خورخي فالدانو وماركو فان باستن ()

أحمد مختار 

لمطالعة الخبر على موقعنا اضغط هنا

مع كل حقبة كروية، يختفي السابقون ويأتي اللاحقون وتبقى أسماء قليلة جداً يحترمها الجميع، ويدرسون طريقة اللعب الخاصة بهم، ومن بين هؤلاء يظهر الإيطالي حليق الرأس الذي بدأ حياته كبائع للأحذية قبل أن يحترف مهنة التدريب، ويُشرف على تكوين أحد أعظم أجيال المستديرة، ميلان الثمانينيات وأوائل التسعينيات.

لماذا؟
“ماركو فان باستن كان يسألني دائماً، لماذا يجب أن نفوز في كل مباراة مع أداء مقنع ورائع؟ منذ عدة سنوات، قامت صحيفة الفرانس فوتبول بعمل تقرير حول أعظم 10 فرق في التاريخ، فريقي حصل على المركز الرابع، مع الأخذ في الاعتبار أن أصحاب مراكز الصدارة فرق منتخبات، مجر 54، برازيل 70، هولندا 74. لذلك حصلت على نسخة من المجلة وذهبت بها إلى ماركو، وقلت له كلمات سريعة، لهذا السبب فقط كنت أريد دائماً الوصول إلى الكمال الكروي!”، أريجو ساكي يتحدث فخوراً بفريقه التاريخي.

لم أفعل ذلك لأنني أردت كتابة التاريخ، لكنني فعلت لأنني أردت أن نقدم تسعين دقيقة من الفرح للناس. وأردت إثبات أن السعادة لا تأتي فقط من الفوز، ولكن من طريقة تحقيقه. لقد فعلت هذا من أجل العاطفة، وليس لأنني أردت الفوز مع ميلان بالدوري والأبطال. أنا مجرد رجل أحمل مجموعة من الأفكار، وأنا أحب أن أعرضها على طريقتي الخاصة، صحيح أنها لم تكن مألوفة في البدايات، لكنها لم تضل الطريق في النهاية.

هل الفوز فقط ما يُذكر؟
يتحدث خورخي فالدانو عن فلسفة اللعبة قائلاً، يعتقد أغلب الناس أن النتائج فقط صاحبة الأهمية القصوى، وأن الفوز هو من يتم ذكره بعد مرور عشر سنوات أو أكثر، لكن هذا الأمر غير صحيح بالمرة. نحن نتذكر ميلان ساكي أكثر من ميلان كابيلو، رغم أن فريق كابيلو حصل على عدد بطولات أكبر، وجاء بعد فريق حليق الرأس زمنياً.

ليس ميلان فقط، بل فريق هولندا بالسبعينيات أكثر شعبية من ألمانيا الغربية، رغم أن الألمان هم أصحاب اللقب في 74. العبرة بالبحث عن الكمال، ونحن نعلم أنه لا وجود له، ولكن هذا واجبنا تجاه كرة القدم، وربما، تجاه الإنسانية بأسرها، هذا ما علينا أن نفعله، ومن ثم تكون النتائج.

كان بإمكاني، والكلام لساكي، أن أضع رود خوليت في الوسط، وأن يعود ماركو فان باستن إلى الخلف قليلاً كما يفعل معظم أندية الكالشيو، وبدلاً من الهجوم من الأمام يعود الفريق إلى الوراء حتى منطقة الوسط، ولكننا اخترنا الطريق المعقّد، أن نلعب بخط دفاع متقدم، وأن نهاجم من الثلث الأخير، نخترق من العمق ونضرب بالأطراف، مع خيار التمريرات القصيرة القادرة على فك خلخلة أي دفاع، ومن هنا جاءت الطفرة.

ضد التابوهات
الضغط ليس بالجري أكثر أو العمل بجد بل بالتحكم في المساحات وإجبار الخصم على اللعب بطريقة لا يحبها. إذا تركت منافسك يلعب بأريحية فإنه سيلعب بثقة ويهزمك. الضغط الصحيح أمر نفسي أكثر منه بدني، استراتيجية جماعية، أن يكون أحد عشر لاعباً في وضعية نشطة، فعّالة، قادرة على معارضة المنافس في كل وقت.

نسف أريجو جميع التابوهات الموجودة في عصره، لا لعب بالليبرو ولا أداء دفاعياً بحتاً. بدأ بطريقة 4-4-2 لكن مع ضغط غير طبيعي ونجاعة هجومية فعالة، Pressing Game. عند الهجوم، يجد حامل الكرة خمسة لاعبين معه للمساندة بالإضافة إلى ظهيري الجنب، الفريق يهاجم ويدافع كـ “كتلة واحدة”. اعتمدت فلسفة ساكي على ضرورة فهم اللاعب لتكتيك وسيستم الفريق بشكل كامل وليس مركزه فقط.

بالتالي كانت مطالبته لفرق الناشئين بضرورة تعليم اللاعب الصغير الجوانب الفنية والتكتيكية في كل جوانب كرة القدم. أسلوب قضى تماما على الكلاسيكية الإنجليزية التي تعتمد على التخصص الشديد في الخطط، كل لاعب يعلم مهام مركزه فقط ولا شأن له بأي مركز آخر. اختلاف الميلان في قدرة لاعبيه على التكيف مع أي تغيير داخل الملعب، المرونة التكتيكية التي تجعل مدافعاً مثل ريكارد يتألق كلاعب وسط، ووسط مثل خوليت يجد نفسه في الهجوم.

لكل هذه الأسباب، استحق أريجو ساكي المديح الكامل من خبراء التكتيك، لأنه ساهم في تطوير فنيّات اللعبة، بعيداً عن حسابات الفوز والخسارة، لذلك توقف الهرم المقلوب كثيراً أمامه، قبل المحطة الأخيرة الخاصة بفرق الألفية الجديدة، والمفاجأة وجود منتخب عربي في القائمة. والمتعة ستظل حاضرة بقوة.