثر من كنيسة الفترة المقبلة، لذلك سأرافقه لأن المكياج لا يمكن وضعه إلا قبل دقائق من العرض النهائي للفقرات».

في النهاية رغب «عزيز» في إيضاح هدفه في الفترة المقبلة وعقب اجتياز أيام الاحتفال بذكرى وفاة القديس، وقال: «آمل تجسيد دور البابا كيرلس في ترانيم وأفلام دينية والاستمرار في تأدية الدور»، لم يكن «عزيز» أول من جسد دور البابا كيرلس بل خاض التجربة من قبل الفنان فريد النقراشي وعاصم سامي وغيرهم، لكن «عزيز» كان أكثرهم تقاربا مع ملامحه، ولاقى إعجاب الكثيرين، وقال حساب باسم «ميرو»: «مش مصدقة التشابه، إزاي؟» وأضاف آخر باسم «جيجي أوادين»: «إيه الجمال ده ربنا يباركك».

على الجانب الآخر، تواردت تعليقات من أشخاص تعبّر عن انزعاجها من فكرة تعليق البعض على التشابه بين «عزيز» والقديس، أي تمثيل أو تقليد البابا، لذا أوضح الأب توماس نجيب كاهن كنيسة مارجرجس بالمطرية، ردًّا على تلك التعليقات: «أن الفنون المسرحية ارتبطت بالكنيسة منذ سنوات طويلة كما أنها تمثّل دورا فعّالا في إيصال المعلومات الدينية وقصص القديسين إلى أبناء الكنيسة، ويحتاجها الجميع للمساعدة على رسم ملامح الشخصيات ورؤيتها عيانًا عبر ممثلين».

واستكمل: «ليس هناك تقليل من قيمة القديس بل هي مجرد تعاون بين مؤلّف ومخرج وممثل على التقريب بين إنسان وملامح القديس بقدر الإمكان، ليصدّق المشاهد حينما يجسد الممثل الدور، كما يساهم التمثيل في تقريب الفرد من حياة القديس للشعور والانتباه إلى أنه يحيا وسطهم، طالما قدّمت فقرات تمثيلية من أجل الخدمة في الكنيسة إذن لا يمكن رفضها أو معارضتها». تابع: «هناك شباب كنسي لديه إبداع لذا ليس هناك مانع من تفريغه واستغلال طاقات الشباب وأوقات فراغهم».

يُذكر أن فنّ التمثيل المسرحي دخل إلى الكنيسة الغربية قبل القرن الـ17، بعد أن وصمت الكنيسة المسرح بالوسيلة اللا أخلاقية في التعبير عن الإنسان ومشاعره حتى إنها وصفت طوال سنوات بإفسادها عقول الشباب، ووفقًا لكتاب «تاريخ المسرح عبر العصور» للكاتب مجيد صالح بك، فإن المسرح الذي يبث القيم الدينية والأخلاقية انطلق بعد القرن الـ17 حيث كان الأشخاص يملّون الوعظ ويبحثون عن علاج لمشكلاتهم الحياتية. بمرور الوقت تطوّر المسرح على يد شكسبير وبرناند شو وغيرهم وانعكس بطبيعة الحال على المسرح الكنسي وأصبح التمثيل أداة داعمة ووسيلة إيضاح تتعاون مع الكنيسة.