لماذا يوجد الكون؟ قواعد الفيزياء (سواء النسبية أو فيزياء الكم) كلاهما نقيض وجود الكون بظروف فائقة التحديد (١).

عالم الفيزياء الشهيى هاري كليف(٢) يثير التساؤل حول قوتين يقوم عليهما عمليًّا وجود الكون نفسه، وان اختلوا بأدنى درجة ينهار الكون من أساسه.

القوة الأولى هي قوة “نطاق هيجز” وهي بحر غير مرئي من الطاقة تمسك مجموعة من الجزيئات لتسبح فيها باتساق. يكون كل بحر بما يحويه من الجزئيات أحد البروتونات أو النيوترونات.

تلك هي القوة التي تمسك كل ذرة في الكون وتسمح لها باستمرار البقاء وتحفظ مكوناتها من التشتت،وبدونها يفنى الوجود.

الغريب أن قوة هذا البحر من طاقة غير ممكنة فيزيائيًّا، فطبقًا للنسبية هذه الطاقة إما أن تكون غير موجودة تمامًا كمفتاح تشغيل تم غلقه وبالتالي لا وجود للمادة أصلًا. أو أن يكون المفتاح على وضع التشغيل وبالتالي فهو أقوى بتريليونات المرات من قيمته الحالية. فلا تفلت منه أي جزئية لتسبح بحرية بل يجذب كل الجزيئات بشكل مكثف لا يمكن أن تقوم معه مدارات الذرة نفسها ويصبح الكون كله عبارة عن ذرة رمال واحدة (بل أصغر بكثير).

ولكن الغريب والذي لا يستطيع العلماء تفسيره هو أن قوة بحر الطاقة (نطاق هيجز) قيمتها صغيرة جدًّا. كأنما مفتاح التشغيل تم إغلاقه وقبل أن يغلق تمامًا أمسكته يد ليقف على هذا الحد الضروري للوجود. وأي اختلاف عن هذا سيتشتت الوجود إلى الأبد أو يكثف بشكل أقرب للانهائي.

القوة الثانية الممسكة للكون على النقيض قوة بالغة الضخامة، وهي قوة الطاقة السوداء الموجودة في أعماق الكون. وهي قوة ضخمة تحاول باستماتة وبشكل متسارع تمديد الكون كما لو كانت تصويرًا بطيئًا ولكن متسارعًا لانفجار الكون وتمزيق مادته (٣).

وبالرغم من حجم الطاقة المرعب والذي يشبه مكنسة كهربائية عملاقة تكاد تمزق الكون. فإن قوة الطاقة السوداء محجمة بشكل غير مفهوم. فهذه القوة المرعبة قوتها (كما حسبها العلماء) يجب أن تزيد عن ١٠ آلاف ضعف ما هي عليه الآن، هذا الرقم (قوة طاقة المادة السوداء) أكبر من عدد الذرات الموجودة في الكون كله ألف ترليون ترليون ترليون مرة. وإن استخدمت بالفعل هذا القدر من الطاقة فلن تستطيع قوة في الكون أن تقاومه، حتى طاقة نطاق هيجز الممسكة بالذرات، وسيتمزق الكون حتى الذرات نفسها ستتمزق إلى أشلاء.

فما الذي يمسك بهذه الطاقة الكبيرة أن تمزق الكون وما الذي يمسك بطاقة هيجز أن تحافظ على وجود الذرة. كلتا الطاقتين ممسوكتين بشكل غير ممكن علميًّا، ولا فيزياء الكم ولا النسبية تتسق مع هذا.

النظرية الوحيدة التي قد تقدم تفسيرًا ما هي نظرية الأوتار والتي تفترض – بشكل نظري ليس عليه دليل – أن الكون المادي مكون من خيوط رفيعة جدا من الطاقة. ولكي تكون هذه النظرية ممكنة حسابيا (٤) كافتراض نظري اضطر العلماء أن يضعوا مزيدًا من الافتراضات مثل أن هناك أبعاد أخرى أكثر بكثير من الأبعاد الأربعة المعروفة (فافترضوا ما بين ١٠ إلى ٢٦ بعدًا) وبالتالي فهناك أكوان أخرى موازية لا ندركها لأنها خارج نطاقنا. وبالرغم من أن هذا الحديث موغل في النظرية إلا أن الفيزيائيين لم يعد لديهم ما يفعلونه ليفسروا وجود الكون حتى أصبح هذا الفرع من العلم مجرد تخيلات نظرية وإثبات إمكانيتها حسابيًّا. لدرجة أن الآن عموم العلماء قلقون بأن توسع الفيزياء في هذا الأسلوب النظري (التخيلي) لم يعد علميًّا بالمعني التجريبي الموثوق فيه (٥) وأن الفيزياء تنجرف أكثر وأكثر بعيدًا عن التجريب والأدلة إلى الفلسفة والرياضيات.

عودًا إلى هاري كليف، فالمشكلة الأخرى في نظرية تعدد الأكوان أنها تفترض مئات وآلافًا من الأكوان الأخرى التي تختلف بشكل عشوائي عن كوننا. ولكن قيام الكون بذاته وعدم تمزقه مربوط بتحديد دقيق للقوتين الممسكتين به وهما القيمة الغريبة لطاقة نطاق هيجز والقيمة الأغرب للطاقة السوداء. المشكلة أن كل الأكوان التي لا تتطابق تمامًا مع هاتين الطاقتين لن يكون لها وجود فيزيائي يمكن اختباره. وبالتالي الأرجح أن تظل هذه الأكوان مجرد افتراضات ممكنة نظريًّا ولا يمكن التحقق منها.

وإن قصرت جميع الحيل الممكنة عن إيجاد بديل، فقد تظل الفيزياء غير قادرة على فهم ما الذي يمسك الكون ألا يتمزق. وبالتالي لا يمكن إجابة السؤال الأول:

“لماذا يوجد الكون؟ وكيف يظل قائما؟”.

تعقيب مهم وهو أني كمسلم أعتقد ان الله هو القيوم وهو الممسك بكل شيء، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن قيومية الله لا تتحقق إلا بسبب ميتافيزيقي. بل على الأرجح (مما شاهدناه من سنن الله) أن هناك خلق لله فيزيائي آخر هو السبب في هذا الإمساك.

فجاذبية الارض تمسك القمر من التشتت في الفضاء وكل من الأرض والقمر بكتلتهما المحسوبة والجاذبية نفسها من خلق الله عز وجل. وإن صدقت نظرية الأوتار وكانت الأرض والقمر والجاذبية هي عبارة عن طاقة في أشكال مختلفة، فمعنى هذا أن كلهم بشكل حرفي قائمين بقيومية الله ويصمدون إلى الله الصمد كما تصمد الموجات الصوتية إلى مصدرها.

وبالرغم من إيماني بأن التفسير الميتافيزيقي ممكن، وفي قدرة الله، بل وفي سننه أيضًا. ولكني لن أتسرع بترك البحث العلمي وألجأ للتفسير الميتافيزيقي بأن الله يمسك الكون بلا أسباب.

فالراجح أن الكون ممسوك بأسباب وإن كنا لا نعلمها الآن. وهذا هو ما نسميه في أدبيات الإسلام الغيبيات.

في الإسلام يتساوي في الغيبيات كل من الميتافيزيقا والأسباب الفيزيائية غير المعروفة بعد. وعلى عكس كثير من المعتقدات الأخرى، فالإسلام لم يأمر الناس بافتراض التفسير الميتافيزيقي في الغيبيات. ولكن أمر أن يتعامل معها بشكل عملي، فلا يجب أن يخوض فيها أحد إلا بثلاثة طرق لا غير:

إما بالعلم المادي والتجريبي. فلا يخاض فيهم تنظيريا وتخيلا من مدعي العلم.

ولمن لا يمتلك العلوم التجريبية فبالنقل والتفسير لما ذكره الله تعالى عن الغيبيات، بلا تأويلات خيالية لإعطاء الطابع الدرامي ولا بترديد ماينتشر من الأحاديث الموضوعة وتأويلات مدعي التصوف.

ومن لا يمتلك أيًّا من العلمين فيلزم نفسه الفهم البدائي الفطري وهو أصح بكثير مما يظنه الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست