يلفت انتباهك عند دخولك لغرفة تضم مرضى سوريين في مستشفى ارسين أرسلان، في غازي عنتاب التركية، شخصا يتحدث العربية بلهجة بدوية، ويتعاون بكل تواضع مع المرضى السوريين المتواجدين بالغرفة، لتعرف فيما بعد أنه طبيب تركي يدعى "بهاء الدين جفجي"، وأجرى مئات عمليات القلب للسوريين.

يقول أبو محمد، وهو أحد المرضى الذين كانوا يتواجدون في الغرفة بعد أن أجرى له الطبيب التركي عملية جراحية: "قدمت إلى تركيا من أجل العلاج؛ لأنني لم أجد مستشفى يستقبل حالتي في ريف حلب الشمالي، فكانت أغلب المستشفيات المتوفرة مستشفيات ميدانية، وهي قليلة، ولا يوجد فيها قسم جراحة القلب، فقررت أن أدخل تركيا".

ويضيف لـ"عربي21": "عندما وصلت إلى مستشفى ارسين أرسلان كانت حالتي سيئة جدا، فقام الكادر المتخصص في المستشفى بإجراء التحاليل والفحوصات اللازمة؛ لتشخيص المرض وتحديده، وتمت إحالتي لقسم الجراحة القلبية بالمشفى لإجراء عمل جراحي بالسرعة القصوى".

ويلفت أبو محمد إلى أنه في البداية "كنت لا أعرف ما يجري من حولي، لأنني كنت خائفا، ولا أفهم اللغة التركية، ولكن ما جعلني أبتسم وأنا أتألم، وساعدني ليزول الخوف مني، هو ذلك الطبيب الذي يتحدث اللغة العربية بلهجته البدوية، فقد استقبلني بكلماته الترحيبية، وبدأ يشد من عزمي بمحبته الواضحة وابتسامته التي توحي بالطمأنينة"، كما يقول.

ويضيف: "جعلني ذلك الطبيب أشعر أنا ورفاقي المرضى السوريين بأننا بين أهلنا وأخوتنا، وزاد من محبتي لتركيا، فبدأت أرى كل تركيا هي الطبيب بهاء الدين".

ويوضح أبو محمد أنه حاول تقديم "هدية متواضعة" للطبيب التركي، لكنه "رفض أن يأخذها، وأصر على أنه يقوم بواجبه تجاه إخوته المظلومين والمهجرين، وعرض علي أن أبقى على تواصل معه بعد خروجي من المستشفى في حال وجود أي مضاعفات، لأنه ما زال يتواصل مع المرضى الذين خرجوا من المستشفى بعد أن أجروا العمل الجراحي إلى الآن، ولا يبخل عليهم بالمساعدة، ودون أي جزاء على ذلك".

والتقت "عربي21" بالدكتور بهاء الدين، الذي بدأ حديثه بكلمات الترحيب بالعربية، وقال: "هذا واجبي تجاه إنسانيتي، فالإنسانية لا تموت، فكلنا أبناء آدم وحواء، ولا فرق بين إنسان وآخر، فالكل بشر في النهاية".

 وأوضح الطبيب أن حالة أبي محمد واحدة من بين نحو 300 حالة تعامل معها. وقال إنه يعالج هؤلاء بالمجان، ودون أي مبلغ مالي، مضيفا: "كلهم من السوريين المهجرين، منهم المقيم هنا في المدينة (غازي عنتاب)، ومنهم من يأتي للعلاج وبعدها يعود إلى سوريا".

ويقول الطبيب بهاء الدين: "واجبنا الطبي يحتم علينا أن نتعامل معهم مثل الأتراك، وأحيانا أكثر؛ لأنهم من المظلومين والمهجرين، فالحرب أفقدتهم الكثير من المستشفيات التي تهدمت والتي توقفت عن العمل، وهجرة الكثير من الأطباء الاختصاصيين إلى بلاد اللجوء، فلم يبق لهم سوى دول جوار سوريا، ومن بينها تركيا التي تقدم لهم ما تستطيع من الرعاية الطبية، وهذا واجبنا تجاه ضيوفنا"، كما يقول.

وأضاف الدكتور بهاء الدين أن إدارة المستشفى أصبحت تحيل إليه أغلب العمليات الجراحية للسوريين، وذلك بسبب تعامله الجيد معهم، وخاصة أنه يتكلم العربية "المكسرة"، بحسب وصفه، فكثير من المرضى السوريين يطلبون أن يكون الطبيب بهاء الدين جفجي هو من يجري لهم العمل الجراحي.