هناك أخطاء عندما يرتكبها عقلك فإنك تدركها مباشرة. تستطيع إعادة تحليل الموقف ومدى منطقية تصرفك طبقًا للمعلومات المتاحة، ثم تحاكم نتيجة الموقف ومدى التزامك بما تؤمن أنه صواب. لكن ماذا عن الأخطاء التي يرتكبها عقلك وأنت لا تلاحظها غالبًا؟ بعض الأخطاء والمغالطات التي نرتكبها تعود لأسبابٍ عميقة في عقولنا والطريقة التي تطوّرت بها عقولنا، تلك منطقة نفوذ «اللاوعي» طبقًا للتصنيف الفرويدي. إدراك هذه الأخطاء يحتاج إلى جهد وتركيز كبيرين، تأتي بعد ذلك مرحلة كيفية التعامل مع هذه الأخطاء والتي تحتاج بدورها مجهودًا أعظم. إليك بعض أشهر هذه الأخطاء التي تنتجها عقولنا.

نحيط أنفسنا بمن يشبهوننا

هذه المشكلة تظهر في أقصى درجاتها وضوحًا هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نميل في العادة لصنع الصداقات مع من يشبهوننا، كذلك نفضل متابعة الشخصيات العامة الذين تتوافق آراؤهم مع آرائنا الخاصة. لسوء الحظ، فإن منصات التفاعل الاجتماعي تعمل بطريقة تزيد الأمور سوءًا، حيث تقوم باقتراح أشخاص معينين لنتابعهم بناء على ما نفضِّله من أفكار، ليس ما هو صحيح أو علمي أو منطقي منها. نفس الأمر بالنسبة للمواد التي نشاهدها من مقاطع الفيديو أو الصوتيات، فتبدأ دوائرنا تتسع بشكلٍ كبير، لكنها لا تحمل أي شكلٍ من التنوع، فأصدقاؤنا على مواقع التواصل هم الأشخاص أصحاب الأفكار المشابهة لأفكارنا، وكذلك الأخبار التي نقرؤها تكون من المصادر نفسها التي تؤكد دومًا وجهات النظر نفسها التي نمتلكها بالفعل، وهكذا تصبح الأمور أسوأ كلما اتسعت دوائرنا.

Embed from Getty Images

يُعدّ هذا السلوك العقلي من الأخطاء المنطقية الشهيرة ويسمى «الانحياز التأكيدي»، ويظهر هذا الخطأ عند اختيارنا لتصديق المعلومات التي تتفق مع آرائنا، في المقابل نستبعد المعلومات والتحليلات التي تتعارض مع أفكارنا ونقلل منها. لا وعينا يقوم بشكل ديناميكي بهذا الخطأ ويسمى «وهم التكرار» تسير امرأة حامل في الشوارع فتبدأ في ملاحظة المنتجات الخاصة بالحوامل في كل مكان بمحيطها، أو عندما نقوم بشراء نوع معين من السيارات، وإذا بنا نلاحظ هذا النوع موجودًا بكل مكان حولنا. تبحث عقولنا عن المعلومات التي تتقاطع بشكل ما مع احتياجاتنا واهتماماتنا وتنتقيها فنبدأ بملاحظتها بكثافة أكثر من المعتاد، في حين نظن نحن أن هناك زيادة حقيقية في تواجد هذه الأشياء.

في عام 1979 أجريت دراسة كلاسيكية بجامعة مينيسوتا أثبتت وقتها أننا لا نتأثر بالانحياز مع المعلومات فقط، لكن ذكرياتنا أيضًا تعمل بنفس الطريقة. قرأ المشاركون في التجربة قصة لسيدة تدعى «جين» تتصرف في بعض الأحيان بنمط انطوائي، وفي مواقف أخرى تتصرف بطريقة منفتحة ومنطلقة. بعد قراءة القصة ببضعة أيام، قُسِّم المشاركون في التجربة إلى مجموعتين، وسئلت المجموعة الأولى إن كانت «جين» بطلة القصة تصلح للعمل أمينة مكتبة، وسئلت المجموعة الأخرى إن كانت جين تستطيع العمل وكيلة عقارية.

كانت إجابة المجموعة الأولى أن جين تصلح للعمل أمينة مكتبة، حيث تذكرت المجموعة أن جين كانت تتصرف بشكل انطوائي، بينما تذكرت المجموعة الثانية تصرف جين بطريقة منطلقة وتوقعوا أن تكون جين ناجحة في عملها وكيلة عقارية، في المقابل عندما سئلوا إن كانت تستطيع العمل أمينة مكتبة كانت إجاباتهم أنها لا تصلح لعمل كهذا. يعمل الانحياز التأكيدي بهذه الطريقة، أنت تمتلك وجهة نظر أو «استنتاجًا» مبنيًا على ملاحظات لا تربطها علاقات واضحة أو معلومات غير موثقة، فنبدأ بإنفاق الوقت والمجهود لجمع الأدلة التي تثبت صوابية استنتاجك بدلًا من البحث إن كان هذا الاستنتاج صحيحًا أو خطأ.

