في الأماكن الترفيهية التي اعتاد المواطنون في قطاع غزة الذهاب إليها للترفيه، يتجمع عدد من الشبان حول منصة خشبية يعتليها شبان يقدمون أنفسهم على أنهم "دعاة"، يقدمون النصائح والإرشادات الدينية والتلاوات القرآنية.

"المنبر الدعوي المتنقل"، مبادرة دعوية نظمها عدد من الدعاة وأساتذة القرآن في قطاع غزة نجحت، بحسب منظميها، في "إرشاد الشباب وهدايتهم إلى الطريق الصحيح، وتقديم النصائح الدينية بطريقة جديدة تختلف عن الخطب الدينية التي يصفها البعض بالجافة".

ضرورة

يرى المشرف على "المنبر الدعوي" الدكتور زكريا زين الدين، أن "هذه الملتقيات أصبحت ضرورة حتمية في مجتمعنا، خاصة مع انتشار انحراف بعض الشباب عن دينهم، وظهور الانحلال الأخلاقي عند بعضهم".

photo

وفكَّر شباب "المنبر الدعوي" في استغلال وجود المواطنين بالشوارع والأماكن الترفيهية، لتقديم مضمون دعوي بشكل حواري لجذب الناس.

واختار الشباب جعل المنبر متنقلاً؛ حتى يسهُل عليهم الوصول إلى الناس والتفاعل معهم، لـ"ترسيخ المنهاج الديني وتأسيس جيل دعوي مترابط بأسلوب جديد وشائق"، حسب المشرف على المنبر.

طريقة مختلفة

وأوضح زكريا زين الدين، في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، طريقة اشتغالهم قائلاً: "نعرض قصص شبان ضلوا الطريق وطرق إرشادهم بالموعظة".

يحرص المنبر على شرح كيفية العبادات الصحيحة وعرض حقيقة الموت، بأسلوب حواري يختلف عن الأسلوب التقليدي الذي يتبع في المساجد والأماكن الدعوية، يقول المتحدث متابعاً: "نعتمد على الطريقة المشوقة في الطرح، فتارة بالنشيد الإسلامي، وتارة بالقرآن بأصواتٍ ندية، وأخرى بالخطب المؤثرة".

photo

ويقول المشرف في تصريحه، إن "هذه الملتقيات امتداد لمنهج النبي في الدعوة عبر الكلمة الطيبة، إضافة إلى الدعوة إلى الله بأسلوب جديد يعتمد على الإقناع والتشويق".

لا تكون فقرات المنبر عبارة عن خطب وحوارات فقط؛ بل إنها تتنوع بين السهرات الدعوية والعروض المسرحية، والفقرات الحوارية، والأناشيد والابتهالات الدينية وفقرة المسابقات، وتوزيع الجوائز، وعرض المواهب للتشجيع على الحضور.

واعتبر زين الدين أن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الشباب أصبح سلبياً، ولفت إلى أن مميزات المنبر هي التفاعل مع الجمهور.

1000 مشارك

ويقيس المشرفون على المنبر نجاحه بالعدد الكبير من الناس الذين يتوافدون عليه. ويشير المشرف في حديثه مع "هافينغتون بوست عربي"، إلى أنه تم اختيار موقع "المنبر الدعوي المتنقل" في الأماكن المكتظة بالمارة والمنازل والمحال التجارية؛ للاقتراب من فئات لا يصل إليها الدعاة إلا بشكل محدود.

وقال زين الدين إن نسبة الحضور للمنبر كانت قليلة؛ إذ لم تتجاوز الخمسين شخصاً، مضيفاً: "ولكننا استطعنا استقطاب أكبر عدد ممكن من الحضور الذي تجاوز عدده 700، وفي بعض الأحيان يصل إلى 1000 شخص".

photo

"ولاقى المنبر الدعوي ترحيباً كبيراً من طرف الحكومة الفلسطينية ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية"، يقول زكريا زين الدين، موضحا أنه تم منحهم التراخيص اللازمة لعقد الملتقيات الدعوية المتنقلة بمختلف الأماكن بالقطاع.

وأفاد المشرف على المنبر الدعوي بأنهم لا يتلقون أي دعم مالي من أي جهة؛ بل إنهم ينفقون على الملتقيات الدعوية من مالهم الخاص وجمع التبرعات من بعض الميسورين وبعض رجال الدين والإصلاح في غزة.

آراء الناس

عبد الرحمن عودة، هو أحد الشباب الذين يداومون على حضور تلك الأمسيات الدعوية، قال لـ"هافينغتون بوست عربي": "أسعى للحضور دائماً، ومن خلال الملتقيات تعرفت على أمور دينية وعقائدية كنت أجهلها".

لم يكن عبد الرحمن يحضر اللقاءات التي تعقد بالمساجد؛ لأنها "تُعرض بأسلوب عادي، أما الأسلوب الحواري الذي يستخدمه الدعاة والمنشدون بالملتقى الدعوي المتنقل فجذبني وكان دافعاً لدوامي على حضورها"، يقول الشاب.

photo

أصبح لدى محمد خضر (23 عاماً) دافع للحضور إلى ملتقيات المنبر الدعوي، فبعد أن حدثه شقيقه عنها وجدها مختلفة تماماً عن الخطب الدينية في المساجد؛ "فالأسلوب الحواري المستخدم في ملتقيات المنبر الدعوي شائق، وجذاب، بالإضافة إلى الفقرات الترفيهية، والتي تتيح للجمهور إظهار مواهبهم التي لا يعرفها الجميع"، يقول محمد لـ"هافينغتون بوست عربي".

خالد حميد الذي يبلغ من العمر 24 سنة، هو أحد المشاركين في المنبر الدعوي، لكن ليس كمستمع وإنما كمشارك.

ويمتلك خالد القدرة على رفع الأثقال، فهو يستطيع رفع سيارة بمفرده، لكنه لم يتمكن من إظهار هذه الموهبة واستعراضها أمام الناس سوى في المنبر الدعوي المتنقل.

وقال خالد في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه لم يشارك في مهرجانات وبطولات، لكن في أثناء حضوره إحدى ملتقيات المنبر الدعوي المتنقل اقترح أحد أصدقائه أن يشارك في الفقرة الترفيهية، لرفع الأوزان الثقيلة، "فأصبحت أشارك في الاحتفالات والمهرجانات التي تقام في المنبر الدعوي المتنقل"، يقول الشاب.

استياء

وعلى الرغم من الجماهير التي تداوم على حضور ملتقيات المنبر الدعوي المتنقل، فإن هناك مواطنين يعارضون الفكرة؛ محمد يونس أحد هؤلاء، والذي قال لـ"هافينغتون بوست عربي": "أعارض تنظيم مثل هذه الملتقيات الدعوية بالأماكن الترفيهية؛ لأنها خصصت للترفيه، وليس للدعوة إلى الله، فهناك أماكن خاصة لهذا الأمر مثل المساجد والمراكز الدعوية، فالمواطنون يذهبون إلى هذه الأماكن للترفيه والهروب من ضغوط الحياة اليومية".

واعترض يونس على الأسلوب المتبع خلال هذه الملتقيات، معتبراً أنه يوحي بأن "الناس لا يفقهون شيئاً بالأمور الدينية وكأننا نعيش في عصر الجاهلية ما قبل الإسلام!".

ويرى الشاب الفلسطيني أن الأسلوب الذي يتبعه هؤلاء الدعاة "أسلوب تضخيم وترهيب"، موضحاً أن الدعوة تكون "بأسلوب سلس وبسيط وليس مثل الذي يتبعه أولئك الدعاة".