في المستقبل القريب، سيكون استخدام الأسلاك والمفاتيح الكهربائية لتشغيل الأجهزة الكهربائية شيئًا من تراث الماضي. لأن إيصال الكهرباء لهذه الأجهزة سيكون “لاسلكيًا”.

حاليًا تقوم شركة “واي تريسيتي” في الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على تطوير “الكهرباء اللاسلكية” من أجل تشغيل الأجهزة الكهربائية ذات الاستخدام اليومي. الشركة قامت بالفعل بعمل بعض الاختبارات على لوحات الشحن الخاصة بسيارات تويوتا الكهربائية، وبعض الحواسيب الشخصية. وتتوقع الشركة أنه خلال العشر سنوات القادمة فإن جميع الأجهزة المنزلية ستستمد الكهرباء من قاعدة شحن واحدة.

فما هي القصة؟

الكهرباء

مثل اكتشاف الكهرباء تطورًا تكنولوجيًّا مذهلًا منذ أن قام العالم بنجامين فرانكلين أبحاثه الشاملة بشأن الكهرباء في القرن الثامن عشر. لكن المجتمع العلمي لم يشهد تطورًا سريعًا ومميزًا في مجال الكهرباء وهندستها منذ القرن التاسع عشر على أيدي نيكولا تسلا، وألكساندر غراهام، بل وتوماس أديسون.

واسم الكهرباء يقصد به وجود الشحنات الكهربائية وتدفقها في الموصلات. ويمكن القول إن الكهرباء هي إحدى صور الطاقة التي تعتمد على تدفق الشحنات وحركتها. وقد نتج عن هذه الطاقة الكثير من التطبيقات التي لا يخلو منها بيت ولا مصنع ولا شركة ولا حتى شارع. وأصبحت الكهرباء هي أكثر أشكال الطاقة شيوعًا في العالم، حتى أن أشكالًا أخرى من الطاقة انحصرت مهمتها في الحصول على الكهرباء، مثل طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية والطاقة الميكانيكية والطاقة الشمسية وغيرها.

ومن المعروف أنه حتى يتم الاستفادة من الطاقة الكهربائية وتشغيل جهاز كهربي ما، فإنه لا بد من وضعه في دائرة كهربية مغلقة تتكون من مفاتيح وأسلاك ومصدر للطاقة وغيرها من المكونات. لكن يبدو أن هذا المفهوم الشائع في سبيله للتغير الآن.

الكهرباء اللاسلكية

يطلق عليها علميًّا اسم نقل الطاقة لاسلكيًّا، ويقصد بها نقل الطاقة الكهربائية من مصدر الطاقة للجهاز المستهلك لها بدون استخدام أي موصلات من صنع الإنسان. ويمثل مصطلحًا عامًا يشير إلى عدد من التقنيات المختلفة في نقل الطاقة الكهربائية، والتي تستخدم مجالات مغناطيسية متغيرة مع تغير الزمن.

بالطبع فإن هذه التقنيات تكون مفيدة جدًّا في حال ما إذا كان استخدام أسلاك التوصيل غير مريح أو خطير أو ليس متاحًا. في هذه الحالة يتم إيصال جهاز نقل الطاقة بمصدر الطاقة نفسه (على سبيل المثال ممكن أن يكون مصدر الطاقة هو خط الكهرباء الرئيسي للمنزل)، ويقوم جهاز نقل الطاقة بتحويل الطاقة الكهربائية في الخط إلى طاقة كهرومغناطيسية تبث في نطاق مجال معين، ليتمكن جهاز أو أكثر من الأجهزة الكهربائية من استقبالها وإعادة تحويلها لطاقة كهربائية من جديد.

أنواع نقل الكهرباء اللاسلكية

هناك نوعان من تقنيات نقل الطاقة لاسلكيًّا. النوع الأول هو التقنية غير الإشعاعية، أو التقنية القريبة. وفي هذه التقنية يتم نقل الطاقة الكهربية بواسطة الطاقة الكهرومغناطيسية لمسافات قصيرة باستخدام خاصية فيزيائية شهيرة تسمى الحث الكهرومغناطيسي، والذي يصفه قانون يسمى قانون فاراداي للحث الكهرومغناطيسي، وذلك عبر استخدام ملفات لولبية أو في بعض الحالات عبر استخدام مكثفين كهربائيين.

وتتمثل أبرز تطبيقات هذا النوع حاليًا في فرشاة الأسنان المعاد شحنها، والكروت الذكية، وأجهزة الشحن للأجهزة الطبية القابلة للزرع مثل جهاز تنظيم ضربات القلب الصناعي، كما يستخدم في عمليات الشحن الخاصة بالقطارات أو الحافلات. حاليًا يدور عدد من التجارب لمحاولة استخدام هذه التقنية في شحن أجهزة المحمول والحواسيب الشخصية بدون الحاجة لاستخدام قوابس الكهرباء التقليدية.

النوع الثاني يتمثل في التقنية الإشعاعية أو التقنية البعيدة، والتي يطلق عليها أيضًا اسم “إشعاع الطاقة”. في هذه التقنية يتم إشعاع الطاقة عبر أشعة من الموجات الكهرومغناطيسية مثل أشعة الميكروويف، وأشعة الليزر. أي أنه يتم تحميل الطاقة الكهربائية بعد تحويلها لطاقة كهرومغناطيسية على شعاع من الليزر أو الميكروويف؛ مما يسهل عليها التنقل لمسافات طويلة جدًّا. لكن في هذه الحالة سيكون علينا استهداف الجهاز المراد شحنه كهربائيًّا بشكل مباشر عبر الشعاع.

من الأمثلة المنتظر تطبيق هذه التقنية عليها الأقمار الصناعية التي تعمل بالطاقة الشمسية، والطائرات بدون طيار.

تسلا

العالم الصربي نيكولا تسلا كان أول من أجرى تجربة على نقل الطاقة بشكل لاسلكي مع بدايات القرن العشرين. وقد حاول هذا العالم أن يجعل هذه الفكرة تنتشر بين الناس أكثر مما حاول أي عالم آخر.

في عام 1891، قام تسلا بتطوير جهاز هرتز الخاص بقياس شدة الموجات الصوتية. وفي عام 1893، قام تسلا بتأدية عرض مفتوح قام فيه فإضاءة مجموعة من المصابيح لاسلكيًّا.

بينما في عام 1894، قام تسلا بإضاءة مجموعة من الأنابيب المفرغة لاسلكيًّا باستخدام ظاهرة الحث الكهروديناميكي. وفي عام 1899، نجح تسلا أخيرًا في نقل مائة مليون فولت من الكهرباء عالية التردد لاسلكيًّا عبر مسافة أكثر من 55 كيلومترًا لتضيء 200 مصباح كهربائي، وتقوم بتشغيل محرك كهربائي. كانت هذه تجربة فريدة من نوعها في ذلك الوقت حتى أن أهالي المدينة أطلقوا عليه وقتها لقب الساحر.

كان حلم تسلا في ذلك الوقت هو أن يبني برجًا عاليًا يمكنه أن يمد السفن والمنازل بالطاقة الكهربائية لاسلكيًّا، لكن نقص التمويل حال دون إتمام هذا المشروع، خصوصًا مع إفلاس شركة وستنجهاوس التي كانت تدعمه، وبعد أن قام هو بإنفاق معظم أمواله على تجاربه العبقرية، والتي لم يكتب لمعظمها النجاح.

وقد قام في عام 2007، فريق بحثي من معهد ماساتشوستس الأمريكي بتطوير تجارب تسلا لينجحوا في إضاءة مصباح بقدرة 60 وات لاسلكيًّا عبر مصدر كهربي يقع على بعد مترين وبفاعلية وصلت إلى 70%.

شركة وايتريسيتي

هي شركة أمريكية مختصة في مجال الهندسة، والتي تقوم بتصنيع أجهزة مختصة بعملية نقل الطاقة لاسلكيًّا. وقد قام المدير التنفيذي للشركة إيريك غيلر عام 2009 بعقد عرض توضيحي ضمن مؤتمرات “TEDفي أوكسفورد، حيث أشار إلى أن فكرة الشركة هي تطوير لأفكار العالم نيكولا تسلا، وقام بعرض أحد أجهزة الشركة الذي قام بعملية نقل الطاقة كهربيًّا لتلفاز، وثلاثة أجهزة محمول.
في عام 2011، قامت شركة تويوتا الشهيرة بالاستثمار في شركة وايتريسيتي. وقد قامت الشركة بالفعل بعمل تجارب على لوحات الشحن الخاصة بسيارات تويوتا الكهربائية وسط توقعات مبشرة جدًّا.

العيوب

أحد أهم العيوب الموجودة في هذه التقنية هو اضطرارنا لتعريض الإنسان إلى كميات كبيرة من الطاقة الكهرومغناطيسية التي قد تسبب له أذىً مباشرًا. ومن بين هذه المخاطر إمكانية أن يتعرض الإنسان لصدمة كهربائية مباشرة نتيجة تحول الطاقة الكهرومغناطيسية إلى طاقة كهربائية داخل جسمه.

هذا المجال الكهرومغناطيسي من الممكن أيضًا أن يتسبب في حدوث ظاهرة بيولوجية داخل جسم الإنسان تسمى “التسخين الكهربائي” أو “dielectric heating“. يمكن ضرب المثل بجلوس الإنسان بالقرب من هوائي متصل بجهاز استقبال عامل وذي طاقة عالية، فإذا لمس الإنسان الهوائي فإنه من الممكن أن يصاب بحروق شديدة تشبه الحروق التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان نتيجة فرن الميكروويف. على كل فإن الأمر ما يزال يخضع للتجريب، وليس من المستبعد خلال مدى زمني قصير أو متوسط أن يتم إيجاد حلول يمكن من خلالها تلافي مثل هذه المخاطر.