أعلنت الصين عن خطتها لإطلاق مهمة فضائية تقضي بهبوط مركبة فضائية على الجانب المظلم للقمر خلال العامين القادمين. وإذا ما تمكنت الصين من فعل هذا، فإنها ستكون المحاولة الأولى في تاريخ البشرية لتنفيذ هذه المهمة.

ويمثل الجانب المظلم للقمر الكثير من الغموض بالنسبة للبشر، فهل بالفعل يستحق هذه الحالة من الغموض الموجود حوله والتي انعكست بوضوح في كثير من الأعمال الفنية.

الجانب المظلم

الجانب المظلم للقمر يمثل نصف القمر الذي لا يواجه الأرض. فمن المعروف أنه نتيجة لتساوي معدل دوران القمر حول نفسه ودوران القمر حول الأرض، فإننا لا نرى سوى جانب واحد من سطح القمر لا غير. فيما يبقى النصف الآخر بعيدًا عن مستوى رؤيتنا ورصدنا من الأرض. القمر كان يدور حول نفسه بمعدل أسرع عند تكونه في البداية لكن دورانه تباطأ مع مرور الزمن نتيجة تأثير قوى المد الخاصة بالأرض على القمر.

وكلمة الجانب المظلم هي وصف غير دقيق للنصف الآخر للقمر، فالحقيقة أن النصف البعيد للقمر هو الوصف الأدق خصوصًا وأن هذا الجانب ليس مظلمًا كما يعتقد البعض، بل إن الشمس تضيئه بشكل كامل في بعض الأوقات عندما يكون الجانب المواجه لنا في وضع المحاق.

في الحقيقة فإن حوالي 18% من الجانب البعيد للقمر يتم رؤيته من كوكب الأرض نتيجة ظاهرة ميسان القمر، وهي تمثل الحركة التذبذبية لدوران القمر حول الأرض.

رصد وليس زيارة

لم يسبق لأي بشري أو لأي مركبة فضائية أن هبطت على الجانب البعيد للقمر، لكن كانت هناك عدد من محاولات رصده وتصويره. حيث تم التقاط أول صورة له بواسطة المسبار السوفيتي “لونا3” عام 1959. الأكاديمية السوفيتية للعلوم نشرت أول أطلس للجانب البعيد للقمر عام 1960. في عام 1965 قام مسبار يوفيتي آخر يدعى “زوند3” بإرسال 25 صورة أخرى عالية الوضوح لهذا الجانب من القمر. بينما كانت أول رؤية مباشرة لهذا الجانب بالعين البشرية المجردة، بواسطة رواد مركبة فضاء “أبوللو8” الأمريكية عندما داروا حول القمر عام 1968.

ويتميز هذا الجانب بتضاريسه الوعرة وانتشار العديد من الفوهات الناجمة عن تصادم النيازك والشهب بسطحه. كما يتميز بوجود عدد قليل نسبيًا من بحار القمر، وهي سهول بازاتية كبيرة ومظلمة تكونت عن طريق انبعاثات بركانية سحيقة، وتعود تسميتها بالبحار لأن الفلكيين القدماء ظنوها بحارًا على سطح القمر، هذه المناطق هي المناطق الداكنة التي تظهر للناظر إلى القمر من سطح الأرض، وتأتي ظلمتها نتيجة غناها بالحديد مما يجعلها منطقة أقل عكسًا للضوء.

كما إن البحار الموجودة في الجانب البعيد أصغر بكثير من تلك في الجانب المواجه للأرض، وتقع معظمها داخل فوهات كبيرة جدًا، حيث لم يتدفق سوى مقدار ضئيل من الحمم. وتمثل البحار القمرية في الجانب البعيد نسبة 2,5% فقط بينما تبلغ نسبتها في الجانب المواجه للأرض 31,2%.

