تمكن رائد الفضاء الأمريكي، سكوت كيلي، من استنبات زهرة تدعى “زينيا” وذلك على متن محطة الفضاء الدولية. بدأ رواد الفضاء الموجودون على سطح هذه المحطة في محاولة زراعة هذا النوع من الأزهار في أواخر العام الماضي لكن جميع محاولاتهم السابقة باءت بالفشل.

عندما بدأ رواد الفضاء في زراعة هذه الأزهار، فقد لاحظوا بعد مرور أسبوعين أعراضا تتمثل في ارتفاع نسبة الرطوبة المفرط وقلة تدفق الهواء، كما بدأت أحواض النباتات بتسريب الماء. أيضا لاحظ رواد الفضاء أن الأوراق أصبحت منحنية وملتفة بشكل غير طبيعي. وبحلول عيد الميلاد كانت بعض الأزهار قد أصابها العفن.

مبادرة كيلي

رائد الفضاء الأمريكي سكوت كيلي، أخذ على عاتقه مهمة زراعة هذه الأزهار بعد الفشل الذي مني به الرواد السابقون. وأرسل كيلي لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا يخبرها أنه هو الذي سيحدد متى يرويها بالماء وأنه لن يسير على الجدول الذي كان موضوعًا مسبقًا، وقال كيلي “إذا كنا سنذهب للمريخ ونزرع النباتات، فسنكون مسؤولين عن متى تحتاج الماء”.

ولم يكن الطريق أمام كيلي بهذه السهولة، بل إن بعض النباتات قد ماتت بالفعل في نهاية الأمر، لكنه نجح في رعاية واحدة منها على الأقل حتى أزهرت أخيرًا.

كيلي نشر عبر صفحته على موقع تويتر تغريدة تحوي صورة للزهرة، موضحا بكل فخر أنها أول نبتة تزهر على متن محطة الفضاء الدولية.

— Scott Kelly (@StationCDRKelly)

ليست الأولى في الفضاء

موقع “ناسا ووتش” المهتم بأخبار وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، ذكر أن زهرة الرائد الأمريكي ليست هي النبتة الأولى التي تزهر في الفضاء، لكن سبقتها نبتة “أرابيدوبسيس”، وهي النبتة التي دخلت موسوعة غينيس كأول نبتة تزهر في الفضاء، عندما نجح أحد طواقم رواد فضاء محطة “ساليوت-7” السوفيتية في رعايتها والاهتمام بها حتى أزهرت في عام 1982، وأنتجت بذورا أيضا. وكانت دورة حياة هذه الزهرة البالغة 40 يوما قد تمت على خير دون مشاكل.

في عام 1984، وعلى متن نفس السفينة السوفيتية “ساليوت-7” تمكن رواد الفضاء من زرع بذور واستنباتها ومتابعة عملية نموها حتى أنتجت الأعضاء الخضرية والتناسلية، وطبقًا للنتيجة النهائية التي توصلوا إليها فقد نجحوا في الوصول بها لمراحل التلقيح ومرحلة التطور الجنيني والنضوج التام.

في أبريل من عام 1996، تم تطوير المرحلة التناسلية لزهرة “أرابيدوسيس ثاليانا” والتحقق منها تحت ظروف الفضاء الخارجي على متن سفينة الفضاء “STS-51”. تم البدء في التعامل مع النباتات قبل الوصول للمرحلة التناسلية لتقوم بإنتاج الأزهار خلال الأيام العشرة وهي مدة المهمة الخاصة بالسفينة. وتم إنتاج 500 زهرة في المجموع باستخدام 12 زهرة أولية سواء على متن سفينة الفضاء أو في محطة المراقبة الأرضية، ليلاحظ العلماء عدم وجود أي فروق تذكر بين الزهور الأرضية أو الفضائية.

وفي عام 2012، تم الوصول بنبات عباد الشمس إلى مرحلة إنتاج البذور، لتنشأ بذور بنية ذابلة وغير اعتيادية في شكلها لكنه أمر طبيعي ومفهوم نتيجة الظروف المختلفة في الفضاء عن سطح الأرض. فقد تمكن رائد الفضاء الأمريكي دون بيتيت من زراعة عدد من النباتات المختلفة بينها عباد الشمس في أكياس بلاستيكية أحضرها هو معه من الأرض في محاولة لإجراء هذه التجربة الشخصية وليست الرسمية.

ما يميز التجربة الناجحة الأخيرة هو كونها أول نبتة تتم زراعتها من البداية للنهاية في إحدى المهمات الرسمية لوكالة ناسا الأمريكية.

