نستطيع أن نقول بمنتهى الأريحية أن العالم قد تغير بعد أبريل 2015 عما كان عليه قبله، ففي هذا التاريخ تم نشر بحث قامت به مجموعة صينية بقيادة العالم المتخصص في مجال الجينات، جونجيو هوانج Junjiu Huang وفي هذا البحث تم استخدام تكنولوجيا تُدعى كريسبر CRISPR لتعديل جينات جنين بشري للمرة الأولى. الجنين كان ميتًا أي ليس بإمكانه النمو إلى أن يصبح كائنًا مستقلًا، ولكن البحث كان بمثابة إخراج الجنّي من مصباحه، فقد أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن كريسبر يحمل قدرة غير مسبوقة على تعديل الجينوم البشري. هذا بالطبع أعاد مسألة تعديل الجنس البشري إلى الساحة الإعلامية بقوة لإبداء وجهات النظر المختلفة فيها ومحاولة وضع تصور لمستقبل هذه التكنولوجيا.

قبل أن نخوض في الجدال الذي أثاره كريسبر، دعونا نشرحه بصورة بسيطة موضحين ماهيته وكيفية عمله، ولفعل هذا علينا أن نشرح أولًا كيفية عمل الجينات المتواجدة داخل الدي إن إيه DNA.

نعرف أن الدي إن إيه أو الحمض النووي هو المكون الجيني لكل الكائنات الحية وهو عبارة عن شفرة تتكون من أربع مكونات يُطلق عليها القواعد ويُرمز إليها بالأحرف A وT وC وG. الشفرة إذن تتكون من تسلسل هذه القواعد في الحمض النووي بترتيب محدد ومميّز لكل كائن حي، والجينات ما هي إلا مجموعة من هذه التسلسلات تتم ترجمتها عن طريق سلسلة من العمليات لتكوين البروتينات. هذه البروتينات هي التي تحدد صفات الكائن من طوله ولون عينيه وذكائه إلخ… ومن هنا نفهم كيف يمكن للتعديل الجيني أن ينتج كائنا جديدًا ذا صفات مختلفة وهذا ما يفعله كريسبر.

الحقيقة أن عبقرية تصميم كريسبر لم تأتِ من الإنسان بل أتت من كائن آخر لا نشغل بالنا به كثيرًا إلا عندما يصيبنا بالمرض.. البكتيريا، فقد لاحظ العلماء في الثمانينات أن بعض أنواع البكتيريا تحتوي على تسلسلات متشابهة عديدة في حمضها النووي أطلقوا عليها اسم كريسبر، ثم بعد العديد من التجارب وجدوا أن وظيفة هذه التسلسلات هي وظيفة دفاعية للبكتيريا ضد الفيروسات التي قد تصيبها، فهذه التسلسلات تشبه تسلسلات في الحمض النووي لتلك الفيروسات.

لذا ففور أن تشعر البكتيريا بوجود دي إن إيه فيروسي دخيل تنتج جزيء آر إن إيه RNA، أو الحمض النووي الريبوزي والذي يحمل نفس التسلسل في الدي إن إيه ولكن ميزته أن له حرية أكبر في الحركة. ينطلق هذا الجزيء حاملًا معلومات التعرف على الدي إن إيه الدخيل، ولكن ماذا بعد؟ لا يكتفي هذا الجزيء بالوصول إلى الهدف فقط، بل يبحث عن شريكه الوفي والمدمر في ذات الوقت وهو الإنزيم المدعو كاس 9 أو Cas9، هذا الإنزيم الذي ينتمي لمجموعة إنزيمات تُدعى endonucleases ووظيفتها الأساسية تقطيع الحمض النووي. بعد أن يجد جزيء الآر إن إيه هذا الإنزيم، يتحد معه ثم يتجولان سويًّا حتى يجدا الدي إن إيه الدخيل فيدمره الإنزيم. يمكن للقارئ التفكير في هذا الثنائي على أن جزيء الآر إن إيه هو الشرطي الذكي ضعيف البنية وكاس9 هو الشرطي محدود الذكاء قوي البنية، الأول وظيفته استخدام ذكائه للوصول إلى المجرمين والثاني وظيفته إلقاء القبض عليهم وإلقائهم في السجن. للمزيد عن تصميم كريسبر وكيفية عمله اتبع هذا الرابط:

لم تغب إمكانيات هذا الثنائي عن أعين العلماء الذين سعوا للخروج بتطبيقات مفيدة من هذه المنظومة فوجدوا أن جزيء الآر إن إيه يمكن تعديله ببساطة لاستهداف أي جين نريده وبهذا تصبح عملية التعديل الجيني، مثل إلغاء أو إضافة أو استبدال جين معين، ممكنة. بالفعل في عام 2012 تم تطبيق هذه المنظومة لتعديل جينات خلايا مزروعة وأُطلق على هذه التكنولوجيا اسم كريسبر\كاس9 الذي يتم اختصاره عادة إلى كريسبر.

ولكن لمَ كل هذه الجلبة؟ ألا توجد لدينا بالفعل تكنولوجيا لتعديل الجينات؟ بلى، ولكن ميزة تصميم كريسبر أنه تجاوز الطرق القديمة من حيث الفعالية، الدقة في الانتقاء، بالإضافة إلى السرعة، ففيما سبق كان لابد من الانتظار على الأقل عامًا كاملًا وثلاثة أجيال للحصول على فأر معدّل وراثيًا، هذا إذا كان الباحث محظوظًا، أما كريسبر فيمكنه أداء هذه العملية في جيل واحد لا أكثر، بل يمكنه كذلك تعديل أكثر من جين في نفس الجيل.

كان من الطبيعي والوضع هكذا أن يثير كريسبر كل هذه الضجة، خاصة أن أول تعديل في جينات جنين بشري باستخدامه حدث قبل أن تمر ثلاثة أعوام على اكتشاف هذه التكنولوجيا مما أوجب أن يتم الحوار حول مستقبل كريسبر بأسرع وقت ممكن ومناقشة المخاوف العلمية والأخلاقية المصاحبة لاستخدامه.

المخاوف العلمية

مما لا شك فيه أن العلماء استقبلوا كريسبر بحماس منقطع النظير، فقد سهّل عملية إجراء التجارب الجينية إلى حد مذهل مع ما يحمله هذا من وعود لإيجاد طرق علاج جديدة للأمراض المستعصية كالسرطان أو لحماية المريض من الإصابة بالأمراض الخطيرة كالملاريا.

هذا الحماس شابه الكثير من القلق عندما تم نشر بحث هوانج، فقد رأى العلماء أن خطوة استخدام كريسبر على أجنة بشرية هي خطوة سابقة لأوانها، فكريسبر ما زال يتحسس خطاه الأولى. الحقيقة أن هوانج نفسه أشار إلى أن الحديث عن إجراء مثل هذه التجارب مازال بعيدًا، ولهذا السبب استخدم أجنة ميتة، بالإضافة بالطبع للعوامل الأخلاقية.

العامل الأقوى خلف هذه المخاوف يأتي من أن كريسبر – رغم دقته البالغة – مازال غير انتقائي مائة في المائة، معنى هذا أنه لا يعدّل الجين المطلوب فقط بل من الممكن أيضًا أن يعدّل جينات أخرى سليمة عن طريق الخطأ مما قد يؤدي إلى مشاكل أكبر بكثير من المشكلة التي يراد حلها. لكن يصر بعض العلماء أن هذه مجرد مشكلة وقتية وأنهم يستطيعون بمرور الوقت إجراء تعديلات للوصول إلى درجات أكبر من الدقة قد تصل إلى المائة في المائة. يعزز هذا الزعم أنه منذ اكتشاف كريسبر من ثلاثة أعوام، تم إجراء على الأقل ثلاثة تعديلات كبرى حسنت من أدائه عن ذي قبل.

جانب آخر من المخاوف العلمية يأتي من تعقيد النظام البيولوجي البشري، فالعديد من الأنظمة داخل أجسامنا متداخلة في وظيفتها، أي أن تعديل إحدى الجينات قد يؤدي إلى تأثيرات غير محسوبة على مجموعة جينات أخرى. قد يكمن حل هذه المشكلة في أن كريسبر يمكن عكس مفعوله ولكن حتى بهذا لا يزال احتمال الخطر كبيرًا إذا استخدم على البشر.

