يدور الحديث كثيراً في السنوات الأخيرة عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وكيف أن فهمها ومعرفة قوانينهما هي الوسيلة لمعرفة أصل الكون وكيفية نشأته ومعرفة كيف يتمدد الكون منذ الانفجار العظيم.

المادة المظلمة


هو أحد أنواع المواد التي افترض العلماء وجودها، والتي لا يمكن رؤيتها عبر التليسكوبات، لكن يتم الاستدلال على وجودها من خلال الآثار الجانبة التي تطرأ على المواد المرئية والإشعاعات وعلى بنية الكون الواسعة بشكل عام. كل هذه الآثار جعلت العلماء متيقنين من وجود هذي المادة في جميع أنحاء الفضاء.

ولأنه لم يتم الكشف والتحقق من وجود هذه المادة، فهي تظل واحدة من أكبر الألغاز المتعلقة بالفيزياء الحديثة.

من المعروف أن كل مادة في الكون تقوم بامتصاص أو بعكس الضوء من عليها أو بامتصاص جزء وعكس جزء آخر. لكن المادة المظلمة هذه لا تمتص ولا تعكس الضوء مطلقاً، ولا أي نوع آخر من الإشعاعات الكهرومغناطيسية بأي شكل من الأشكال.

وطبقاً للأرقام والبيانات التي حصلت عليها مركبة الفضاء الأوروبية “بلانك”، وهي تمثل مرصدا فضائيا تم بناؤه لقياس الاختلافات في نوع من أنواع الإشعاعات الكونية المسمى إشعاع الخلفية الكونية الميكروويفي، واستناداً إلى النموذج القياسي لعلم الكونيات، فإن مجموع الكتلة – الطاقة الموجودة في الكون (بالتأكيد على أن الكتلة والطاقة هما صورتا عملة لنفس الشيء) تحتوي على ما نسبته 4,9% من المادة العادية، و26,8% من المادة المظلمة، و68,3% من الطاقة المظلمة، هذا هو تكوين الكون الذي نعرفه والذي تمثل فيه جميع الأجسام والأجرام والمجرات والضوء والإشعاعات التي نرصدها نسبة 4,9% فقط لاغير، والباقي هو مادة وطاقة مظلمة لا يمكن رصدها.

كيف فكر العلماء في وجودها؟


علماء الفيزياء الفلكية افترضوا وجود هذه المادة نتيجة وجود تعارض بين كتلة الأجسام الكبرى في الفضاء التي يتم حسابها باستخدام تأثيرات جاذبيتها، وبين كتلة المادة التي يتم حسابها عبر المواد المحسوسة مثل النجوم والغاز والغبار التي تحتويها الأجرام الكبرى.

دراسة العلماء للتأثيرات الجاذبية لهذه الأجرام جعلتهم يتوقعون أن تكون كتل هذه المواد المرئية أكثر مما هي عليه بعد قياساتهم، بمعنى آخر فإن الكتلة الحقيقية للأجرام السماوية عند قياسها بما فيها من مواد يكون أقل من الكتلة المفترض أن تكون عليها هذه الأجرام نتيجة قوة جاذبيتها.

ونعود هنا إلى النظرية النسبية العامة لأينشتاين التي أوضحت أن الجاذبية تنشأ من حدوث تشوه في الزمان والمكان حول الجسم، هذا التشوه يزداد كلما زادت كتلة الجسم وبالتالي تزداد جاذبيته.

تم افتراض وجود هذه المادة لأول مرة عام 1932، من قبل العالم الهولندي جان أورت، لكن دون أدلة كافية على وجودها في ذلك الوقت. هذا الافتراض جاء من خلال عمليات حساب السرعات المدارية للنجوم في مجرة درب التبانة. العالم السويسري فريتز سفيسكي، كان أول من أطلق عليها اسم المادة المظلمة وذلك عام 1933.

وقد تم اكتشاف أدلة أكثر قوة على وجود هذه المادة من خلال منحنيات دوران المجرة (تمثل رسوم بيانية بين مقدار سرعة مدارات النجوم وبين المافة القطرية بين النجم ومركز المجرة) وذلك عام 1939، لكنها لم تنسب للمادة المظلمة في ذلك الوقت. وفي فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي تم ربط هذه المنحنيات بوجود المادة المظلمة. بعد ذلك ظهر الكثير من الأدلة على وجود هذه المادة مثل توزيع درجات حرارة الغازات الحارة في المجرات والتجمعات الكونية.

