مارادونا وبلاتيني (getty)

 

أحمد مختار

كرة القدم اختيار، لعبة لها مبادئها الخاصة وكل واحد يختار الطريق الذي يريده، الهجوم أم الدفاع، المبادرة أم رد الفعل، الانطلاق إلى الأمام أم الوقوف في الخلف، الكرة اليسارية المتمثلة في سيزار لويس مينوتي أم اليمينية الأصولية لكارلوس بيلاردو وأقرانه؟ ورغم أن منتخب بيلاردو فاز بمونديال 86 مع الأسطورة مارادونا، إلا أن هذا الفريق يُحسب أكثر على الكرة الواقعية، ويعتبر فكرة ضد الشمولية الفنية، والسر يعود إلى الملك رقم 10، دييغو.

مسألة مبدأ
بعد تولي كارلوس بيلاردو تدريب الأرجنتين عام 1983 خلفاً لسيزار مينوتي، تقابل الاثنان في مقابلة سريعة، وانتقد مينوتي أسلوب لعب ستوديانتس بقوة، النادي الذي لعب له ودربه كارلوس بيلاردو، ووصف البوهيمي الفريق بأنه السبب الرئيسي وراء تأخر الكرة الأرجنتينية لعدة سنوات، وأن طريقة لعبهم جعلت معظم فرق العالم تنفر من مواجهة راقصي التانغو، وكأن سيزار يوجه رسالة مبطنة إلى كارلوس، “عليك الابتعاد عن ستوديانتس، والحفاظ على النهج الهجومي الحالي”.

بيلاردو، على الرغم من ذلك، تجاهل نصيحة سلفه وحذف ألبيرتو تارانتيني وهوغو غاتي من تشكيلة فريقه للمباراة الأولى، وحاول صناعة نظام تكتيكي مختلف تماماً عن أسلوب مينوتي، مع تصريحه الأشهر قبل الرهان على الواقعية، “أريد أن أكون الأول، الرقم 1، الفائز دائماً وأبداً، المركز الثاني بالنسبة لي فشل، حتى إذا لعبت بشكل جيد ومميز”.

كرة القدم لعبة أقيمت من الأساس من أجل الفوز، الفوز ولا شيء غيره، لذلك من يريد المتعة، عليه أن يذهب إلى السينما، أو المسرح، حتى يشاهد العروض بحرية، أما داخل الملعب، فلن نضع مثل هذه النصائح في خططنا. وكانت هذه بداية الحرب.
قلب الهرم

أجبر تألق النجوم الكبار أمثال مارادونا وبلاتيني المدربين على تعديل خططهم، من منطلق باب “الغاية تبرر الوسيلة”، لذلك جاءت الفكرة للمدرب كارلوس بيلاردو، باللعب بثلاثة مدافعين وخماسي في الوسط وثنائي هجومي. هاجمته الصحافة وقتها لكنه قال إنه على حق، من الصعب أن تلاعب الأوروبيين بمهاجم واحد، ووجود لاعب إضافي في الوسط يعطي الحرية الكاملة لدييغو أرماندو مارادونا في الهجوم. 4-3-1-2 تحولت إلى 3-5-2 أو 3-5-1-1.

وكانت بدايات كرة القدم مع تكتيك الهرم الشهير 2-3-5، ليُجبر مارادونا ورفاقه الجميع على قلب الهرم تماماً، بالتحول إلى 5-3-2 مع عودة الظهيرين إلى الخلف في حالات الدفاع، وإغلاق الطريق نحو مرماهم بعدد كبير من الأسماء، مع وجود ثلاثة لاعبين دفعة واحدة خلف دييغو. هكذا كان التكتيك الأشهر خلال مونديال كأس العالم 1986.

لعب مارادونا كمهاجم متأخر، وليس صانع لعب صريحا في البطولة، مع خط وسط متنوع وصلب، باتيستا هو قاطع الكرات، جوليو أو إنريكي هو لاعب الوسط المساند المائل للأطراف، مع بروتشاجا لاعب الوسط السريع الذي ينطلق للهجوم، مع المهاجم فالدانو على مقربة من دييغو، وفي الخلف ثلاثي صريح، ليبرو وثنائي للرقابة، مع ظهيرين يتحركان بحساب للأمام والخلف.

سطوة الثلاثي الخلفي
انتشرت بشدة طريقة 3-5-2 في كل ملاعب العالم بعد مونديال 1986، وجود نجم بقيمة بلاتيني في تشكيلة فرنسا، أجبر منتخب الديوك على اللعب بليبرو متأخر مع ثلاثي صريح بالوسط، من أجل إعطاء حرية الحركة للنجم ميشيل. كذلك منتخب ألمانيا لعب بنفس الخطة لسنوات عديدة، مع صعود الليبرو إلى الهجوم دائماً، في خطة أقرب إلى 1-3-3-3، بوجود ثلاثي في كل خط، مع اللاعب القشاش الأخير.

حتى منتخب البرازيل لم يسلم من هذه الخطة، وانقلبت 4-2-4 البرازيلية إلى ما يشبه 5-2-3 بعودة لاعب من الوسط إلى الخلف، ليصبح مدافع ثالث في التشكيلة، مع الاستغناء عن لاعب هجومي في سبيل تقوية خط الوسط. وقلت الأهداف كثيراً في تلك الحقبة، نسبة 2.21 للمباراة، مع ارتفاع حاد في عدد البطاقات الحمراء، بسبب المعاركة العددية في خانة المنتصف.

واستمرت هذه الخطة في الانتشار، حتى حدثين في غاية الأهمية، بطولة أوروبا 1988 مع طرفي النهائي، الاتحاد السوفيتي بطريقة 4-4-2 لفاليري لوبانوفيسكي، وهولندا مع 4-4-1-1 بوجود خوليت خلف فان باستن تحت قيادة رينوس ميتشيلز. ومن بعدها وضع ابن بائع الأحذية كرة القدم في مستوى تكتيكي مختلف تماماً، أريجو ساكي له حديث خاص في الحلقات المقبلة.