المخاوف الأخلاقية

ننتقل الآن إلى المخاوف الأخلاقية وهي الأبرز على الساحة الإعلامية. علينا أن نذكر هنا أن معظم المخاوف الأخلاقية لم تأتِ من فكرة التعديل الجيني ذاتها، بل من فكرة تعديل أجنّة بشرية. فالتعديل الجيني في حد ذاته يمكن تطبيقه على البالغين الذين يعانون من مرضٍ ما فيُستخدم في علاجهم من هذا المرض، ومن هنا نرى أن كريسبر لا يختلف كثيرًا عن استخدام الأدوية العادية لعلاج الأمراض.

أما بالنسبة لتعديل أجنة بشرية فهي قصة مختلفة تمامًا، لأن الصفات التي سوف يكتسبها الجنين بهذه الطريقة سوف تُتوارث  إلى الأجيال القادمة بعده مما قد يؤدي إلى تغيير جذري في الجنس البشري نفسه، وهذا الذي يعده الكثيرون خاصة من رجال الدين “لعب دور الله”.

تبرز هذه المخاوف خبيرة علم الأخلاقيات، مارسي دارنوفسكي Marcy Darnovsky، في تقرير أذاعته شبكة PBS، فقد حذرت من التأثيرات غير المتوقعة من مثل هذه التجارب على أجيال المستقبل. حذرت مارسي أيضًا من معايير السلامة غير المضمونة حتى الآن لاستخدام كريسبر على البشر بالإضافة إلى الخطر على المجتمع الذي حتمًا سينقسم إلى أبناء الأغنياء المعدّلين جينيًّا كي يصبحوا أكثر ذكاءً أو صحةً وأبناء الفقراء الذين سوف يُتركون بكل نواقصهم حتى ينقرضوا.

من الجدير بالذكر هنا أن هذه المخاوف الأخلاقية كانت إحدى أسباب رفض ورقة هوانج البحثية من قبل مجلتي Science وNature المرموقتين كي يتم نشرها أخيرًا في مجلة Protein and Cell الأكثر تواضعًا بكثير عن المجلتين السابقتين.

قمة واشنطن                                              

المخاوف السابقة دعت المجتمع العلمي إلى عقد قمة عاجلة في ديسمبر 2015 في واشنطن تحت اسم “القمة العالمية لتحرير الجينات” لمناقشة كل ما يتعلق بكريسبر وتعديل الجين البشري، ولمعرفة مدى الاهتمام الذي حظيت به القمة يكفي أن نعرف أن المستشار العلمي للرئيس الأمريكي شارك فيها مع الأكاديميات الوطنية للعلوم والطب في الولايات المتحدة والأكاديمية الملكية البريطانية والأكاديمية الوطنية الصينية للعلوم، بالإضافة إلى المئات من العلماء البارزين في حقل العلوم الجينية.

شارك أيضًا في هذه القمة الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، وقد ألقى كلمة حول السياق التاريخي لتدخل الإنسان في الطبيعة.

من أبرز المواضيع التي أثيرت كانت المخاوف التي سبق أن تحدثنا عنها بالإضافة إلى مناقشة المعايير التي يجب وضعها للتحكم في استخدام كريسبر لتعديل الجينات البشرية، ويمكننا التماس حيرة العلماء وعدم قدرتهم على مجاراة التطور السريع في استخدام كريسبر – الذي جاء عن طريق هؤلاء العلماء أنفسهم – في تصريحهم الختامي للقمة والذي صرحوا فيه أن القمة لم يكن هدفها إيجاد خطة شاملة للتعامل مع تعديل الجنس البشري، بل بالأحرى وضع الأسئلة المناسبة التي يمكن مناقشتها في قمم ومؤتمرات أخرى.

في الختام علينا أن نقبل بالواقع، وهو أن تكنولوجيا تعديل الجنس البشري قد خرجت من مجال الخيال العلمي لتصبح واقعًا حقيقيًّا أمامنا عن طريق كريسبر. ما علينا فعله الآن هو أن نقف وقفة جادة مع أنفسنا ونحدد موقفنا من استخدام هذه التكنولوجيا، ففي حين أن العديد من الدول لديها استراتيجيات محددة للتعامل مع مثل هذا السيناريو وتسعى دائمًا لتحسينها، إلا أننا في الدول العربية ليس لدينا مثل هذه الاستراتيجيات بسبب انعدام رؤية كامل وبُعد تام عن مواكبة ما يجري في العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست