منذ الثورة الصناعية التي شهدتها إنجلترا في القرن الثامن عشر، بدأ العالم يتحول إلى عصر التكنولوجيا والصناعات الحديثة، وانعكس هذا الأمر بشكل واضح على حياة الإنسان ورفاهيته وبحثه عن سبل أعلى وأكثر كفاءة للراحة والتمتع بحياته.

عندما نذكر كلمة الثورة الصناعية فغالبيتنا يعتقد بوجود ثورة صناعية واحدة فقط هي تلك التي حدثت في إنجلترا، لكن العالم شهد حتى الآن 3 ثورات صناعية وهو على أعتاب الثورة الرابعة. كيف حدث هذا؟

جدير بالذكر أن “ثورة صناعية رابعة” هو الشعار الحالي لمنتدى دافوس الاقتصادي.

الثورة الأولى


هي تلك الثورة التي تم خلالها انتشار وإحلال العمل اليدوي بالماكينات. فقد بدأت هذه الثورة في إنجلترا منذ عام 1760 وحتى 1820، ثم انتقلت بعدها إلى دول غرب أوروبا ومنها إلى جميع أنحاء العالم. ومن أبرز ملامح هذه الثورة هو إحلال الآلات محل الأيدي العاملة البشرية بشكل جزئي وتصنيع مواد كيميائية جديدة وانتشار عمليات تصنيع الحديد وتحسين كفاءة الطاقة المائية وزيادة استخدام الطاقة البخارية وظهور نظام المصانع.

صناعة المنسوجات كانت هي الصناعة المهيمنة على الثورة الصناعية الأولى، من حيث فرص العمل، وقيمة الإنتاج، ورأس المال المستثمر. وهذا يعود إلى أن هذه الصناعة كانت هي الأولى من حيث استخدام الآلات الحديثة التي ظهرت مع الثورة الصناعية.

انتشار الثورة الصناعية في بريطانيا أدى إلى انطلاق ثورة زراعية بها منذ منتصف القرن الثامن عشر، مما ساهم في تحسين المستوى المعيشي لسكان الأرياف حيث تزايد إقبالهم على استعمال المعدات الزراعية المتطورة التي أفرزتها الثورة الصناعية، وبدأ سكان الأرياف يعتمدون على جانب من مدخراتهم في تطوير المشاريع الصناعية.

الثورة الزراعية وما صاحبها من إدخال الآلات والوسائل الحديثة في الزراعة أدى لسيطرة المكيات الكبيرة والاستغناء عن نسب كبيرة من العمال الزراعيين، هذا الأمر أدى لتوفير أيدي عاملة رخيصة وكثيرة للعمل في المصانع. كما ساهمت الثورة الزراعية في بريطانيا في تجمع رصيد ضخم من الأموال نتيجة التجارة الواسعة بين مستعمراتها فأدى لانتشار البنوك التي شجعت العديدين على الاقتراض وإقامة المشاريع الصناعية.

وقد تزامن ظهور الآلات وانتشارها الكبير مع الاحتياج إلى إلى مصادر جديدة من الطاقة، تم استخدام الفحم الحجري ثم البخار ثم الكهرباء من أجل تشغيل المحركات والآلات والسفن والقاطرات.  نستطيع أن نقول إن الثورة الصناعية الأولى هي التي أدت لوجود وسائل النقل وتسهيل عمليات التنقل بين المدن والبلدان.

كما أدت هذه الثورة هي التي أدت إلى ظهور النظام الرأسمالي في الاقتصاد يرتكز على حرية العمل والمبادلات، وتحسنت أوضاع الناس المعيشية وازدهرت حركة العمران وزاد الإنتاج الصناعي بشكل كبير مما جعل الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها إنجلترا أن تصبح دولاً مقرضة نتيجة وجود فائض ضخم من الأموال لديها.

من ناحية أخرى فقد أدت هذه الثورة إلى تغير مجتمعي ملحوظ، لتنشأ طبقتين رئيسيتين هما طبقة أرباب العمل البرجوازيين، وهي الطبقة التي سيطرت على الحياة الاقتصادية. والطبقة الثانية هم العمال الباحثون عن وظائف. هذا الأمر أدى لحدوث تفاوت مجتمعي واضح مما أدى لضرورة تدخل الدولة للحد من سلبياته. من هنا ظهرت التشريعات الخاصة بحد أقصى لساعات العمل، وحد أدنى للأجور، والتأمين الصحي على العمال، والتأمين ضد الحوادث وغيرها.

الثورة الثانية


وتعرف باسم الثورة التكنولوجية. بدأت هذه الثورة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى. بدأت هذه الثورة مع اكتشاف طريقة لتصنيع الصلب تسمى طريقة “بسمر” في ستينيات القرن التاسع عشر. هذه الطريقة كانت أول عملية صناعية غير مكلفة لانتاج كميات كبيرة من الحديد الصلب من الحديد المنصهر المصبوب، مما أحدث ثورة في صناعة الصلب وتقليل تكلفته.

تطورت هذه الثورة بشكل متسارع في دول أوروبا الغربية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى الولايات المتحدة واليابان. وفي الوقت الذي تمركزت فيه الثورة الصناعية الأولى حول الحديد وتقنيات البخار وصناعة المنسوجات، فإن الثورة الصناعية الثانية تدور حول صناعة الصلب والسكك الحديدية والكهرباء والمواد الكيميائية.

أطلق على هذه الفترة أيضاً اسم “عصر التآزر” وهو العصر الذي شهد تطور غالبية الابتكارات الكبرى، وبعكس الثورة الأولى فإن غالبية الاختراعات في هذا العصر كانت تقوم على العلم. وساهمت هذه الثورة الصناعية في انتاج نطاق واسع من النظم التكنولوجية الحديثة التي لم تكن معروفة من قبل مثل التليغراف وشبكات الغاز والمياه والصرف الصحي والسكك الحديدية، بعدما كانت هذه الخدمات مقتصرة على نطاث ضيق ببعض المدن. ظهور التليغراف ساهم بسهولة نقل الأخبار والأفكار بين دول العالم في وقت ضئيل جداً، مما سمح ببداية ظهور عصر العولمة وتحول العالم لقرية صغيرة. وسرع من هذا الأمر ما تم إدخاله من شبكات الكهرباء والهواتف.

وقد بشرت هذه الثورة بعصر الانتاج الشامل ذي الكميات الضخمة أو ما يطلق عليه بالإنجليزية “mass production”.

الثورة الثالثة


هذه هي الثورة التي يحياها العالم حالياً. العصر الرقمي للتصنيع. في الثورتين السابقتين كانت المصانع قوم بضخ كميات ضخمة من المنتجات المتماثلة، حتى أن هنري فورد (مؤسس شركة فورد الشهيرة لصناعة السيارات) كان يقول إن من يرغب في الحصول على سيارة بلونه المفضل فإنه سيحصل عليها طالما أن لونه المفضل هو الأسود.

في الثورة الحالية فإن تكلفة إنتاج كميات قليلة من منتجات متنوعة تناسب الأذواق المختلفة آخذ في الانخفاض نتيجة التقنيات المذهلة من برمجيات متطورة وروبوتات مساعدة ومواد جديدة لم نكن نرها في السابق وأساليب جديدة في التصنيع مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد مع مجموعة متكاملة من خدمات الإنترنت.

الثورة الصناعية الثالثة تمثل عصر “الديجيتال” أو التحول من عصر الإشارات التناظرية “analog” والعصر الميكانيكي والكهربائي إلى العصر الرقمي. بدأت هذه الثورة في أواخر خمسينات القرن الماضي مع ظهور أجهزة الحاسوب والتسجيل الرقمي.

وقد ارتبطت هذه الثورة بما يطلق عليه اسم عصر المعلومات، لأن هذه الثورة الرقمية أدت إلى تطور أساليب وطرق جمع وإرسال المعلومات حول العالم في اللاوقت تقريباً، لتصبح هذه الثورة هي قلب العولمة التي يعيشها العالم حالياً. الآن توجد عدد كبير من المصانع العملاقة التي تدور بشكل جزئي بواسطة الروبوتات وأجهزة الذكاء الصناعي، لكن هذه المصانع لاتزال تعمل عبر غدارة مباشرة للبشر وتدخلهم المباشر عند حدوث أعطال.

الثورة الرابعة


تخيل معي التالي:

أنت في عام 2015، تستيقظ من نومك في الساعة السابعة صباحاً بواسطة ساعتك الذكية بعدما نمت بعمق بلا أحلام. وبمجرد أن قمت بالاعتدال في سريرك، دبت الحياة في منزلك بالكامل. فالحمام قام بإشعال الضوء به وحوض الاستحمام بدأ في صب المياه الساخنة به استعداداً لقدومك وأخذ حمامك الصباحي المعتاد.

بعد ذلك قمت بارتداء “تي شيرت” الذي أخذ مقاس جسدك بشكل ملائم تماماً، وأثناء تحققك من هاتفك الذكي فوجئت بأن بطاريته على وشك النفاذ، لكن الهاتف يعطيك تنبيهاً بأنه لاداعي للقلق فعملية استبدال البطارية تتم الآن داخلياً دون مشاكل. بعد ذلك تسمع صوت سيارتك وهي تدور في المرآب استعداداً لوصولك وأخذك للمصنع العملاق الذي تديره. تاتي لك رسالة تنبيه على هاتفك بأن أحد الآلات في المصنع قد تعطلت وأن عملية التصليح الذاتي قد بدأت بالفعل وأنها ستنتهي خلال ساعة تقريباً.

الحقيقة أنك لم تذهب للمصنع منذ شهر تقيرباً وزيارتك في هذا اليوم هي لمجرد أن تشعر برغبة في رؤيته لا أكثر، فالمصنع يدير نفسه بالكامل ويعتني بنفسه في كل الحالات الطارئة التي قد تستجد.

