أيهما أفتراضي، العالم الذي نعيش فيه أم العالم الذي نهرب لنحيا به؟! في كل مره يتناول فيها الإعلام مصطلح “العالم الافتراضي” أجد تعريفًا جديدًا في طيات حديثهم، لذا توجهت إلى محركات البحث لأجدني بين عشرات التعريفات. فمنها ما ترى أن “العالم الافتراضي” ما هو سوى عالم خيالي، يحدد فيه الشخص أدواته التي يتعامل بها، فهو كالعالم الذي يصنعه الأديب  في بعض أعماله وهو بعيد عن الواقع. ومنهم من يرى أنها “حياة ثانية”.

إذا فلكل منهم مفهومه الخاص ولكن تجمعهم نقطة واحدة وهي أن العالم الافتراضي ما هو سوى طيف للواقع. كل منهم اهتم أن يعطي تعريفًا للعالم الافتراضي ولم يفكر أحد منهم أن يقدم تعريفًا للعالم الواقعي الذي نعيشه اعتقادًا منهم أنه واضح  دون الالتفات إلى ما نراه نحن. لذا قررت أن أضع تعريفًا للعالم الذي يناسبني ويناسب أبناء جيلي ثم نرى هل ينطبق هذا التعريف على العالم الحقيقي أم الافتراضي، هل ما نقوم به هنا هو فعلا افتراضي أم أنهم هم من يعيشون حياة افتراضية لا معنى لها؟

العالم الذي يناسبني هو العالم الذي نعبر فيه عن رأينا بكل حريه فنجد من يوافقنا الرأي ومن يختلف معنا، لنتناقش حتى وإن لم يقنع أحدنا الآخر. عالم أرى من نوافذه تجارب الدول الأخرى ولا ننفصل فيه عن العالم فنتابع مجريات الأمور حتى نستطيع أن نحدد أين نحن مما يحدث وما هو موقعنا من خريطة العالم التي ترسم  كل يوم، هل نحن موجودون أم لا؟! العالم الذي يناسبني لا خبراء استراتيجيين فيه، فالكل يقرأ ويبحث ليتعلم ويعبر في كلمات يصيغها ليحيط قراءه بها علمًا.

العالم الذي يناسبني عالم لا يسمح لمن يتعدى حدوده بالإفلات بفعلته وتكرارها، فعندما يجد مذيعة تتعدى كل الحدود المهنية والإنسانية والأخلاقية لا يفتأ أن يعاقبها وينزلها منزلة فعلتها لتعرف بسوء السمعه وتعاقب على ما فعلته لكنها لا تسجن. عالم لا سجن فيه، عالم “حر”. العالم الذي يناسبني عالم نتشارك فيه حمل مشاكل بلدنا والأهم هو أننا نعترف بوجود هذه المشاكل ونصرخ بملء أفواهنا: “نحن بمنستنقع، نريد حلولًا لا شعارات”. عالم نُرجِع فيه القضايا لمن له علم بها، فبالعلم نحيا لا بالفتونة والفهلوة. عالم لا خوف فيه سوى الخوف عليه.

أصبح جليًّا الآن على أي عالم ينطبق هذا التعريف، ينطبق على ما يطلقون عليه “العالم الافتراضي”. فلنلقِ نظرة على الواقع الذي يقيمون عليه وفيه، ونعيش فيه أجسادًا مقهورة وأرواحًا مقيدة. عالم يروننا فيه أشباحًا لا رأي لها ولا دور منتظر منها سوى السكوت والانصياع للأوامر. واقع يعتقل فيه من يجلس على مقهى متلبسًا بالجرم المشهود “تعاطي الأفكار وتبادل أطراف الحديث”.

المعترِض ينزلونه منزلة الخيانة العظمى. لا حاجة لك لمعرفة ما يحدث من حولك لذا لن تجد في هذا الواقع من يحدثك في وسائل الإعلام مثلا عما يحدث في سيناء، فما بالك بموقفهم من حقك في معرفة ما يحدث في الدول الأخرى وكأننا نحيا بلا عقول. واقع مليء بمن يفهمون ما لا نفهمه فهم خبراء ونحن جهلاء زماننا. نحن رواد في كل شيء ومميزون عن بني البشر، نحن وفقط من نبدع ونبرع ومن ثم يضحك علينا العالم كله من شدة بؤسنا.

هذا هو الواقع الذي تجد فيه عشرات البرامج التي تحمل اسم الضمير والحق والعدل والمسؤولية فنتوقع وجود “سادة محترمين” ولكن ما نجده شخصيات بأنصاف عقول تقدم نظريات خزعبلية لا علاقة لها بالواقع. هذا هو الواقع الذي تجد فيه برلمانًا يعبر عن الحكومة. في هذا الواقع أنت مؤهل للسيطرة على كافة المجالات في نفس الوقت مادمت عسكريًّا. واقعنا يفرط فيه في حق الجميع وفي أمنهم القومي فلا نشعر بالانتماء له ولا حتى نشعر بوجودنا فيه.

بالطبع لا أدافع عن العالم الافتراضي وأنحاز له على الواقع، ولكن أصف حقيقة وواقعًا علينا أن نعترف به. فقبل أن تستهزأ بمن يجد في “العالم الافتراضي” أرضًا خصبة ليعبر عن رأيه ويعترض، عليك أن تسأل من المذنب، من الذي تسبب في هذا الانصراف إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولا تندهش إذا انتهى بك الحال وأنت تتهم نفسك بأنك أحد الأسباب.

والسؤال الآن هل سيظل الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعي؟ هل سنظل في عالمنا الخاص الذي لا ينتهي سوى بالتعرف أكثر على حجم الكارثة؟ فحدود هذا العالم تقف عند المعرفة  وربما إيجاد السبل للحل و”فقط” أما الخطوات الفعلية فهي بيد من قمع ودمر ولم يترك أي اختيار، فقط اصمتوا وعيشوا أذلاء وإن لم يكن كافيًا فانصرفوا واتركوها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست