يقول جوارديولا: "ما هي أكثر مأساة بالنسبة لي كمدرب؟ محاولة التعامل مع مجموعة يوجد لدى كل فرد فيها احتياجات مختلفة".

وأضاف بيب "هذا هو أول شيء، وثانيا مطالبة الجميع بالتفكير بنفس الطريقة لتحقيق المصلحة المشتركة، اذا لم يحدث هذا لن نفوز بشيء. يوجد شيء يشترك فيه كل البشر وهو رغبتهم في الإحساس بالتقدير والحب".

وتابع "جميعا نرغب في نفس الشيء. امتلاك عمل نحبه ونشعر فيه بالتقدير ولكن كيف يمكنني اقناع لاعب لا أحبه باللعب بالطريقة التي أرغب فيها؟ هذا هو لب المأساة! أم تعتقد أن كل اللاعبين كانوا يحبون جوارديولا؟".

تفسر هذه الكلمات الكثير مما دار في حقبة بيب مع برشلونة ودور ميسي الذي أثر على مصير الكاميروني صمويل إيتو وبعده السويدي زلاتان إبراهيموفيتش على أقل تقدير.. إنها علاقة بين جوارديولا وابنه ميسي وضحايا هذا الثنائي.

حينما يُسأل جوارديولا اذا ما كان يندم على رحيل إيتو أو بويان كريكيتش أو زلاتان ابراهيموفيتش يرد بغموض "كل يوم أندم على الكثير من الأشياء، ولكن معنى العدالة معقد للغاية".

زاد إعجاب جوارديولا بـ"البرغوث" بمرو الوقت لذا فإن قراره بتنظيم الفريق حوله لمساعدته على التطور وحصد النتائج كان لا رجعة فيه، وهو أمر يتماشي مع قوانين كرة القدم ليس فقط بسبب عبقرية ميسي، بل لأن الأخير كان له نظرة كروية.

يتذكر بيب دائما تلك المرة أثناء بداية مشواره التدريبي مع برشلونة حينما اقترب منه ميسي أثناء حصة تدريبية وقال له: "ضعني دائما مع بوسكيتس في التقسيمة"، حيث أن اللاعب الأرجنتيني كان مندهشا من الأداء التكتيكي لسيرجيو، لذا كان يرغب في وجوده دائما بجانبه، وهو الأمر الذي أعجب جوارديولا كثيرا لأنه كان يعني أن الـ"برغوث" كان قادرا على تفسير كرة القدم بنفس طريقته.

كانت "قضية رأس الحربة" موضوعا حساسا في مشروع جوارديولا، فعلى سبيل المثال كان إيتو في موسمه الأخير مع برشلونة قريبا من اقتناص لقب هداف الليجا هذا بخلاف لعبه دورا حاسما في دوري الأبطال وتسجيله الهدف الأول في النهائي، ولكن حينما اقترب الموسم من نهايته كان بيب قرر الاستغناء عن الكاميروني.

الحقيقة أن جوارديولا كان وضع اسم ايتو في الأساس في قائمة الأسماء التي يرغب في التخلص منها قبل بداية موسمه الأول مع برسا وأعلن هذا صراحة، حيث اشترط وجود تحسن ومردود جيد للإبقاء عليه.

خلال ذلك الموسم تحول إيتو فعلا لأسد لا يروض، لاعب لديه نهم كبير للألقاب يحفز لاعبي الفريق بشتى الأشكال والألوان.

ولكن تلك الروح لم تستمر كثيرا وكان يشوبها عيوب مثل نوبات الغضب الفجائية في التدريبات والمباريات بجانب طابعه الاندفاعي وهو الأمر الذي ساهم في دفع بيب لقرار الاستغناء عنه.

من ضمن تلك الأمور ذلك الحادث الذي وقع أثناء أحد التدريبات ويقصه إيتو بنفسه قائلا: "طلب مني جوارديولا القيام بجملة معينة في الملعب أثناء المران وهي جملة لا يطلب من المهاجمين عادة أن ينفذوها".

وأضاف "لم أكن عصبيا أو عدائيا، ولكن أنا مهاجم بالفطرة ولم أكن قادرا على القيام بما يطلبه، لذا أخبرته بأنه مخطىء، ليطلب مني بعدها الخروج من المران، ولكن أنا على حق".

وتابع "جوارديولا لم يلعب أبدا كرأس حربة وأنا صنعت اسمي وكسبت احترام العالم باللعب في هذا المركز".

في اليوم التالي لهذا الحادث، دعا بيب ايتو للعشاء ولكن المهاجم الكاميروني لم يكن يشعر بوجود حاجة لناقش أي شيء مع مدربه ورفض الدعوة، وهو الأمر الذي ضغط على الزر السحري في عقل جوارديولا لينشط داخله مبدأ "اذا لم تكن معي فلا يجب أن تتواجد هنا من الأساس، لأنك ستكون ضدي".

بدأ جوارديولا بعدها بصورة شبه منتظمة يطلب من إيتو اللعب كجناح أيمن في الوقت الذي كان يرتاح فيه ميسي ويستمتع بتلك المساحة التي غالبا ما تكون مشغولة برأس حربة، وخلال احدى المبارايات التي كان يطبق فيها هذا الشيء أقدم بيب على استبدال الكاميروني وبعد اللقاء أثناء تواجده في غرفة الملابس قرر كسر احدى قواعده بالحديث علنا بخصوص تغيير أجراه للاعب وشرح أسبابه، ولكن صمويل لم يعره أي اهتماما وكان ينظر في مكان آخر.

بعد هذه الواقعة، لم يكن هناك عودة للوراء.

تطور الفريق وهو يمنح الحرية لميسي، حيث كانت معركة خاسرة تماما بالنسبة لإيتو، الذي بدأ يحتفل بأهدافه منفردا في ذلك الموسم الذي توج فيه برسا حسابيا بلقب الليجا قبل النهاية بثلاثة جولات وقرر بيب اعطاء الراحة للاعبين الأساسيين الذين كان يفكر في اشراكهم بنهائي دوري الأبطال.

كانت هذه الحاجة الجماعية ضد مصالح ايتو الشخصية للعب كل المباريات لكي يحصل على فرصة التتويج بالحذاء الذهبي كأفضل هدافي أوروبا، لذا حاول الضغط على بيب لكي يتركه يلعب ضد مايوركا وأوساسونا ويدفع بأفضل اللاعبين معه ولكن بيب لم يعجبه هذا التصرف.

انفعل إيتو وهو يواصل حفر مقبرته بنفسه ويخبره بأنه اذا ما أراح أفضل اللاعبين فمن سيصنع له الفرص، بل ووصل الأمر لقوله بأنه اذا ما كان ميسي هو من يحتاج هذا الأمر لكانت الأمور ستختلف.

على الرغم من دور ايتو الحاسم وكلمات الإشادة التي قالها جوارديولا بخصوصه في حفل الغداء الذي أقيم بالنادي في نهاية الموسم إلا أنه رحل نحو إنتر ميلان الإيطالي في صفقة تبادلية تضمنت وصول ابراهيموفيتش للنادي الكتالوني.

كانت بداية النجم السويدي رائعة حيث سجل في أول خمس مبارايات لعب بها ومنح جوارديولا بدائل تكتيكية كثيرة بسبب قوته وسرعته وقدرته التهديفية، وعامة كان النصف الأول في ذلك الموسم له مع البرسا كان أكثر من مقبول، ولكن خلال النصف الثاني قلت فاعليته.

كان ابراهيموفيتش يعطي انطباعا بأنه لا يتفهم دوره في النادي حيث كان لا يتحرك كثيرا في الملعب كما لو كان كان مدافعا أخرا يجب على ميسي مراوغته، لذا لم تتأخر المشاكل والخلافات في الظهور ومعها عصبية وشخصية زلاتان القوية.

كان من ضمن تلك الأمور ما حدث في مواجهة برشلونة ومايوركا بالليجا (4-2) حينما احتسب الحكم ركلة جزاء بعد خطأ على ابرا الذي كان لعب بشكل استثنائي ولكنه لم يسجل، حيث تقدم ميسي لتولي مهمة تسديدها ليحرز هدفا، ولكن رد فعل زلاتان كان صارخا حيث هتف لجوارديولا "هذه الركلة كانت لي".

قبل اللعب أمام ريال في الليجا بملعب كامب نو، كان ابرا يعاني من إصابة عضلية وفحوص الأشعة غير حاسمة ولكن بيب لم يكن يرغب في أي مخاطرة في الوقت الذي كان فيه اللاعب السويدي يرغب بالمشاركة.

