صناعة الفارق والهرم المقلوب (/getty)

أحمد مختار

لقراءة المادة على الموقع الأصلي أنقر هنا

مات الجناح الكلاسيكي مع ألف رامسي وفيكتور ماسلوف، وظهر النجوم الذين يصنعون الفارق على الخط بعد ذلك فيما يعرف بالفانتازيستا، حتى انتشار طريقة لعب 3-5-2 ومشتقاتها في الملاعب الأوروبية والعالمية، إلى ظهور أريجو ساكي، المدرب الذي أضاف عنصر الجمال إلى النظام الخططي، مع الانضباط الكامل وسطوة الأرقام في كييف، حيث يتواجد فاليري لوبانوفيسكي. لتأخذ الكرة الواقعية الصدارة مرة أخرى مع ميلان كابيلو، ثم برازيل 94، المنتخب الفائز بكأس العالم مع ثنائي محوري لا يهاجم أبداً، دونغا وماور سيلفا، لتسير اللعبة وفق نظام تكتيكي معين لعدة سنوات، مع بعض اللمحات والطفرات المميزة.

يورو 2000
بطولة أمم أوروبا 2000 هي الأجمل في الكرة الحديثة، إنجلترا مع ماكمنمان، سكولز، بيكهام في المنتصف، إيطاليا وخطة 3-4-1-2 التي وصلت بها إلى النهائي، فرنسا البطلة بقيادة زيدان، والمهاجم غير التقليدي هنري. بالإضافة إلى ظهور لا يُنسى لهولندا والبرتغال، امتاز المنتخب البرتقالي بديناميكية واضحة، بيركامب، زيندن، أوفر مارس، خلف المهاجم الصريح باتريك كلايفرت، أما برازيل أوروبا فعرفوا طريق التألق مع فيجو وكوستا وبينتو والمهاجم نونو جوميز.

عرفت الكرة في هذه الفترة بصناع اللعب على الطريقة الكلاسيكية، روي كوستا وزيدان وليوناردو وبيركامب، وبقية الأسماء. مع وجود نسخة معينة من لاعبي الارتكاز، لاعب الوسط القادر على قطع الكرات، وصاحب المجهود الدفاعي الوفير. أمثال أمبروسيني وألبرتيني وتوماسي ودافيدز وديشامب ودي ليفيو، وسط دفاعي متكامل لتوفير البيئة الخصبة أمام صناع اللعب بالثلث الهجومي الأخير.

انتشرت طرق لعب 3-4-1-2، 4-4-2 بشكل غير عادي، ثنائي هجومي متقدم وخلفه لاعب يوزع الهدايا، يصنع الأهداف ويسجلها، مع التغطية الشاملة من لاعبي الوسط. كرة قدم قائمة على التخصص في كل شيء، لاعب يدافع وآخر يهاجم، هكذا كانت اللعبة في بدايات الألفية الجديدة.

خوان رومان!
بعد اعتزال مارادونا الكرة، خرجت أسماء جديدة في الأرجنتين، أورتيجا وأيمار وديلساندرو وسافيولا وريكلمي وتيفيز، وأخيراً ميسي، وضع ليو نفسه في مكانة مختلفة، لكنه ليس مجرد صانع لعب فقط، حتى في بداياته مع برشلونة لعب على الجناح، كلاعب طرفي صريح، ميسي خارج التصنيفات اللاتينية، أما تيفيز فيعتبر نصف مهاجم ونصف صانع لعب، لاعب أقرب إلى التسعة ونصف.

ريكلمي مختلف، حينما عقد إدواردو جاليانو مقارنة بين فناني كرة القدم، ونجوم نوادي الرقص الأرجنتينية، كان يقصد لاعبا مثل خوان، إنه صاحب لمسة مختلفة وأسلوب لعب عتيق للغاية، يجعله آخر صناع اللعب على الطريقة القديمة. إنه لاعب من الزمن القديم، عندما كانت الحياة بطيئة، ويأخذ الجمهور الكراسي من البيوت لمشاهدة الكرة في الشوارع والأزقة.

ربما سرعته القليلة هي من جعلته يلعب بهذا الشكل، وفي كل الأحوال ريكلمي يفك شفرة أي أيدولوجية كروية، لأنه ليس نموذجا للنقاش النظري، بل موهبة نادرة جداً ولدت في فترة تحتاج إلى مقومات مختلفة، لذلك أبرز نقاط ضعفه هي سمات هذا العصر، وأهم نقاط قوته لا تتواجد في لاعب غيره!

يبقى التغيير الغريب من بيكرمان في ربع نهائي مونديال 2006، حينما أخرج ريكلمي من المباراة، وبدلاً من إشراك لاعب آخر هجومي، استبدله بالدفاعي كامبياسو، لتنقلب المباراة رأساً على عقب، ويتعادل الألمان، ثم يفوزون بركلات الجزاء الترجيحية.

منتخب الفراعنة
بعد مونديال 2006، انعدمت الفرق والمنتخبات التي تلعب بطريقة 3-5-2، حتى كرواتيا تخلت عنها بسبب وجود صانع لعب غير تقليدي بقيمة لوكا مودريتش. منتخب مصر كان من القلائل الذين حافظوا على العهد، وحققوا بطولات أفريقيا 2006، 2008 بطريقة لعب 3-4-1-2 مع المدرب حسن شحاتة، ونجح الفرعون المصري في هزيمة أعتى منتخبات غرب ووسط أفريقيا، ليفوز في النهاية على أشهر النجوم المحترفين في ملاعب أوروبا.

معظم فرق أفريقيا في تلك الفترة كانت تضم أكثر من مهاجم متميز، لذلك لعبت بخطة قريبة من 4-4-2، بوجود ثنائي هجومي صريح في الأمام، مع وسط مائل للعمق، لذلك ناسبت هذه الخطة كثيراً أفكار المصريين، وواجه شحاتة هجوم المنافسين بثنائي دفاعي صريح، مع لاعب ثالث للتغطية، أما الأطراف فوجدوا أنفسهم بلا أي رقابة، بسبب ميل الأفارقة إلى الاختراق من العمق.

في مباراة نهائي 2008 أمام الكاميرون، قام مدرب الأسود بتحويل الخطة إلى 4-2-3-1 مع إيتو كمهاجم وحيد، فوجد وائل جمعة نفسه كلاعب بدون وظيفة حقيقية، وفي حالة مراقبته لصامويل، فإن زميله شادي محمد يصبح بلا أي دور، وكانت هذه المباراة هي الأصعب بالنسبة للفراعنة، حتى مواجهة سونج وزيدان، وهدف أبو تريكة التاريخي، الذي ضمن للمصريين بطولة جديدة ومهمة.

عاد الهرم المقلوب مرة أخرى داخل أدغال القارة السمراء، لكن العالم الكروي لم يتوقف أبداً عن التغيير، لتسطو خطة 4-2-3-1 على الأجواء بشكل شبه كامل، ويضع جوناثان ويلسون ملاحظات تكتيكية هامة في الصفحات الأخيرة من كتابه، قبل أن يفجر المفاجأة السعيدة، بإمكانية عمل جزء ثان من المجلد، لذلك الحلقة القادمة والأخيرة ستكون مختلفة، وبها تفاصيل مستقبلية دقيقة، كونوا على الموعد.