في شهر أكتوبر الماضي، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا للكاتب والباحث الاستراتيجي روهيت تالوار ذكر فيه عددًا من توقعاته المذهلة. روهيت تالوار هو الرئيس التنفيذي لشركة “فاست فيوتشر” للأبحاث وشركة “فاست فيوتشر” للنشر.

تالوار قال إن طلاب المدارس الحاليين قد يعملون في 40 وظيفة مختلفة نتيجة لتغير طبيعة العالم في السنوات القادمة وبالتالي فإنه على نظم التعليم الحالية أن تتغير لتلائم هذه التغييرات الكبيرة القادمة. تالوار، الاستشاري الذي يقوم بمساعدة الشركات على توقع ما سيحدث في المستقبل خلال الفترة ما بين 5 – 50 عامًا، قال للمدرسين والمعلمين الحاليين أن نظم التعليم الحالية متأخرة مقارنةً بالتغير السريع الذي يشهده العالم، وبالتالي فإنه على هؤلاء المعلمين أن يعملوا على تغيير نظم التعليم لتلائم ما يحتاجه الطالب للمستقبل.

الأطفال والعمل


نتيجة لارتفاع متوسط العمر المتوقع بسبب التقدم العلمي، بالإضافة إلى الاتجاه الحالي الخاص بزيادة كمية السلع والخدمات التي يتم إنتاجها باستخدام البرمجيات والروبوتات الذكية، كل هذا يعني أنه عندما يصبح أطفالنا الحاليين أشخاصًا بالغين فمن المرجح أن تختلف حياتهم العلمية بشكل جذري عن حياة والديهم.

العلماء يرجحون أن ما بين 30 – 80% من الوظائف الموجودة حاليًا ستختفي في الفترة ما بين 10 – 20 عامًا القادمة، وذلك نتيجة الاستثمارات الكبيرة للشركات في مجال البرمجيات والروبوتات الذكية التي ستحل تدريجيًّا محل العمالة البشرية. العلماء حذروا من أن يتسبب هذا الأمر في عملية “قطع ضخمة وسريعة” للوظائف البشرية.

وكان تالوار قد صرح خلال أحد المؤتمرات التعليمية أن هناك تغير واضح في الاقتصاد التشاركي، حيث تزداد بشكل واضح فكرة أن تقوم بمشاركة إحدى غرفك وعرضها للإيجار على مواقع السفر والسياحة، أو فكرة أن تقوم بتهيئة جزء من خزانتك كمخزن لبعض منتجات شركة أمازون، أو تقوم بعملية تسليم بضائع لشركة أمازون أو تحتفظ في منزلك بالطائرة الصغيرة بدون طيار التي تقوم عبرها أمازون بإيصال منتجاتها.

يبدو أننا سنكون مضطرين للتفكير جديًّا في هذه الأنواع من المهام والوظائف وأن نتعلم المهارات المناسبة لهذه الأنواع من الأعمال لأنها قد تصبح من بين وظائفنا الأساسية في المستقبل القريب وإلا سيصبح عدد كبير من أبنائنا عاطلين عن العمل. هنا يتوقع تالوار أن من يملكون وظائف سيتمكنون من العمل لمدة 100 عام طالما حافظوا على وظيفة معينة، وأن البعض قد يتنقل ما بين 40 وظيفة في 10 مجالات مختلفة، خلال فترة حياتهم التي قد تصل إلى 120 عامًا في المتوسط.

تالوار تحدى المسؤولين عن العملية التعليمية حول العالم في قدرتهم على تطوير وسائل ومناهج التعليم بالسرعة الكافية لمواكبة التطورات والتغييرات السريعة التي تطرأ على العالم حاليًا وفي المستقبل القريب.

كابوس

بعد هذه التصريحات المثيرة من تالور، قامت صحيفة التايمز البريطانية بوصف ما قاله بأنه “كابوس”، فالأمر معقد ويجعل الدماغ تدور.

تالوار نفسه قام بالرد على هذا الوصف موضحًا ما هي المقدمات التي جعلته يرى هذه النتائج المستقبلية، معددًا إياها في 4 عوامل أساسية.

العامل الأول تمثل في زيادة متوسط عمر الشخص المتوقع والذي وصل في المملكة المتحدة إلى 80 عامًا، وهو ارتفاع كبير حصل على مدى القرن الماضي. بالطبع فهذا التقدم يعود إلى التقدم الكبير الذي شهدته الرعاية الصحية وتحسن ظروف الحياة والأنظمة الغذائية وازدياد الوعي لدى شريحة كبيرة من البشر تجاه المشاكل الصحية.

أوبري دي غري، أخصائي الشيخوخة في جامعة كامبردج الشهيرة، يتوقع أن هناك اكتشافات قادمة في الطريق من شأنها رفع متوسط العمر المتوقع إلى حوالي 200 عام. المعدل في زيادة العمر المتوقع بلغ في السنوات الماضي حوالي 4 – 5 أشهر سنويًا، وإذا ما سرنا على هذا المنوال دون طفرات ما نتيجة اكتشافات طبية جديدة، فإنه من المتوقع أن يعيش طالب المدرسة الثانوية لما بين 117 – 125 عام.