نخلط بين المقدمات والنتائج.. خدعة «جسد السبَّاح»

جامعة هارفارد هي إحدى أكثر الجامعات شهرة حول العالم، دائمًا يكون خريجو هذه الجامعة رواد أعمال ومشاهير ومبدعين في المجالات المختلفة، لكن هل تعتقد أن خريجي هارفارد ناجحون بهذا الشكل لأن المواد الدراسية بهارفارد متميزة للغاية، أم أن السبب هو أن هارفارد تنتقي الطلاب المتفوقين والمتميزين فقط؟

Embed from Getty Images

يشرح هذه الفكرة «رولف دوبيلي» في كتابه «فن التفكير بوضوح» والذي يكشف الطريقة الخاطئة التي يخلط فيها الناس بين المقدمات والنتائج. معظم الناس يعتقدون أن أجسام السباحين الممشوقة هي بسبب ممارستهم الدائمة لتدريبات السباحة، في حين أن الحقيقة هي أنهم سباحون ماهرون بسبب تكوينهم الجسماني الممشوق. يرتكب الأشخاص العاديون هذا الخطأ أثناء تفكيرهم بمشاكلهم العادية، فيعتقدون مثلًا أنهم يواجهون صعوبات في العمل بسبب ضغط الحياة اليومية التي يتعرضون لها، بينما الحقيقة أن الضغوط التي يشعرون بها هي نتيجة للصعوبات التي تواجههم في بيئة العمل. القليل من الناس يستطيع قراءة العلاقة بين المقدمات والنتائج بهذا الوضوح.

القلق على خسائرنا التي وقعت بالفعل

هل تتذكر شراءك قميصًا معينًا، ثم ذهابك لنفس المتجر بعد أسبوع لتجد أن نفس القميص أصبح بنصف الثمن؟ الأغلب أنك لن تتوقف عن النحيب على هذا القميص الذي اشتريته بضعف ثمنه الحالي، إنها خسارة حقيقية بالفعل، لكن ماذا سيفيد النحيب عليها؟

التكلفة المفقودة ليست نقودًا فقط، يمكن أن تكون جهدًا أو وقتًا أو تفكيرًا، وبتعريفها تكون هي الكلفة التي دفعناها بالفعل في سبيل الحصول على نتيجة ما ولن يمكن استردادها. هذه الحقيقة في كثير من الأحيان تكون مؤلمة للدرجة التي تدفعنا بشكل طبيعي لكثرة البكاء عليها، حتى لو كان في هذا السلوك ضرر مباشر.

يعود سبب ميلنا الغريب للنحيب بهذه الطريقة على هذا النوع من الخسائر إلى أننا صُممنا للشعور بالخسائر بدرجة أكبر بكثير من شعورنا بالمكاسب التي نحققها. تطور البشر لإعطاء أولوية أكبر لتجنب المخاطر أكثر من الحصول على مكاسب، هذه السياسة الحذرة في السلوك البشري ضمنت لمن يمارسها فرصًا أعلى لتمرير جيناتهم، ذلك أن هؤلاء الأشخاص لن يخرجوا ليلًا للحصول على فاكهة لذيذة، وبالتالي هم أقل فرصًا لأن يصبحوا فريسة للنمور. من هذا المنطلق، وبمرور الزمن أصبح مفهوم الخسائر عاملًا شديد الأهمية ومتحكمًا بشكل كبير في دوافعنا وسلوكنا أكثر من مفهوم المكسب أو المنفعة.

نرجِّح حدوث أشياء نادرة

في الريف المصري حيث يفضل الأزواج إنجاب الذكور لمساعدتهم في حمل أعباء المعيشة، هناك أسطورة. تعتقد النساء أنه في حالة إنجابها ثلاث أو أربع إناث، فإن ذلك سيجعلها على الأرجح تحصل على طفل ذكر في المرة القادمة، ويزيد إيمانهم بالحصول على الطفل الذكر كلما أنجبوا إناثًا. يشبه الأمر إلى حد بعيد أحدهم يلعب لعبة «ملك وكتابة» ليحصل في خمس مرات متتالية على صورة ملك، فيتوقع أنه في المرة القادمة لابد أن يحصل على صورة كتابة. هي فكرة خطأ ولا تعبر عن الحقيقة، حيث الاحتمالات في الحصول على صورة كتابة تبقى 50% حتى لو كانت النتيجة صورة الملك في آخر 20 لعبة. كما أن فرصة الحصول على طفل ذكر هي 50% في كل الأحوال.

Embed from Getty Images

هذا السلوك غير المنطقي يعود إلى أسباب تدفعنا لمزيد من الشك حول عاداتنا الفكرية وسلوكنا اليومي. السبب الرئيس في هذه المشكلة يعود إلى تضخيمنا للتأثير المفترض للأحداث التي وقعت في الماضي، إلى الدرجة التي نعتقد فيها أن هذه الأحداث سوف يكون لها تأثير على أحداث سوف تقع في المستقبل. لا يمكن أن يحدث هذا الأمر إلا بحالة من التشويش التي تصاب بها ذاكرتنا التي نتذكر خلالها الطريقة التي تحدث بها الأمور.

هذا الخطأ المنطقي لا يقع به الأشخاص متوسطو الذكاء فقط، الأذكياء أيضًا هم عرضة للوقوع بهذا الخطأ ولكن بطريقة أخرى. تحيز التفكير الإيجابي يحدث عندما نعتقد أنه بنهاية المطاف سوف تحدث لنا الأشياء الجميلة ونمتلك الحظوظ الجيدة. لاعبو البوكر والروليت لا يستطيعون تقبل فكرة الحظ السيئ أو الخسارة وتخطي الأمر ببساطة. هم دائمًا يعتقدون أنهم إذا ما حاولوا من جديد فإن الأمور سوف تتحسن. الكثير من الأشخاص يسلكون نفس النمط في المعاملات اليومية، دونما نظر حقيقي لنسبة الحصول على نتائج إيجابية.

نثق بذاكرتنا

إننا جميعًا نثق بذاكرتنا، ونحبها كذلك. هي أحداث كنا نحن الأبطال فيها، أحداث نحبها وأخرى نكرهها. ذكرياتك تعطيك الفرصة للتفريق بين ما يجب وما لا يجب أن تفعله، وهذا ينفعك كثيرًا. تتذكر تلك المرة التي أكلت فيها الكثير من الآيس كريم وعانيت من آلام وحساسية الأسنان، كذلك المرة التي خرجت فيها متأخرًا في ليلة شتوية وأخذت طريقًا موحشًا وكدت تتعرض للسطو، هذه الذكريات تساعدك في اتخاذ قرارات أكثر توافقًا مع مصلحتك الشخصية في المستقبل، وهي من الأمثلة التي يمكن أن ندرك من خلالها كم أن ذاكرتنا هي عامل مهم في بقائنا. إلا أن الذاكرة لها سيئاتها أيضًا.

في دراسة أجرتها «إليزابيث لوفتس» عالمة النفس بجامعة كاليفورنيا، قامت فيها بجمع أشخاص ليشاهدوا مجموعة من المقاطع لحادثة معينة وعرضت عليهم مجموعة من الأسئلة لاختبار قدرتهم على تذكر ما شاهدوه أثناء مقاطع الفيديو. وجدت إليزابيث أن إجابات الناس تختلف بشكل درامي وفقًا لطريقة عرض السؤال، على الرغم من أن الأحداث التي وقعت ثابتة. فمثلًا عند سؤالهم عن سرعة السيارات عندما «تحطمت» كل منهما بالأخرى فإن متوسط السرعة الذي يقترحه الأشخاص بالتجربة يزيد بمعدل سبعة أمتار لكل ثانية عما إذا استخدمت لفظ «صدم» بدلًا من لفظ «حطم».

Embed from Getty Images

كذلك بعد مرور أسبوع من مشاهدة الأشخاص للفيديو، أخبر الأشخاص الذين سمعوا لفظ «تحطم» أنهم يتذكرون زجاجًا مكسورًا، على الرغم من أن الفيلم لم يوجد به أي زجاج مكسور. أثبتت إليزابيث أن استخدام حرف واحد بشكل مختلف قد يتلاعب بذاكرة الأشخاص الذين «شاهدوا» الحادثة بأعينهم. وجدت إليزابيث في دراسة مكملة، أنها عندما سألت أشخاصًا إذا ما شاهدوا «مصباحًا مكسورًا» أو «المصباح المكسور»، أن هؤلاء الذين سئلوا عن «المصباح المكسور» كانوا أكثر عرضة لتذكره على الرغم من أنه لم يكن موجودًا بالأساس.

قدمت إليزابيث سلسلة من التجارب التي تشترك في فكرة أولية وبسيطة من حيث النتائج التي توصلت إليها، وهي أنه يجب علينا إعادة النظر فيما يخص إيماننا بذكرياتنا، وما يمكن أن نعول عليه منها.

الأمر الذي يجب أن نتذكره دومًا، هو أن الذاكرة، على أهميتها، ليست للتقديس. كذلك يجب أن تخضع أحكامنا للحقائق والمعلومات – متى توافرت – وليس على ذكرياتنا.