لذا ظن زلاتان أن هناك مؤامرة ما بين المعد البدني لبرسا لورنزو بوينافينتورا وجوارديولا لعدم اشراكه لذا قال للأول "لا تلعب معي وإلا انتزعت رأسك من مكانها".

في النهاية لم يشارك في الكلاسيكو منذ البداية ولكنه دخل أثناء مجريات المباراة وتمكن من تسجيل هدف الفوز، ولكن هذا لم يغير شيء فخلال أغلب المبارايات كان الفريق يفتح قنوات التمرير من أجل ميسي وهو الأمر الذي لم يكن يتفهمه زلاتان بالمرة.

قبل عطلة أعياد الميلاد اجتمع ابرا مع جوارديولا والمدير الرياضي تشيكي بيجرستاين ليشكو من الأمر وأن الكرة لا تصل له بنفس الطريقة التي تصل لميسي، لدرجة أن بيب فكر لوهلة بأن يغير الأمور ولكنه تراجع لأن هذا الأمر سيعني الإخلال بمشروعه الأصلي.

لم يبدأ العام الجديد بأفضل صورة: ظهر ابرا بحروق على وجهه واكتشف النادي أنها جاءت من قيادته لدراجة نارية للتزحلق على الجليد في السويد دون اتخاذ اجراءات الوقاية اللازمة من الشمس، وهو الأمر الذي يشكل انتهاكا مزدوجا للوائح واستدعى فرض غرامة.

ساءت الأمور أكثر بالنسبة لزلاتان في فبراير حينما نقل بيب ميسي من الجانب الأيمن لمنطقة قلب الهجوم وهنا استرجع ابرا ما حدث مع إيتو في الموسم الماضي ، ولكن مهلا.. هو ليس إيتو!

كان ابراهيموفيتش يشك في أن ميسي هو السبب وراء هذا ولكن الحقيقة أن أحدا لم يرغب في الاستماع لإبرا لأن الفريق كان يتحرك في اتجاه آخر، لذا فإنه أثناء التدريبات حينما كان يعارض بعض القرارات التكتيكية لم يجد من يسانده.

يقول اللاعب السويدي في سيرته الذاتية حول تلك الفترة: "كنت أشعر كما لو كنت لا شيء أثناء وجودي في غرفة الملابس وجوارديولا ينظر لي كما لو كنت الهاء سيء أو شخص غريب، إنه أمر مجنون، لقد كان أشبه بحائط، حائط من الحجارة لا تخرج منه أي اشارة حياة ناحيتي، كنت أرغب في الرحيل عن ذلك الفريق في أسرع وقت".

بدأت حرب باردة بعد ذلك بين الطرفين حيث لم يكن بيب يتحدث مع السويدي الذي يضيفه في كتابه "حينما كان جوارديولا يبدأ فلسفته، لم أكن أستمع له، كان يقول ترهات كبيرة حول الدماء والعرق والدموع وهذا النوع من الهراء، حينما كنت أدخل قاعة كان يخرج منها، كان يحيي الجميع ، ولكن معي كان يتعامل كما لو كنت غير متواجد بالمرة.

وأضاف "حاولت التأقلم كثيرا ولكن لاعبي البرسا مثل أطفال المدرسة، كانوا يتبعون المدرب بطريقة عمياء، فيما كنت أنا لا أتوقف عن التساؤل".

مع بداية أبريل ظهر ابرا في ثوب جديد نسبيا بالمباريات ولكنه أصيب قبل كلاسيكو برنابيو الذي تفجر فيه ميسي بنجاح وسجل أول هدفي الفوز، حيث أجبرت هذه الإصابة زلاتان على الوصول للمنعطف الأخير في الموسم بمستوى أقل من باقي الزملاء ولكن جوارديولا قرر استخدامه في نصف نهائي دوري الأبطال أمام إنتر ميلان وهو القرار الذي كان ضار بالنسبة للاعب والمدرب والفريق حيث تعرض النادي الكتالوني للاقصاء، بعدما لم يقدم اللاعب السويدي شيئا يذكر في المباراتين.

مع نهاية الموسم كان جوارديولا توصل إلى أنه يجب رحيل المهاجم الذي طلبه بنفسه ودفع فيه النادي مبلغا كبيرا مقابل الاستغناء عن صمويل إيتو، على أن يأتي ديفيد بيا بدلا منه، حيث أعير زلاتان لإيه سي ميلان في مطلع الموسم التالي، قبل أن يتم تفعيل خيار شراءه.