أهلاً بك إلى العالم في أعقاب الثورة الصناعية الرابعة، حيث كل الأشياء التي تستخدمها بشكل يومي هي أشياء مصنوعة لك حسب الطلب، كما أن هذه الأشياء تتحدث مع بعضها البعض من أجل العمل على زيادة رفاهيتك.

هذه الثورة تنبأ بها الألمان منذ 4 أعوام تقريباً، ثورة حيث كل ما يحدث في هذا العالم يدور حولك أنت فقط لا غير. فتستمد هذه الثورة اسمها من مبادرة تمت عام 2011 من قبل رجال أعمال وسياسيين وأكاديميين، الذين قاموا بتعريفها على أنها وسيلة لزيادة القدرة التنافسية للصناعات التحويلية في ألمانيا من خلال زيادة دمج “الأنظمة الإلكترونية الفيزيائية (CPS) في عمليات التصنيع. ملخص الأمر هو زيادة دمج أنظمة آلات يتم التحكم بها إلكترونياً.

هذه الأنظمة تمثل آلات ذكية متصلة بالإنترنت، هنا سيكون دور مديري المصانع هو خلق وتكوين شبكة من الآلات التي ليس فقط تقوم بعمليات الانتاج بأقل قدر من الأخطاء، ولكن يمكنها أن تغير بشكل مستقل وذاتي أنماط الانتاج وفقاً للمدخلات الخارجية التي تحصل عليها مع احتفاظها بدرجة عالية من الكفاءة.

هذه الآلات متصلة بالإنترنت وبالتالي هي على اطلاع بما يحتاجه العالم من منتجات قد تتغير فيها الأذواق، وبالتالي تقوم بتغيير أنماط وأشكال وحتى ألوان ما تقوم بتصنيعه طبقاً لحاجة العالم في الخارج.

تبنت الحكومة الألمانية بالفعل هذه المبادرة معلنةً أنه سيتم اعتماد استراتيجية التكنولوجيا المتقدمة في البلاد. وقد قامت الولايات المتحدة أيضاً، من بين دول أخرى، بالفعل بتبني هذه المبادرة أيضاً وقامت بتأسيس جميعة غير ربحية للإنترنت الصناعي في عام 2014 بقيادة عمالقة الصناعة الأمريكية مثل جينيرال إليكتريك وآي بي إم و(at&t) وإنتل.

كيف يبدو شكل الثورة الرابعة؟


واحدة من أكثر الجوانب الملموسة للثورة الصناعية الرابعة ستكون فكرة تصميم الخدمات الموجهة. هذا الأمر يتراوح بين قيام الزبائن أنفسهم باستخدام إعدادات المصنع نفسه لإنتاج منتجاتهم الخاصة (ستقوم أنت بالدخول على تطبيق المصنع على هاتفك الذكي وتعطيه مواصفات المنتج الذي تريده ليقوم بتصنيعه على الفور بشك أوتوماتيكي كما لو أنك دخلت على حسابك البنكي وقمت بتحويل مبلغ ما لحساب آخر)، وبين قيام الشركة نفسها بانتاج المنتجات الفردية لفراد بعينهم طبقاً لما يريدونه من مواصفات.

من جهة أخرى فإن هذا الأمر معناه أن المنتجات المصنعة ستتواصل بشكل تلقائي ودائم مع المصنع نفسه، فلو أن هاتفك الذكي على سبيل المثال عرف موعد نهاية عمره الافتراضي في المستقبل القريب، فسيقوم الهاتف بإعطاء ملاحظة للمصنع والذي سيقوم بدوره بتغيير مستويات انتاجه ليعكس المعلومات التي منحها إياه هاتفك الذكي. بمعنى آخر فإن عملية “الفيد باك” الخاصة بالمنتجات المصنعة ستكون ذاتية مما يساعد المصنع بشكل تلقائي على تطوير طريقة تصنيعه.

ليس هذا فحسب ولكن هذا الأمر معناه أيضاً أنه بمجرد أن يتوقف هاتفك الذكي عن العمل فستجد هاتف آخر جاهز تم تصنيعه خصيصاً لك ليحل محله على الفور، وسيكون الهاتف الجديد على نفس الشكل الذي تفضله والذي كان عليه هاتفك القديم المفضل.

لا تجعل الدهشة تصيبك الآن، فهناك المزيد. هل تعلم أن الشامبو الذي تستخدمه سيكون مخصص لك أنت وحدك بما يناسب نوع شعرك وطبيعة فروة رأسك وما قد يكون بها من قشرة أو التهابات ما. وكل هذا بدون أي تكلفة اقتصادية زائدة عن سعر المنتج. فعندما تطلب من شركة أبل مثلاً أن تنتج لك لابتوب خاص بك فإن سعر الجهاز سيكون أضعاف السعر الأصلي للجهاز المعتاد، لكن في الثورة الصناعية الرابعة فأنت ستحصل على جهازك الخاص بالمواصفات التي تتمناها دون أي تكلفة إضافية.