اشترك لتصلك أهم الأخبار

«توك توكى ده أمان لا فيه معاكسة ولا إدمان» إذا رأيت هذه العبارة على أحد تكاتك عزبة خير الله فأعلم أن من بداخله ليس مجرد سائق، بل هو أيضاً فنان مسرحى، يمكنك أن تراه على خشبة مسرح العزبة الكائن أعلى الخرابة. الشعار الذى يميز العديد من تكاتك عزبة خير الله، ليس مجرد زينة كما يعتاد سائقو التكاتك أن يميزوا مركباتهم المترنحة، التى ينبعث منها نغمات غير متسقة تسمى بـ«مهرجانات التكاتك» لكنه نتاج لتحدٍ جديد خاضه المخرج والمعالج بالفن جون ميلاد، بدأ بـ100 جنيه ووجبة وانتهى بعرض مسرحى ألفه ومثله سائقو تكاتك عزبة خير الله.

«مدن آمنة للفتيات» هو عنوان المشروع الذى استهدف جون من أجله سائقى التكاتك، يوضح جون: «المشروع هو أحد أنشطة هيئة بلان الدولية، وهو يستهدف فى الأساس توفير بيئة آمنة للفتيات، من المتحرشين من جهة ومن أفكار المجتمع عن المرأة من جهة أخرى». يضيف جون: «بحثنا عن أكثر فئة تعرض الفتيات لخطر التحرش، فوجدنا أن سائقى التكاتك والتاكسى على رأس القائمة، وبما أن المنطقة التى يستهدفها المشروع عشوائية، فلا يدخلها إلا التكاتك ومن هنا بدأت رحلتى فى محاولة اجتذابهم والوصول بهم إلى قاعة جلسات النقاش ومن ثم للمسرح». بدأ جون مشروعه الفنى التوعوى بمشوار استقل فيه «توك توك» وتجاذب معه أطراف الحديث حول الأمن والسلام فى الشوارع، وقبل أن تنتهى الرحلة دعاه لجلسة فضفضة عن الأوجاع والأحلام: «القلق كان واضح عليهم فى البداية، خافوا أكون صحفيا أو مندوبا من الحكومة، لكن لما لقونى مش طالب غير إننا نقعد نتكلم بدأوا يستجيبوا».

كتحفيز للسائقين الذين تقدر كل دقيقة لديهم بتوصيلة، كانت تصرف المؤسسة لمن يحضر 100 جنيه ووجبة، وهو ما حمسهم فى البداية لحضور تلك الجلسات، لكن الأمر اختلف بعد ذلك وأصبح الهدف من الحضور، وفقاً للسائقين، هو اكتشاف أنفسهم وتجربة أشياء حرمهم السعى وراء لقمة العيش منها.

يقول جون: «اشتغلنا مع 200 سائق توك توك فى أعمار ما بين 14- 60 سنة، قمنا بتقسيمهم لمجموعات وفقاً للنطاق الجغرافى».

رسم ونحت وفضفضة وضحك، هكذا كان يقضى سائقو التكاتك أكثر من 4 ساعات دون أن يشعروا بالوقت أو الجنيهات التى يخسرونها وفقاً لجون، ويضيف: «بعد جلسة فضفضة عن مشاكلهم وبعض من النحت والموسيقى والأفلام نبدأ نتكلم عن المرأة وجسدها وحريتها فى محاولة لتغيير صورتهم الذهنية تجاه المرأة».

بعد 3 أشهر من جلسات «هندمة» الأدمغة وتزويدها بمفاهيم جديدة عن الإنسان والمساواة، حان وقت قياس مدى نجاح التجربة، فقام السائقون بسرد مواقف حقيقية تعرضوا لها، حاولوا من خلالها تغيير مفهوم الناس عن سائق «التوك توك» باعتباره متحرشا، وهنا التقت جون طرف المسرحية، يقول: «طلبت منهم يحولوا قصصهم ومواقفهم لمسرحية، وقاموا بتمثيلها على مسرح العزبة».

وعن المسرح يقول جون: «هى مبادرة قامت بها جمعية رواد وأقمنا نحن فيه، السائقون وفرقة لسه المسرحية التى أديرها، عرضنا الأول بعنوان مملكة تكاتيكو». كان محمد حسين، يستعد للإلقاء بنفسه وأحلامه فى اليم، حتى أنقذه جون، هكذا يصرح سائق «التوك توك» الثلاثينى بعد نزوله من على خشبة المسرح، يقول محمد: «أنا كنت كاره نفسى والبلد ونفسى أهاجر بسبب الضغوط اللى عليا وعجزى عن الوفاء بمسؤولياتى الكتير، وبالفعل اتفقت مع حد يسفرنى إيطاليا، وكنت بستعد أروح ليبيا، لكن حادث استشهاد ضباط الواحات أخر الخطة، لأن الجيش انتشر أكثر فى المكان».

يضيف محمد: «أجلت الفكرة لكن ملغتهاش، وفى الوقت ده قابلت جون، صحيح فى البداية روحت الندوة زى أى ندوة وقلت آخد 100 جنيه ووجبة، لكن الأمر اختلف بعدها».

طفولة محمد كانت بين صفائح البويات والأسمنت والمسلح، لذا لم يعرف الصلصال طريق يده إلا فى جلسات جون، ولم تطأ قدماه مسرح إلا مساء الأربعاء، ويقول: «والدى أصيب وأنا فى إعدادى واضطريت أنزل أشتغل، ومن ساعتها والمسؤوليات بتزيد، لكن فى الجلسة كنت بضحك وأهزر، وكنا بنلعب ونمثل ونسمع مزيكا».