يوجد في هذا الجانب أيضًا واحد من أكبرالفوهات الناجمة عن عملية تصادم في النظام الشمسي بأكمله، والتي يطلق عليها اسم فوهة حوض أيتكين. هذه الفوهة يبلغ قطرها 2500 كيلومتر تقريبًا، ويصل عمقها لحوالي 13 كيلومتر. هذه الفوهة هي أضخم وأعمق وأقدم فوهة موجودة على سطح القمر.

الخطوة الصينية الجديدة

بحسب وكالة “شينخوا” الصينية للأنباء، فإن الصين تنوي خلال عام 2018 إرسال المركبة الفضائية “تشينج4” إلى هذا الجانب من القمر الذي لا يمكنه استقبال البث الإذاعي الصادر من كوكب الأرض. هذ الصفة تجعل منه مكانًا مناسبًا لتواجد الآلات العلمية الحساسة.

رئيس برنامج استكشاف الفضاء الصيني، ليو جيزونغ، قال إن مركبة الفضاء هذه ستتم عملية هبوط ناعم في الجانب البعيد للقمر وأنها ستقوم بعمليات مسح لهذا الجانب أثناء سيرها نحوه وبعد هبوطها عليه.

الصين تركز في برنامجها لاستكشاف الفضاء على القمر، ونجحت الصين قبل عامين من القيام بأول عملية هبوط على سطح القمر منذ عام 1976. لكن المختصين يرون ما قامت بإنجازه سابقًا مجرد تكرار للأنشطة السوفيتية والأمريكية في منتصف القرن العشرين.

ومن المفترض أن تجعل المهمة الجديدة الصين تخطو خطوة أبعد مما قامت به الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لتتحول إلى دولة لها بصمة ريادة في مجال استكشاف القمر. هذا الأمر عبر عنه كلايف نيل، رئيس مجموعة تحليل استكشاف القمر التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأمريكية “ناسا”، عندما قال أن “مهمة تشينج4 غير مسبوقة”.

خطوات الصين الفضائية

يمكن أن نقول إن بداية الصين التكنولوجية في مجال الفضاء تعود إلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي، عندما بدأت الصين برنامجها للصواريخ الباليستية ردًا على التهديدات الأمريكية والسوفيتية. لكن أول برنامج فضائي يتعلق بإرسال البشر للفضاء تم بعد ذلك بعقود عديدة.

يسعى الرئيس الصيني الحالي تشي جين بينغ، إلى ترسيخ الصين كقوة فضائية مع التاكيد على كون ذلك لأغراض سلمية، لكن وزارة الدفاع الأمريكية لديها شكوك كبيرة حول نوايا الصين وراء ذلك.

في عام 2003، كانت أول مهمة صينية لإرسال البشر للفضاء عبر المركبة الفضائية شينزهو5، مما جعل الصين ثالث دولة في العالم ترسل البشر للفضاء الخارجي. وفي عام 2007، قامت الصين بتدمير أحد أقمارها البائدة. هذا القمر لايزال حطامه يدور حول الأرض.

بينما في مايو 2013، أطلقت الصين جسمًا إلى الفضاء قالت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون أنه يمكن أن يكون نظامًا مضادًا للأقمار الصناعية. وفي مارس 2015، أعلنت الصين أنها ستفتح برنامجها لاستكشاف الفضاء أمام القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد فقط على القطاع الحكومي.

كما أن الصين تمتلك خططًا لبناء محطة مدارية دائمة تدور حول الأرض بحلول عام 2020. كما أن لديها أيضًا خططًا لإرسال البشر إلى القمر.

جدير بالذكر أن الصين تملك 8 جامعات ومدارس ومعاهد خاصة بعلوم الفضاء بينها الجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع، ومدرسة علوم الفضاء التابعة لجامعة بكين. وتملك الصين أيضًا 6 مدن فضائية تحوي قواعد إطلاق فضائية ومراكز دراسات وأبحاث وتصنيع وغيرها. كما تملك الصين موقعين لإطلاق الصواريخ الفضائية هما موقع نانهوي والقاعدة 603. كما يوجد في الصين 4 مراكز لإطلاق الأقمار الصناعية و5 مواقع للمراقبة والتحكم الفضائي.