جنة محمد عبدالعزيز : بواسطه

تشير نظرية «الأجيال» إلى أن «الأفراد الذين ولدوا فى وقت معين من المتوقع أن يطوروا قيمًا ومعتقدات وشخصيات فريدة»، كما تعتمد النظرية على أن «العصر الذى يولد فيه الشخص يؤثر على المنظور الذى ينظر من خلاله إلى العالم».

ويتكون الجيل الواحد من مجموعة من البشر ولدوا خلال الفترة الزمنية نفسها، وعاصروا أحداثا تاريخية مشابهة تقريبًا، ولكن مؤخرا توصلت دراسة نشرتها «مجموعة إميراليد للنشر» الإنجليزية، إلى أن السنوات التى تميز أجيالًا عن غيرها لم تكن واضحة على مر الزمان، لأن الأجيال تتلاشى دون نقطة بداية ونهاية، وهذا التداخل يخلق أجيالًا صغيرة ناتجة عن الفرق بين بداية وتوقف كل جيلٍ، وهنا يطلق على هؤلاء اسم «الجيل الناتئ».

وهناك العديد من الأجيال التى يمكن تعريفها وبلورتها من خلال الدراسات والأبحاث، فهناك الجيل «إكس X» ويطلق عليه أيضًا «الجيل العاشر»، وهم من ولدوا ما بين الستينيات إلى أوائل الثمانينيات (1961 – 1980)، ويليه جيل الألفية أو الجيل «واى Y» ويسمى (Millennials) وهم الأفراد الذين وُلدوا بين الثمانينيات ومنتصف التسعينيات (1981 – 1996)، يتبعة الجيل «زد Z» ويتضمن أفرادًا ولدوا بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.

وبينما يُعد الجيل «إكس (1961- 1980)» هو صانع الثورة المعلوماتية، فإن جيل الألفية هو الذى طوّرها واستخدمها وصنع الشبكات الاجتماعية، إلا أن هناك العديد من الدراسات تؤكد وجود جيل صغير يتماس مع الجيلين لتكوّن أجيالًا ناتئة (Xennials).

واعتبرت الدراسة الحديثة التى نشرتها «مجموعة إميراليد للنشر» الإنجليزية أن مواليد بين عامى 1977 و1983، «مختلفون» عمن سبقوهم ومن بعدهم، ويرجع ذلك إلى «التحول الهائل فى التكنولوجيا الذى حدث فى مرحلة مصيرية من حياتهم»، وهم الآن فى منتصف الثلاثينات وأوائل الأربعينات من عمرهم.

حسب الدارسة، لا أحد يعرف تمامًا من صاغ هذا المصطلح لأول مرة، ولكنه نُسب لفترة طويلة إلى عالم الاجتماع الأسترالى «دان وودمان»، بينما تدّعى الكاتبة «سارة ستانكورب» أنها أول من استخدمت هذا المصطلح فى إحدى مقالاتها فى سبتمبر 2014، عندما وصفت هذا الجيل بأنه «جيل متناهى الصغر يعمل كجسر بين (استياء) الجيل العاشر و(تفاؤل) جيل الألفية»، فهم أقل تشاؤمًا من الجيل «إكس (1961- 1980)» ولكنهم لم يصلوا إلى مستوى التفاؤل لدى الجيل «واى (1981 – 1996)».

لذا، وطبقا للدراسة، هناك اختلافات بين هذا الجيل الناتئ والجيل «واى (1981 – 1996)» فيما يخص النظرة المستقبلية، فهذا الجيل المكتشَف حديثًا ليس متشائمًا بشكل خاص، ولكنه ليس لديه التفاؤل والثقة مثل جيل الألفية، إذ وجد تقرير عام 2016 أن الأخير أكثر تفاؤلًا بشأن المستقبل عن الأجيال السابقة من الشباب، لذا يمكننا القول إن الجيل العاشر «إكس» يمتلك السخرية، بينما جيل الألفية «واى» لديه التفاؤل والقيادة.

وتشير الدراسة إلى أن وجود هذا الجيل الصغير (1977- 1983) بين جيلين آخرين جعل أفراده فى وضع فريد من نوعه، سواء بتجربتهم لكل معانى الطفولة العادية التقليدية، ثم مرحلة بلوغ تتماس مع التكنولوجيا الرقمية، لذا فهم إما أكبر أعضاء جيل الألفية أو أصغر أفراد الجيل العاشر، لكن كثيرا منهم لا يشعر بالانتماء لأى من الفئتين، لأن هذا الجيل نشأ تحت إشراف أبوى وقيود صارمة.

ويستمتع هذا الجيل (1977 – 1983) بالعودة إلى حنين الماضى بتذكر أرقام هواتف الأصدقاء المقربين وأفراد الأسرة، لأن خاصية معرفة المتصل لم تكن متاحة، وكانوا يقضون الوقت فى غرف الدردشة، أو انتظار أغنية مفضلة على الراديو ليتمكنوا من تسجيلها.

ويعد هذا الجيل هو الأول الذى بدأ باستخدام أجهزة الكمبيوتر المنزلية والوصول إلى الإنترنت، ولم يحصلوا على رفاهية الهواتف المحمولة حتى بلغوا مرحلة المراهقة وبداية العشرينات من عمرهم، حتى إن استخدام الهواتف المحمولة بعد اقتنائها كان فى حالة الطوارئ فقط، لارتفاع تكلفة المكالمات والخدمات وقتها.

أبناء هذا الجيل (1977- 1983) لم يتمكنوا من تنسيق المقابلات مع أصدقائهم عبر الرسائل النصية أو دردشة «الواتس اب»، وكان عليهم التقاط سماعة الهاتف المنزلى والاتصال بمنازل رفقائهم وتقديم أنفسهم لآبائهم وإقناعهم بالسماح لأبنائهم باللعب خارج المنزل أو قضاء وقت فى النادى، كما أنهم شهدوا بداية ظهور ألعاب الفيديو على الأقراص المرنة، ولعبها باستخدام لوحة مفاتيح الكمبيوتر أو عصا التحكم، والتى ما زالت تاركة أثرًا كبيرًا بداخلهم حتى الآن.

وهنا لا بد من توضيح الفروق بين الجيل الناتئ وجيل الألفية، فالأول أصحابه لديهم خبرة أكبر فى تطوير العلاقات الطبيعية، ويُطلق عليهم «الجسر بين الأجيال القديمة والجديدة»، كما لديهم المهارات اللازمة للتواصل بفاعلية مع الجيل الأكبر سنًا، ولكنهم أيضًا يمتلكون تجارب مرحلة البلوغ التى تؤهلهم للتواصل مع من هم أصغر.

ومن المحتمل أن يتمكنوا أيضا من حل مشاكل العالم فى المستقبل، فهم جيل قادر على تكوين مهارات اتصال قوية لإشراك جميع الأجيال، إذ يدمجون بين القدرة على الاستماع للملاحظات من آبائهم وأجدادهم حول كيف يضيع الشباب حياتهم، إلى جانب فهم قيمة التكنولوجيا الحالية والمعايير الثقافية عند استخدامها بشكل صحيح.

واعتاد أبناء هذا الجيل (1977 – 1983) على عادات وأنماط حياة استطاعوا مزجها بين أقرانهم الأكبر والأصغر سنًا، فهم مثلا يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعى لمتابعة ما يحدث يوميا، لكنهم أيضًا ما زالوا يريدون مشاهدة الأخبار على التليفزيون أو من خلال قراءة صحيفة ورقية، حسب الدراسة.

ورغم أن معظمهم تعلموا فن الرسائل النصية بحلول العشرينات من عمرهم، لكنهم يميلون إلى الكتابة باليد، ويمكنك أن تراهم فى اجتماعات العمل يستخدمون الحواسب المحمولة ولكنهم لا يستغنون عن المفكرة والقلم أيضًا، كما أنهم لم يستبدلوا حافظة النقود التقليدية بأخرى إلكترونية لكنهم إما يحتفظون بالاثنتين معا، أو بالأولى فقط.

ومع ذلك يستخدم هذا الجيل مواقع التواصل الاجتماعى وكأنهم ولدوا من أجل ذلك، ولكن فى حال عدم وجودها فهم لا يشعرون بنقص فى الرفاهية دونها، فهو جيل نشأ دون ضغوط من أن يتم تصويره باستمرار أو نشر صور طفولته على «فيس بوك» و«إنستجرام».

ويمتلك هذا الجيل الناتئ مزيجًا فريدًا من القيم الشخصية التقليدية مختلطة مع ذكاء التكنولوجيا والتفكير إلى الأمام، ولا شك أن الشركات التى تدرك ذلك ستجد نجاحًا فى الاستفادة من هذا الجيل، فهناك الكثير من الدراسات المتاحة تناقش الخصائص الفريدة لكل جيل، وكيف يؤثر تميزهم على العلاقات فى العمل.

وتوضح الدراسة أن هناك مجموعة من الأفراد الذين يولدون فى نهاية أو بداية جيل آخر، يصبحون عالقين بشكل أساسى بين الأجيال، وهو ما ينطبق على الجيل الناتئ حديثًا.

فى الماضى، كان اختلاط الأجيال فى مكان العمل أمرا نادرا لأن الموظفين الأكبر سنًا ذوى الأقدمية كانوا يشغلون مناصب عليا، أما الآن فتجد الكل يعمل معًا، لذا يُنصح بالإكثار من عدد موظفى الجيل الناتئ نظرًا لقدرتهم الكبيرة على التفاهم مع الجيل الأكبر والأصغر.

لذا فالاستفادة مهنيًا من نقاط القوة لدى هذه الأجيال الصغيرة من قِبل القادة- تساعد فى سد الفجوة بين الأجيال وتعمل على تقليل التوترات فى مكان العمل، وتشير دراسة حديثة فى مجال الموارد البشرية إلى أن التوتر بين الأجيال المختلفة لا يفسر التعارض فى العمل، وأن الحل فى خلق بيئة أكثر تناسقًا لتعزيز التواصل بين الموظفين والسماح للأفراد بالتركيز على الإنتاجية والابتكار.