أظهرت بعض الدراسات التي أجرت مقارنة بين الأطفال الأكثر إبداعاً، والآخرين الذين لا يمتلكون أيَّ نوع من الإبداع، أن القيود التي يفرضها الآباء على أطفالهم هي السبب الأساسي في الحدّ من قدرتهم الإبداعية.

القيود التي يفرضها الآباء على أبنائهم والتي لا يمكن التخلّي عنها مثل الأعمال المنزلية، وتحديد موعد محدّد للنوم، قد تكون السبب في إحباط أية عملية إبداعية عند الأطفال، كما تدفعهم للتفكير بأنانية.

وفي مقارنة أجراها علماء النفس بين أكثر معماريي أميركا إبداعاً ومجموعة أخرى من ذوي المهارات العالية من أصل غير أميركي، توصلوا إلى أن آباء المعماريين الأميركيين ركزوا خلال التربية على تنمية المعايير الأخلاقية لأبنائهم، وذلك بحسب المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

استغلال المواهب

وفي دراسة أخرى استهدفت الأصول التي ينتمي إليها أفضل الموسيقيين والفنانين والرياضيين والعلماء حول العالم، استخلص أخصائي علم النفس "بنجامين بلوم"، أن آباء هؤلاء المبدعين لم يكونوا يوماً مغرمين بفكرة تربية أطفالهم كي يصبحوا نجوماً، إلى جانب عدم ممارستهم الرقابة الصارمة على هؤلاء الأطفال، بل على العكس، فقد تركوا كل شيء يمضي بشكل طبيعي وعندما جاءت اللحظة التي ظهر فيها شغفهم تجاه شيء ما، هنا جاء دور هؤلاء الآباء الذين أظهروا الدعم الكامل لأبنائهم.

على سبيل المثال، لم يتعلم كبار عازفي البيانو على أيدي صفوة المُعلمين، ولكنهم تعلّموا في البداية على يد بعض المعلمين المحليين المتواجدين بالقرب من منازلهم، فأشخاص مثل "موزارت" و"ماري لوي ويليامز" و"إسحاق بيرلمان" كان شغفهم بتعلّم الموسيقى والعزف على الآلات الموسيقية شيئاً فطرياً، وليس من خلال دروس الموسيقى، حتى أن "اسحاق بيرلمان" بدأ فى تعلم العزف على الكمان بعد أن تمَّ رفض قبوله في مدرسة الموسيقى.

وبحسب المقابلات التي أجراها "دكتور بلوم" وفريقه المعاون مع صفوة الرياضيين حول العالم، فقد وجد أن بدايتهم لم تكن مميزة ولم يمتلكوا شيئاً مميزاً عن أقرانهم من الرياضيين الآخرين، فكل ما يتذكره الغالبية العظمى من هؤلاء الرياضيين عن مدربيهم في المراحل الأولى على طريق الاحتراف أنهم جعلوا من ممارسة الرياضات بالنسبة لهم شيئاً ممتعاً.

التدريب عائق أمام التطور!

احتدمت النقاشات حول عدد الساعات المطلوبة كي يصبح الشخص خبيراً في حرفة ما، وذلك منذ أن أشاع "مالكوم جلادويل" أطروحته " 10000 ساعة من التدريب" والتي يشير من خلالها إلى أن النجاح في شيء ما يعتمد على الوقت الذي نقضيه في الممارسة الفعلية له، والذي انتقده البعض معللين أن عدد الساعات المطلوبة يختلف من مجال لآخر ومن شخص لآخر.

وكشفت بعض الأبحاث عن الأسئلة التي يجب طرحها عندما يتعلق الأمر بإتقان مهارة أو حرفة ما، فالسؤال الأول الذى يطرح نفسه هل من الممكن أن يصبح الوقت الذى نقضيه أثناء التدريب هو العائق الأساسي أمام تطوّرنا فى مجال ما؟ والسؤال الثاني هو عن الدوافع التي تحرّك البشر لممارسة مهارة ما لآلاف الساعات؟

وقد جاءت الإجابة على السؤال الأول أنه كلما قضى الشخص عدد ساعات أكبر في ممارسة حرفة ما حوصر داخل طرق التفكير التقليدية التي يتبعها منذ فترات طويلة، أما السؤال الثاني فقد جاءت الإجابة عليه بكلمة واحدة "الشغف" الذي يدفع الإنسان إلى معرفة المزيد عن حرفة ما.

تُشير بعض الدلائل إلى أن الإسهامات الإبداعية تعتمد في المقام الأول على اتساع التجربة وليس عمقها فقط، وأيضاً إلى أن أحداً لم يدفع أي عالم أو فنان للانخراط في شيءٍ ما ولكن الشغف والفضول كانا المحرّك الأساسي لهذا، فالفضول هو ما يدفع الناس للبحث بداخلهم كي يصلوا إلى ما يتمنونه، وكما عبّر "آينشتاين "، والذي أرغمته والدته على الالتحاق بدروس الكمان، عن الأمر قائلاً "اكتشفت النظرية النسبية عن طريق الحدس فقط، وكانت الموسيقى هي المحرك وراء هذا الحدس".

فعلى الآباء المراقبين والمتربصين معرفة أنه ليس بإمكانهم برمجة أبنائهم كي يصبحوا مبدعين، بل عليهم تركهم كي ينساقوا وراء شغفهم في الحياة وذلك إذا ما أرادوا تنشئة أطفال قادرين على الإبداع.