العامل الثاني يتمثل في إطالة الفترة النشطة من عمرك، والمقصود بها تلك الفترة التي يتميز بها جسدك بقدر كبير من الصحة والحيوية دون الوصول لمرحلة الشيخوخة. هذا الأمر أيضًا سيتم بالتقدم العلمي في مجال الطب والدواء والرعاية الصحية. هناك مقدمات كثيرة لهذا الأمر من بينها النظر والتعامل للمشاكل الصحية طبقًا لأساسها الجيني، والأدوية التي تركز على استهداف مرض ما عند شخص بعينه (الأدوية الموجهة)، وأساليب التحفيز المعرفية وتلك الخاصة بالذاكرة.

هناك أيضًا استفادتنا هذه الأيام من الأطراف الصناعية المنتجة بواسطة الطابعات ثلاثية الأبعاد والتقدم الكبير الحادث في مجال زرع واستبدال الأعضاء.

الأنظمة الذكية

وتمثل ثالث العوامل الأساسية، فالروبوتات دخلت حاليًا في الكثير من مجالات الخدمات مثل الصناعة والطائرات والسيارات بدون قائد والزراعة والأمن وخدمات الفنادق والتجارة والرعاية الصحية وغيرها الكثير. وقد احتل الذكاء الصناعي مركزًا متقدمًا فيما يتعلق بالهواتف الذكية والحواسيب الشخصية والبحث عبر الإنترنت والطيار الآلي وأنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.

هناك تقدم واضح أيضًا فيما يتعلق بالبرمجيات ذاتية التعلم التي تستطيع التأقلم والتعرف على أنماط السلوك المختلفة وإعادة برمجة نفسها طبقًا لما يطرأ من متغيرات. وتقول أحدث الدراسات أنه بمرور 20 – 30 عامًا فإن الذكاء الصناعي سيمكنه أن يؤدي ما بين 30 – 80% من إجمالي الوظائف الحالية التي يقوم بها الإنسان.

العامل الأخير يكمن في الفجوة بين دخل الفرد ونفقاته. فالناظر للعوامل الثلاثة الماضية سيلاحظ أننا سنتجه نحو التحرر من أداء الأعمال الشاقة في مقابل المزيد من الأنشطة الإبداعية، لكن هذا التغيير لن يكون سهلًا نتيجة أننا أمضينا القرون ونحن نؤكد على أهمية العمل.

السؤال هنا، إذا لم نستطع الحصول على وظيفة دائمة، فكيف يمكننا الدفع مقابل السلع والخدمات التي نريد الحصول عليها؟ حاليًا فإن البعض يعيش ما بين 20 – 40 عامًا بعد التقاعد، وفي الكثير من البلدان فإن معاش التقاعد يكون كافيًا لينفق الإنسان على احتياجاته. لكن إذا ما تم استبدال العمالة البشرية بالروبوتات، فكيف يمكن أن نحصل على وظيفة دائمة توفر لنا معاشًا تقاعديًّا مميزًا؟

في الغالب ستضطر الحكومات لفرض المزيد من الضرائب على هذه الشركات نتيجة عملية استبدال البشر بالروبوتات. بعض الباحثين يشيرون إلى أن الحاجة للمال ستقل تدريجيًا وذلك نتيجة الانخفاض الكبير المتوقع في أسعار السلع والخدمات بفضل التقنيات الحديثة من الطابعات ثلاثية الأبعاد واللحوم المطورة في المختبرات ونظم الزراعة أفقيًّا ووسائل النقل ذاتية القيادة والتوزيع المجاني عبر شبكة الإنترنت.

هذا الأمر سيجعل الفجوة بين الدخل والنفقات تقل كثيرًا مما سيتيح للكثير منا العمل بدوام جزئي فقط، وسيمكننا العمل بهذا الأسلوب حتى نصل لعمر المائة عام دون مشاكل كبيرة.

تغيير النظرة

بالمناسبة فإن فكرة الاقتصاد التشاركي التي ذكرناها في الأعلى لن تدوم طويلًا وقد تستمر لمدة 10 – 20 عامًا فقط ثم ستختفي نتيجة لأن السيارات الذاتية القيادة والروبوتات ستقوم بعملية استبعاد الاقتصاد التشاركي هذه.

من هنا، علينا أن نقوم بتغير نظرتنا إلى العاطلين عن العمل وسيكون علينا أن نعلم الناس كيف يفكرون بشكل مختلف ويستغلون وقت الفراغ المتاح لهم بشكل مميز ومبتكر.

البعض يرى أنه طالما ستنخفض قيمة تكاليف الإنتاج فإنه على الدولة أن تتولى عملية الإنتاج، لكن البعض يرى أن هذه نهاية الرأسمالية مما سيثير الكثير من الجدل حول الأمر.

سيكون علينا أن نعرف ما هي المهارات التي قد نحتاجها من أجل تعلم الوظائف الجديدة التي ستنشأ بشكل سريع، فنحتاج لمهارات كيفية التعلم، وتسريع التعلم، وحل المشاكل، والتعاون، والتفكير في السيناريوهات المختلفة، وإدارة الأزمات، وإدارة النوم، والتأمل، وغيرها.