يُقال أن جيلنا، جيل الألفية الجديدة، لا همّة له يختار أقصر الطُرق وأسرعها ويبتعد كل البعد عن مبدأ نحت الصخر حتى يصل لمبتغاه، أُسوةً بما فعله جيل من سبقونا.

قد تكون تلك الملاحظة صحيحة بنسبة كبيرة، وهذا بسبب عوامل أهمّها توفّر الأدوات التي تُساعد على اختصار الوقت، فالاستفادة من الموارد المُتاحة ذكاء ودهاء وليس كسل أو قلّة همّة، ولعل كمّية الإبداع التي شاهدناها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي مواقع إنتاج وصناعة المحتوى كفيلة بإثبات تلك النظرية.

لكن نفس تلك المواهب بدأت بالغرق والموت، أو إن صحّ التعبير، بدأت تُستهدف بشكل غير مُباشر عن طريق نفس الأيدي التي ساهمت في وصولها لما هي عليه اليوم.

صناعة المحتوى

كانت المُدوّنات الشرارة الأولى التي أنذرت بجيل جديد قادر على التعبير بحرّية بعيدًا عن غطرسة رؤساء التحرير في الصُحف والمجّلات التقليدية التي كانت تبحث عن أقلام مَبْرِيّة مُسبقًا للاستعانة بها. وتلك مرحلة مُهّد لها عن طريق المنتديات التي كانت هي الأُخرى منصّة تدعم إلى حد ما حرّية التعبير.

في ذات الوقت تطوّرت وسائل لمشاركة نوع آخر من المحتوى بعيدًا عن النصوص، فأدوات لإنشاء معارض أعمال للمُصمّمين والمُبرمجين كانت تشق طريقها أيضًا، مع أدوات لدمجها مع المدونات لتتحوّل تلك الأدوات لمنصّات كبيرة تفرّعت منها فيما بعد متاجر إلكترونية لبيع المحتوى الإبداعي بمُختلف أنواعه.

واستمرارًا بالحديث عن المُحتوى الإبداعي جاءت مواقع وتطبيقات مثل يوتيوب، و“فاين“ (Vine)، و“ساوند كلاود“ (SoundCloud)، وكأنها المُحاكي الأمثل للمُدوّنات، فأي شخص لديه فكرة بإمكانه تنفيذها باستخدام هاتفه الذكي أو حاسبه المحمول.

إنشاء مُحتوى جديد في يوتيوب أو فاين أمر لا يتطلّب سوى هاتف ذكي مُزوّد بكاميرا. وتسجيل أغنية وتوزيعها موسيقيًا أيضًا لا يتطلّب أكثر من حاسب ومايكروفون لإتمام كل شيء. ليأتي بعدها دور تلك المنصّات التي ساهمت بخروج ثُلّة كبيرة من أصحاب المحتوى ووصوله للعالمية أيضًا.

نماذج ربحية بسيطة إبداعية توفّرت في ذات الوقت لتشجيع صاحب المحتوى وحثّه على الاستمرار، فإعلانات غوغل مثلًا كانت ملاذًا لا بأس به لأصحاب المنتديات والمدونات، حالهم حال أصحاب المحتوى على يوتيوب، وفاين، وساوند كلاود كذلك.

ومن هنا، كسرت تلك التجربة جميع المحاولات التقليدية التي اعتدنا عليها، فلا الكاتب بحاجة لتسلّق حواجز عالية لإيصال كلماته لدور النشر. ولا الموسيقى بحاجة معدّات احترافية ونوم ساعات طويلة أمام استديوهات الشركات المشهورة لترك قرصه الليزري. ولا المُمثّل بحاجة وساطة أحد أقاربه للوصول إلى أحد المُنتجين.

اغتيال الإبداع

انقلبت القاعدة بعد نجاح تلك التجربة، فصاحب المُحتوى أصبح الملك الذي تطلب كُبرى الشركات ودّه أملًا في التعاون معه، وهذا ليس تكبّرًا بل هو حق مشروع لصاحبه الذي جاء من العدم وأثبت ذاته.

لكن ولأن دوام الحال من المُحال، تكالبت -بشكل غير مُباشر- نفس الأيادي التي قامت ببناء جسور النجاح لتلك المواهب، وهي التي يُمكن تشبيهها بدور استقبال المُحتاجين التي قرّرت فجأة البدء في إغلاق الأبواب أمامهم لأنها لم تكن مُستعدّة بشكل كامل لذلك الإقبال الهائل. ولأنها لا ترغب -بشكل أو بآخر- بتطوير أدواتها أو نماذجها لاستيعاب المزيد، لتعود هي الأُخرى للسقوط في نماذج الجمعيات الخيرية التي يطلب بعضها من المحتاج أوراقًا وكأنه يتقدّم لترخيص وامتلاك مركبة فضائية.

كان من الصعب على تويتر تحويل تطبيق فاين إلى نموذج ربحي، وهذا بعدما حاولت بأكثر من طريقة، لتُقرّر إغلاقه تمامًا لأنها لم تعد قادرة على تحمّل نفقات تشغيله. ساوند كلاود في المُقابل، بدأت هي الأُخرى في الغرق، ونموذج المنصّة التي تسمح لأي صانع محتوى صوتي بشق طريقه بدأ بالغرق أمام نماذج ربحيّة على غرار سبوتيفاي، وآبل ميوزك، وغيرها الكثير.

لم يعد من الحكمة الاعتماد على إبداع صُنّاع المحتوى الجُدد، فكان لا بُد من إعادة السُلطة لأيدي شركات الإنتاج بعد إلباسها ثوب جديد يتمثّل في الشركات الناشئة. لكن وبشكل قاطع لن يتمكّن فرد من نشر ألبومه الغنائي أو أغنيته الأولى على سبوتيفاي أو آبل ميوزك دون الدخول في دوّامات طويلة قادرة على قتل الإبداع بشكل كامل.

يوتيوب هي الأُخرى تفاجئت بالمحتوى الهائل، فملايين المقاطع تُرفع يوميًا على المنصّة الأكبر على العالم، ولهذا السبب قرّرت التفرّد من خلال إطلاق خدمة مدفوعة باشتراك شهري. دون نسيان التغييرات المُستمرّة التي تُصيب النموذج الربحي الذي يعتمد على الإعلانات، وهو نموذج تزداد صعوبة الاستفادة منه يومًا بعد يوم وهذا بشهادة صُنّاع المحتوى أنفسهم.

ساوند كلاود مؤخّرًا قرّرت تسريح أكثر من 170 موظّف مع إغلاق مكتبين من مكاتبها أملًا في الاستمرار في النمو وتقليل المصاريف قدر الإمكان. وهذا إعلان قد لا نشعر بخطره الآن، لكنه قادر على كتابة النهاية لحقبة قاربت على إتمام، أو أتمّت، العقدين من عُمرها.

لو توقّف ساوند كلاود عن العمل، ستختفي تلك المنصّة التي ساهمت في ظهور مواهب موسيقية عديدة للعالم، لتنجح سبوتيفاي ومثيلاتها في الفوز. وهذا يُعطي فكرة بسيطة عن الخطر المُحدق بأي منصّة إبداعية، فيوتيوب بدأت بالفعل بالاعتماد على ”يوتيوب ريد“ كوسيلة لتقديم محتوى مدفوع يختلف من ناحية الجودة عن ملايين المقاطع الموجودة في الجزء المجّاني.

نجاح نموذج يوتيوب المدفوع في إغراء شريحة أكبر مع تناقص أهمّية النموذج الربحي الحالي في المنصّة يعني استهداف جديد للإبداع المرئي. وهذا يعني بدوره غربلة نسبة كبيرة من أصحاب المُحتوى.

ها هي منصّة ”ميديوم“ تسلك نفس الطريق أيضًا وتُقدّم خدمتها المدفوعة. صحيح أن وجود جزء مدفوع من الخدمة لا يعني أن الجزء المجّاني ذاهب، لكنه كفيل بشكل أو بآخر في قتله. ليبقى السؤال الأبرز حول مصير هذا النوع من المنصّات وآلية الحفاظ عليها من نماذج الشركات الكُبرى من جهة، وحول مُساهتها في قتل من كانت يومًا من الأيام سببًا في شهرته من جهة أُخرى.