مما تتكون هذه المادة؟


تتكون هذه المادة في المقام الأول من نوع لم يتم تمييزه بعد من الجسيمات تحت الذرية، جسيمات أصغر من مكونات الذرة نفسها من بروتونات ونيوترونات وإليكترونات. حالياً فإن أحد أكبر التحديات التي تواجهها الفيزياء هي محاولة التوصل لهذه الجسيمات الغامضة.

ولعبت المادة المظلمة دوراً أساسياً في تخليق النجوم في بداية نشأة الكون، ويقول العلماء إن المادة المظلمة تحتوي على جسيمات تسمى “النيوترونات العقيمة”. وقد قام العالم بيتر بيرمان من معهد ماكس بلانك لعلوم الفلك الإشعاعي في بون السويسرية بالاشتراك مع ألكساندر كوسينكو من جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، بإظهار أنه عندما تضمحل النيوترونات العقيمة فإنها تقوم بتسريع عملية خلق جزيئات الهيدروجين. هذه العملية هي التي ساعدت على إضاءة النجوم الأولى في الكون في الفترة بين 20 – 100 مليون سنة بعد الانفجار العظيم.

الطاقة المظلمة

أما عن الطاقة المظلمة فيقول علماء علم الكون الفيزيائي إنها أحد أشكال الطاقة غير المعروفة التي يفترض نظرياً أنها تتخلل كل الفضاء، والأهم أنها هي الطاقة المسئولة عن تمدد الكون حتى يومنا هذا، وكانت نظرية الطاقة المظلمة هي النظرية الأكثر قبولاً للمجتمع العلمي لتفسير التمدد المستمر للكون.

بعض العلماء قال عن هذه الطاقة إنها طاقة الفراغ ذاته. وأنها تملك ضغطاً سالباً. وطبقاً للنظرية النسبية العامة لأينشتاين فإن الضغط السالب يمثل قوة معاكسة لقوة الجاذبية في المقاييس الكبيرة. وتمثل هذه النظرية تفسيراً مقبولاً أيضاً للمادة المفقودة في الكون (كما قلنا في البداية الفرق بين الكتلة الفعلية والكتلة المفترض أن تكون عليها الأجرام العملاقة).

يؤدي هذا بشكل عام إلى تمدد الكون أو انكماشه، فإن المادة المعتادة تعمل على خفض سرعة تمدد الكون لما لها من جاذبية، وتقول النظرية النسبية لأينشتاين أن هناك ثابت كوني له قيمة موجبة والتي تدل على أن الطاقة التي تعمل على تمدد الكون هي أعلى من تأثير جاذبية المادة، وبالتالي يستمر الكون في التمدد. هذا الثابت الكوني سيكون مكافئاً لطاقة تسمى طاقة الفراغ.

تمكن الفلكيون من التأكد من حدوث تمدد للكون عن طريق دراساتهم لقياس الإزاحة للون الأحمر الحادثة في أطياف المجرات، وقد أظهرت مجموعة من الدراسات التي تمت على أحد أنواع المستعرات العظمى (سوبرنوفا) عكس ما كان العلماء يتوقعونه من انخفاض سرعة تمدد الكون مع مرور الزمن، فالقياسات أظهرت زيادة في سرعة التمدد.

ومنذ هذا الاكتشاف والعلماء يرجعون سبب هذه الزيادة في سرعة تمدد الكون إلى المادة المظلمة.

أخطر اكتشاف

ولأن الطاقة المظلمة هي “طاقة” فإن لها بالطبع قوة يطلق عليها اسم “قوة الطاقة المظلمة”. وقد تمكن علماء الفيزياء النظرية من حساب قيمة هذه القوة ليفاجئونا بأنها رقم عظيم لا مثيل له في الكون بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هذا الرقم يكافىء ألف تريليون تريليون تريليون مرة عدد جميع الذرات الموجودة في الكون كله، هذا بالطبع رقم خارج حدود التخيل أساساً، وهو ما يجعل التعامل معه بالعقل البشري أو بالقوانين الفيزيائية أمر مستحيلاً.

يقول علماء: إن الرقم الفعلي لهذه القوة أقل من هذا الرقم، لأنه لو كان كذلك لقام الكون بتمزيق نفسه بالمعنى الحرفي للكلمة. لكنه يظل مع هذا رقماً ضخماً جداً.

فلتتخيل ببساطة ما هي الطاقة اللازمة لتمدد هذا الكون العظيم كله. بالتأكيد قوة لا يمكن تخيلها.