استكمال التجارب

وعلى الرغم من موت الكثير من النباتات خلال تجارب رواد الفضاء بالمحطة الدولية، إلا أن هذه النباتات الميتة ستكون مفيدة جدا عندما يأخذها الرواد إلى الأرض بعد عودتهم من أجل دراستها ومحاولة فهم كيف تختلف زراعة النباتات في الفضاء الخارجي وخصوصا في كوكب المريخ عن الزراعة على كوكب الأرض.

اختيار زهرة “زينيا” لم يكن عشوائيا، لكنه يعود إلى امتلاكها لدورة نمو أطول من الخس الروماني الذي قام الطاقم بزراعته من قبل. هذه الأزهار ستكون منطلقا مناسبا لمحاولة زراعة الطماطم في وقت لاحق.

وقد استطاع طاقم محطة الفضاء الدولية من قبل زراعة الخس الأحمر وتمكن من تناوله بعد زراعته ونضجه، لكن تناول الطماطم سيتطلب المزيد من الوقت كي يصل إلى رواد محطة الفضاء، خصوصًا وأن ناسا لا تخطط لإرسال بذور الطماطم للمحطة حتى حلول عام 2018.

— Scott Kelly (@StationCDRKelly)

الفائدة

عندما يقوم العلماء بدراسة الأشياء الغريبة التي قد تظهر على النباتات التي يتم زراعتها في الفضاء في وسط يتميز بضعف الجاذبية الأرضية، فإن هذه الدراسة ستمكنهم لاحقا من تصميم أفضل لمعدات نمو النباتات وتطوير الإجراءات التي يمكن أن تجعل من الممكن لرواد الفضاء الاعتماد على المحاصيل الطازجة خلال بعثات رحلات الفضاء طويلة المدى.

وكالة الفضاء الأمريكية ناسا تشير أيضا إلى أن عملية زراعة النباتات على متن المحطة الفضائية الدولية ورعايتها من قبل رواد الفضاء من الممكن أن يساعد على تحسين الروح المعنوية برواد الفضاء.

الأهمية الأكبر لعملية زراعة النباتات في الفضاء، والتي تعتبر حلما كبيرا لعلم الفضاء، يكمن في إمكانية زراعة النباتات على سطح بعض الكواكب للحصول على غاز الأوكسجين. وقد أجريت تجربة سابقة للأمر في مركز جونسون الفضائي. حيث تم وضع أحد خبراء الكيمياء في حجرة محكمة مربعة الشكل طول ضلعها 10 أمتار وتم تفريغها من الهواء. واحتوت الغرفة على مزرعة قمح صغيرة لا تتجاوز مساحتها 10 متر مربع. وبعد مرور أسبوع، خرج الكيميائي من الحجرة وهو في صحة جيدة حيث اعتمد في التنفس على غاز الأكسجين الناتج من هذه المزرعة الصغيرة.

هذا النجاح المميز لهذه التجربة جعل العلماء يفكرون في إمكانية استبدال خزانات الأكسجين التي يحملها رواد الفضاء بنباتات مزروعة.

صعوبات تقنية

بالطبع هناك العديد من الصعوبات الفنية الخاصة بعملية الزراعة في الفضاء الخارجي. من بين أبرز هذه الصعوبات هو أثر الجاذبية المنخفضة على العديد من المحاصيل الزراعية.

أيضا هناك مشكلة انخفاض الإضاءة في بعض الأماكن المراد الزراعة بها. فكوكب المريخ مثلاً يستقبل نصف الإشعاع الحراري الذي يصل إلى الأرض من الشمس. بالطبع الزراعة ستكون داخل صوبات، وأي إغلاق بالضغط لهذه الصوبات سيقلل بشكل أكبر وصول الأشعة الضوئية الواصلة للنباتات. لكن على سطح القمر سيكون الوضع ملائما بشكل أكبر.

كما أن النباتات سوف تعاني في النمو تحت ضغط جوي منخفض. وعلى الرغم من أنه يمكن ضبط الضغط الملائم داخل الصوبات الزراعية، لكن زيادة الضغط داخل الصوبة معناه أننا نحتاج صوبة أكثر قوة وبالتالي ستزداد تكلفتها والمواد المطلوبة لصناعة هذه الصوبات.

ونتيجة لغياب الغلاف الجوي المناسب فوق القمر أو المريخ، فإن النباتات ستكون معرضة لكمية أكبر من الأشعة الكونية مما سيستلزم استخدام دروع خاصة لحماية النباتات داخل الصوبات الزراعية.

يذكر أنه هناك صوبة زراعية في محطة أبحاث صحراء كوكب المريخ في ولاية يوتاه بالولايات المتحدة الأمريكية. هذه الصوبة مصممة خصيصًا من أجل محاكاة ظروف مناخية مشابهة لتلك الموجودة على سطح المريخ.