أحمد مختار

أردت شيئا من قلبك بقوة، فإن العالم كله يتآمر معك لتحقيق هذا الشيء”، مقولة شهيرة للخيميائي في واحدة من روائع الأديب العالمي باولو كويلو، كلمات تصلح لكل زمان ومكان، ومناسبة جدا لمسيرة المراهق الإنجليزي ديلي آلي، الذي تحولت مسيرته في فترة زمنية وجيزة، من مجرد لاعب هاو في إحدى أكاديميات اللعبة إلى نجم صف أول في البريمييرليغ مع السبيرز.


نظرية الفوضى
ميلتون كاينز دونز، هو نادي كرة قدم إنجليزي يقع في ميلتون كينز. تأسس في عام 2004 ويلعب في دوري البطولة الإنجليزية، مكان صغير احتضن ديلي منذ بداياته، تعلم من خلاله أصول اللعب، وعرفه توتنهام من خلال تألقه مع فرق الأكاديمية داخل هذه المقاطعة، ليحصل على أفضل دراسة خططية ممكنة، قبل بدأ الاحتراف الحقيقي في الدوري الإنجليزي.

يشرح المدرب جيد دافيز، وهو متابع جيد لتدريبات مليتون، استخدام مدربي هذا النادي لفكرة “الفوضى الإيجابية” خلال التمرينات. تدريبات كاملة العدد، 11 لاعبا أمام 11 في ملعب ضيق للغاية، 40 في 60 مترا فقط، مساحة صغيرة بشكل واضح، وذلك من أجل الاستفادة القصوى من مبدأ الفوضى، عن طريق تمركز كل لاعب في كافة أرجاء المستطيل، ومعرفة كل ناشئ بتفاصيل وآليات جميع مراكز الملعب، من الدفاع إلى الهجوم مرورا بخط الوسط.

أدى صغر حجم ملاعب التدريب في ميلتون إلى زيادة معرفة ديلي آلي بجوانب اللعبة، لأنه يجري باستمرار من أول الملعب إلى آخره، بالإضافة إلى تكيفه مع مختلف الأدوار التكتيكية، سواء أثناء لعبه كلاعب وسط مهاجم أو مدافع إضافي، أو حتى مهاجم وحيد، مما جعل اللاعب يتمتع بمرونة تكتيكية أفادته بشدة فيما بعد، حينما احترف الكرة مع الكبار.

تكتيك لاتيني
“اليوم الماضي، شاهدت فريق تحت 15 سنة، حيث لا يقوم المدافعون سوى بمراقبة المهاجمين. هم اختصاصيون، ولا يستفيدون من اللعب. إنها المعاناة، وليس السعادة. كرة القدم ليست كذلك. إذا قام أحدهم بالحركة ذاتها كلّ الوقت، سيكون جيداً فيها، لكن هل كرة القدم حركة واحدة؟”. مقتطفات من حديث أريغو ساكي مع “فيفا”، عندما هاجم الفارس حليق الرأس فكرة التخصص، ودعا إلى اكتشاف مزيد من الأسماء، القادرة على اللعب في أكثر من مركز دون تعقيد.

ماوريسيو بوكيتينو أحد أبرز العقول الكروية في إنجلترا هذا الموسم، أرجنتيني هادئ يكتب اسمه بحروف واضحة وسط الكبار، نتيجة قيادته لتوتنهام ونجاحه في تقديم مباريات مميزة، أمام جميع فرق المسابقة، ليتحول النادي اللندني من مجرد فريق متوسط خلال السنوات الماضية خصوصا أمام الأربعة الكبار، إلى فريق آخر تماما ينافس بقوة على اللقب الثمين.

يلعب بوكيتينو بذكاء خططي واضح، 4-2-3-1 على الورق، تتحول إلى أكثر من رسم داخل الملعب، أهمه على الإطلاق 3-4-2-1 أثناء الاستحواذ والسيطرة على الكرة، من خلال عودة الرقم 15 داير بين قلبي الدفاع ألديرفيلد وفيرتونغين، في سبيل تحول الأظهرة إلى أجنحة صريحة على الخط، داني روز وتريبيير إلى الأمام قرب دائرة المنتصف.

الزئبقي
مع حصول موسى ديبملي على خانة لاعب الارتكاز الوحيد، يساعده أكثر من لاعب على رأسهم ديلي آلي، وذلك للسماح للثنائي الهجومي، إريكسين ولاميلا أو سون بالدخول إلى العمق، واللعب كصناع لعب صريحين خلف المهاجم الأوحد هاري كين، أي يجمع الفريق بين الأطراف ومراكز اللعب في آن واحد، مما يجعل اللعب أكثر تنوعا.

من الصعب تحديد تمركز ديلي آلي في خطة بوكيتينو، صحيح هو لاعب وسط مساند في التشكيلة، لكنه لا يكتفي بالبقاء في رقعة واحدة، بل يتحرك باستمرار لخدمة أفكار مدربه، وجعل خطط الفريق مستحيلة التوقع أمام المنافسين. لذلك حينما يصعد داير بالكرة من الخلف، يعود إريكسين بضعة خطوات للمنتصف، لكي يستلم الكرة من زميله، ويبدأ في توزيع الكرات بعيدا عن غابة السيقان بالثلث الهجومي الأخير.

كرة القدم أقرب إلى الشطرنج، يجب أن تحرك لاعبا في اتجاه طالما حركت لاعبا آخر بطريقة مغايرة، لذلك يتحول آلي سريعا إلى عمق الهجوم، ويصبح مهاجما متأخرا بجوار سون وعلى مقربة من كين، وعند صعود الدنماركي إلى المركز 10 كصانع لعب، يخرج ديلي بعيدا عن الصورة، إلى الطرف حيث مركز الجناح الأيسر، لتتحول الخطة تلقائيا إلى 4-2-3-1.

الهداف المزور
في الحالة الدفاعية، لا يكتفي اللاعب بدوره الهجومي، بل يعود إلى الخلف ويصنع ثنائية الرقابة على الخط مع الظهير الأيسر لفريقه، لذلك قام اللاعب بعمل 33 عرقلة مشروعة خلال 21 ظهورا في الدوري، مع ارتكابه مخالفات عديدة، كدليل على حسه الدفاعي الواضح، خصوصا أن بوكيتينو رجل لاتيني في النهاية، يطلب من لاعبيه دائما الركض المستمر، ويهدف في النهاية إلى لعبة التحولات الخاطفة، من الهجوم إلى الدفاع، والعكس.

دور كين الهجومي ليس فقط في تسجيل الأهداف أو تسديد ضربات الجزاء، بل يحاول المهاجم دائما تشتيت انتباه المدافعين، والتحرك باستمرار من أجل جذبهم إلى خارج مناطق الجزاء، وذلك للقطع السريع من زملائه بشكل عكسي تجاه مرمى الخصوم، وديلي آلي هو الأفضل في هذه اللعبة بدون منافس.

آلي سريع ذو صبغة عمودية واضحة، لذلك يتحول سريعا إلى صانع لعب وهمي، أي لاعب الوسط الذي يرى الفراغ المطلوب، ويتحرك من دون الكرة إلى داخل مربع العمليات بالتبادل مع المهاجم، ليسجل حتى الآن 6 أهداف ويصنع 4، رغم أنه ليس مهاجما من الأساس.